أردنيون يراقبون عمليات البحث عن المفقودين جراء الفيضانات
عمان – «القدس العربي»: ما الذي يعنيه تأجيل تعديل وزاري محدود على حكومة الرئيس عمر الرزاز في الأردن تتطلبه تحقيقات حادثة البحر الميت؟
ببساطة، ما يوحي به رئيس الوزراء أن حكومته ضمنياً في طريقها، وبوقت قياسي نسبياً، إلى محطة التعديل الوزاري الثاني، الذي قد يكون موسعاً أكثر مما ينبغي، وقد لا يقف عند حدود تداعيات الفيضانات والسيول المطرية التي كشفت عن عيوب من الصعب إخفاؤها في البنية التحتية والجاهزية البيروقراطية العامة.
مباشرة، بعد حادثة البحر الميت التي انتهت بغرق 21 أردنياً، تحمل وزيران في الحكومة التزامات مفهوم «المسؤولية الأدبية» الذي أدخله الرزاز حصرياً دون غيره إلى اللعبة السياسية، ولأول مرة، عندما أقال وزيرَي «التربية والتعليم» و»السياحة» في طاقمه عزمي محافظة، ولينا عناب.
لاحقاً، رفض الرزاز تعيين وزيرين جديدين وبديلين لمن خرجا. وذلك مؤشر موضوعي على أن غطاء التعديل الوزاري يمكنه أن يتسع لاحقاً، وهو ما يوحي به ضمنياً تقرير خاص لصحيفة «عمون» الإلكترونية نقلت فيه بأن الرزاز لن يجري تعديلاً اضطرارياً إلا بعد انتهاء تحقيقات اللجنة الخاصة التي أمر بها الملك عبد الله الثاني شخصياً في واقعة البحر الميت.
ضمنياً، يوحي الحديث بأن الغطاء الملكي والسياسي متوفر وبقوة للرزاز حتى يجري ما يراه مناسباً من التعديلات على طاقمه.
والأهم، يوحي بأن وزراء آخرين على الأرجح في طريقهم لسيناريو المغادرة، وقد يكون من بينهم وزيرا «الداخلية» و«الأشغال» بسبب حزمة من الاعتبارات قد لا تقف عند حدود تداعيات الموسم المطري الذي ابتلع حياة 34 أردنياً، وبعد إقرار علني نادر على لسان رئيس الحكومة بأن البنية التحتية «ضعيفة»، وهي مسألة تعهد الأخير بأن تؤخذ بالاعتبار عند ترسيم ما أسماه بآلية مستحدثة للميزانية العامة للدولة.
«لغم بيروقراطي» ثقيل في المشهد… سدود ومناطق سيول و«حيتان»
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن القضية قد لا تتعلق إلا في جانب لا يرغب المسؤولون الأردنيون عادة بالتحدث عنه وطرحه في الإطار العلني ضمن تحقيقات ومتابعات الفساد ضمن منظومة البنية التحتية، حيث الحلقة التي تعدّ بمثابة «لغم بيروقراطي كبير»، والتي تحمل إثم «عطاءات ومقاولات» البنية التحتية.
الأحداث الأخيرة من سيول وحوادث سير قاتلة – خصوصاً على الطريق الصحراوي الواصل بين الوسط والشمال وجنوب البلاد – وكل ما يتعلق بالسدود ومشاريع تخزين المياه، هي ملفات شائكة ومعقدة تقف عندها في المحصلة كل محاولات قراءة ما حصل ويحصل مع الأردنيين، خاصة أن مزاج الشارع بدأ يكرر نغمة تقول إن «فساد العطاءات والمقاولات يقتل المواطنين ويفتك بهم».
تلك حلقة معقدة جداً من التداعيات قد تجد حكومة الرزاز نفسها مجبرة على التعاطي معها لأسباب عدة، أهمها أن رئيس الوزراء وعد المواطنين والتزم معهم برفع وتحسين خدمات القطاع العام مقابل رفع الضريبة والأسعار.
وأي محاولة من الحكومة لادعاء الالتزام بتعهداتها يعني، ببساطة، الوقوف أمام اشتباك غير متوقع بيروقراطياً وقانونياً، له علاقة بالعالم السفلي المتعلق بالعطاءات والمقاولات، خصوصاً في مشاريع البنية التحتية، الأمر الذي يحرج البرلمان ويقود إلى مواجهة مفتوحة مع «حيتان» ومعطيات ومتطلبات سوق وتداعيات مكافحة فساد.
يدرك الرزاز شخصياً هذا التحدي، وقد أشار إليه بإصرار وإدراك لمستوى الأزمة البيروقراطية عندما سألت «القدس العربي» على هامش لقاء خاص لم يكن مخصصاً للنشر، عن السياق والأولويات.
لكن الاسترسال في الاشتباك مع تعقيدات البنية التحتية، وبسبب الصعوبة البالغة التي يهضم بها الشارع قانون الضريبة الجديد، يعني أن استحقاقات في غاية الأهمية سيواجهها الرزاز إذا ما قرر الخوض والالتزام.
من هنا تحديداً يمكن فهم الإشارات بعنوان «تعليق» تعويض وزيرين غادرا الحكومة والانتظار مع الإيحاء بأن التعديل الوزاري المقبل «قد يتسع». وأن ضعف البنية التحتية مسألة لم يعد من الممكن مواراتها وتجاهلها، لأن ملفات ديوان المحاسبة تحال بالجملة حالياً إلى هيئة مكافحة الفساد وسط قناعة المربع الحكومي بأن الشعار الملكي اليوم هو الأساس عندما يقول: «كفى… ينبغي أن نمضي».
وعليه، يمكن القول إن الرزاز إذا قرر الاشتباك مع ملف «فساد البنية التحتية» وفتح معركة جديدة هنا، فالمشهد سيكون أمام سيناريوهات متنوعة لا تنتهي عند البحث عن طاقم وزاري تكنوقراطي قادر فعلاً وخبير، بعيداً عن المحاصصة ويختلط بوزن وبعد سياسي.
كذلك لا تنتهي عند المضي للأمام في المزيد من فتح الملفات، بل قد تقف عند إعلان الاشتباك مع أحد أعقد الملفات في عالم البنية التحتية وتفصيلاتها ومقاولاتها.