الأردن خلف الكواليس: ضرب «بيروقراط» حماس خطأ وتقويضها بالرصاص غير ممكن

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: كيف يمكن اتخاذ تدابير حريصة ودقيقة للحفاظ على مصالح الذات والتخفيف عن الفلسطينيين في التوقيت نفسه انطلاقاً من دائرة مغلقة مرتبطة بالمشاعر؟
تلك هي المفارقة التي تعبر عن أزمة الأردن الرسمي والشعبي وتختبئ بهيئة سؤال لا أحد يعلم بعد كيف يمكن تحصيل إجابة مباشرة ومنتجة عليه. وهو السؤال الذي يعكس حجم العبء الذي تشعر به دوائر القرار الأردنية.
التحرك وسط ألغام إسرائيلية مرة وأمريكية أوروبية مرات هو مهمة معقدة وصعبة ومضنية، وإعادة الرشد بعد أحداث معركة طوفان الأقصى إلى العقل الغربي هي المهمة التي وجدت الدوائر السياسية الأردنية نفسها معنية بها في اليوم الرابع بعد السابع من أكتوبر، وحصرياً في الاجتماع السريع والطارئ على مستوى وزراء الخارجية والجامعة العربية.
في ذلك الاجتماع، قدرت الدبلوماسية الأردنية مباشرة وبعد ثلاثة أيام من الارتباك الشديد رفض فيها قادة الولايات المتحدة وأوروبا ليس الإصغاء فقط بل الرد على هواتف نظرائهم العرب، قدرت بأن الوصفة الأفضل براغماتياً وفوراً هي إدانة قتل المدنيين بين الطرفين. وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، قرر في اتصالات هنا وهناك بأن بادرة إدانة قتل المدنيين باسم المجموعة العربية رغم عدم شعبيتها كانت بمثابة الرافعة التي سمحت للأطقم العربية بالتحرك، وبثت قدراً من الحرارة في خطوط الاتصال مع دول أوروبية عدة، وبجهد أردني استثنائي انتهى بقرار الجمعية العام للأمم المتحدة الأخير والشهير. دخل الإسرائيلي صبيحة يوم السابع من أكتوبر في حالة الذئب المتوحش الجريح.
وفوجئ العرب قبل الفلسطينيين، وفقاً للسردية الأردنية التي توثقت منها «القدس العربي» في مشاورات عدة، أيضاً بحجم وشكل التضامن الذي أظهره الرئيس جو بايدن وهو يحضر لإسرائيل، ثم تعقبه حاملة طائرات قبل أن يصرح بأن ما حصل في غلاف غزة 15 ضعفاً مما حصل في أحداث سبتمبر.
كانت الأجواء ملبدة تماماً، ورافعة الجامعة العربية المشار اليها اشتغلت في وقت متأخر. أما ليلة قصف المستشفى المعمداني تحديداً فكان وزير الخارجية الأردني قد غادر برفقة نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن، فوراً، إلى منزل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمان، الذي قرر بدوره عدم حضور لقاء رباعي مقرب مع بايدن في العاصمة الأردنية باليوم التالي.
وعليه، قررت عمان إلغاء ذلك اللقاء الرباعي الشهير بعدما قدرت بأن حرارة تعليقات بايدن في إسرائيل محرجة، ولا توجد ضمانات بأن لا يكرر بعمان ما قاله في إسرائيل. تلك طبعاً سردية دبلوماسيي عمان لمسار الحدث، لكن بعض الساسة الكبار وفي الوقت الذي لا يملك فيه الأردن ترف تجنب الاشتباك، غرقوا في معادلة كيفية التصرف بعد الطوفان إياه في ظل موقف كثير التعقيد ومشاعر عارمة لم تقف عند حدود الشعب الأردني فقط، بل شملت جميع المسؤولين من أعلى الهرم والمؤسسة الملكية أدناه في الوظيفة والواجب؛ لأن أجراس الخطر الشديد قرعت بكل الأحجام والأوزان.
كانت لحظات عصيبة بامتياز ومرتبكة، لكن المقاربة السياسية الأردنية انتقلت فوراً إلى معادلة الموقف المرجعي المتقدم في محاولة لضبط ردة فعل إسرائيل التي سارعت لقصف وحشي وهمجي وعنيف، قال الأردن علناً إنه يعبر عن جرائم حرب وينذر باتساع الصراع وأقلمته. والأهم ما أبلغ لقادة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا مباشرة تحت قاعدة تشير إلى أن القصف العنيف وقتل المدنيين الفلسطينيين بكثافة لن يجلب الأمن لإسرائيل، والأخطر لن يقوض أن يقضي على حركة حماس.
سرعان ما اعتبرت الدبلوماسية الأردنية بدورها، أن مراوغة مجلس الأمن واللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بمشروع قرار قابل للعبور هو الخطوة الأكثر إنتاجية دبلوماسياً فقط، لأن الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن كان جاهزاً تماماً للانقضاض على أي عبارة أو مفردة لا تتضامن مع إسرائيل أو تشرعن حربها الدموية ضد قطاع غزة.
وفقاً لرواية منقولة عن الصفدي، غرق طاقما الدبلوماسية، الأردني والمصري، في أروقة الجمعية العامة، وكان الهدف ليس العبور بما سمي مشروع القرار الأردني أو التوصية، بل وضع أساس في الأروقة الدولية يمكن الاستفادة منه في إعادة ولو قدر من الاعتدال والمنطق للهجة التي يتحدث بها الأمريكيون والأوروبيون. وهي مهمة حققت في رأي الدبلوماسيين، نسبة من النجاح فيما اشتعلت غزة بنيران القصف الوحشي واشتعلت المنطقة بالمقابل في حسابات وتداعيات ما يسمى باتساع رقعة العمليات العسكرية والصراع إقليمياً.
في كواليس النقاشات، استمر وزير الخارجية الأردني بطرح ملاحظات وتساؤلات وهو يحاول العبور بمشروع القرار مع القناعة بأن القرار العربي في إدانة قتل المدنيين هو الذي سمح بالتحرك في الأروقة الدولية. تلك الملاحظات والتساؤلات تطرح كسردية أردنية على أمل فرد الأوراق جميعها على الطاولة. وعمان هنا كانت تذكر الأوروبيين بأخطاء فكرة اجتثاث حماس بدون بدائل وعملية سلام، كما حصل في العراق، بعنوان اجتثاث حزب البعث، مع التذكير بضرورة التفريق بين العسكري والبيروقراطي في مؤسسات فصائل المقاومة الفلسطينية، والبحث طوال الوقت عن آلية تناسب عزل المدنيين أو على الأقل ضبط جماح ماكينة القتل الإسرائيلية للأبرياء، والتركيز على أولوية وقف العدوان والحرب، لا بل إظهار أن دول الاعتدال العربي مستعدة لدفع ثمن مقابل تمسكها بذلك، والتذكير بأن الدول الغربية عليها بعد الآن مساعدة محور الاعتدال العربي في التقاط اللحظة الراهنة والتخلص من وهم فكرته في تجاهل الشعب الفلسطيني بعد الآن، والتركيز على تقديم بديل للشعب الفلسطيني عن حماس؛ لأن تقويضها غير ممكن بالرصاص وبالقصف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية