عمان- «القدس العربي»: لا تبدو محاولة رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز استدراج بعض رموز الحراك الشعبي لمائدة حوار معه «مؤسسية»، بمعنى أنها نتجت عن نصيحة بالتوافق مع ما يسميه النائب خالد رمضان بالعادة مركز الثقل الأمني في الدولة.
دعوة الرزاز للتحاور مع الحراكيين قبل يومين فقط من الخميس الثالث لحملة «معناش» الحراكية اللافتة للنظر، أثارت الجدل على أكثر من محور. بالنسبة للرزاز، أظهر تلك المرونة في شخصية الحكومة وهي ترحب بالحوار مع الحراكيين الأكثر تطرفاً حتى اللحظة في مواقفهم، أملاً في تسجيل اختراق في جسد المؤسسة الصغيرة التي ظهرت حتى اللحظة لقيادة «معناش» في الشارع المجاور لمقر رئاسة الوزراء.
الحراكيون، من جهتهم، انقسموا في تقييم حالة الحوار مع الحكومة. بعض الحراكيين لجأ إلى التصعيد وقرر رفض دعوة الرزاز، وهنا استعد البعض لجولة المحافظات الحوارية الفاشلة إبان تسويق قانون الضريبة قبل عدة أسابيع. ويعبر رفض الجلوس على مائدة الحوار مع رئيس الوزراء عن حالة من العبث السياسي وفقاً للكثير من الآراء تثبت بأن حملة معناش لا تزال في طور التكون والتشكيل ولا يوجد لديها برنامج محدد بقدر ما تهدف إلى رفع الصوت وسقف الهتاف والمطالبات.
الرافضون لدعوة الرزاز تجاوزوا المألوف ومضمون فكرة الحوار، عندما تقدموا بشرطين يعلمون مسبقاً أن القرار بشأنهما ليس عند رئيس الحكومة، وهما استعادة الرزاز للولاية العامة حقاً، هذا أولاً.
وثانياً الإفراج عن جميع المعتقلين أمنياً بسبب نشاطهم الحراكي في الشارع، وهو أيضاً قرار عابر للرزاز والحكومة وصعب التنفيذ، إلا ضمن مبادرة أشمل لاحقاً. وبكل حال، أظهرت بيانات بعض الحراكيين الرافضين للتحاور مخاوف الحكومة من تدحرج كرة الحراك والاعتراض بصورة أكبر، وساهمت في توفير غطاء نفسي يمنح بعض التعبيرات الحراكية جرعة الغرور اللازمة لمواصلة الاحتجاج، لا بل العمل أيضاً على المزيد من التحشيد.
لكن الحكومة، في المقابل، تعلم بأن حراك «معناش»، ورغم ارتفاع صوته وحضوره الذي ينمو ويتقدم، سيبقى محدوداً وقابلاً لاختراقات ذكية ما دام تيار الإخوان المسلمين بعيداً عنه، وما دام لا يخاطب جميع شرائح المجتمع ومكوناته. لكن بعض الناشطين حراكياً وافقوا، بالتوازي، على فكرة الجلوس مع الحكومة، ما يؤشر على حالة انقسام صغيرة، في الوقت الذي صدرت فيه بيانات لأشخاص تحدثوا باسم حراك «معناش» وقدموا أنفسهم كقيادات لهذا الحراك على رافعة الحكومة وعبر دعوة الرزاز لهم، الأمر الذي يمكنه أن يعبر عن خطوة متذاكية حكومياً.
توسع في مطالب الإفراج عن جميع الموقوفين والمعتقلين الأمنيين
في الاتجاه المعاكس، أعلنت حملة «معناش» أنها مستمرة، ودعت المواطنين الأردنيين جميعاً ومجدداً للاحتشاد مرة ثالثة وفي منطقة الدوار الرابع في العاصمة عمان بالقرب من محيط رئاسة الوزراء، وفي توقيت يتوقع فيه مراقبون أن تنجح هذه الحملة في جذب مزيد من المشاركين، مساء غد الخميس، بعدما أظهرت الحكومة اهتماماً بمحاورتها.
لكن الحجة التي استخدمت طوال الوقت من حملة «معناش» ولاقت مساندة من شخصيات كثيرة خارجها كانت تلك المتعلقة بالإشارة إلى أن التوسع في الاعتقالات والاستدعاءات الأمنية لا ينطوي على نوايا حسنة تعكس الرغبة في الحوار، حتى كان الأداء البوليسي هنا مكرساً بقناعة بخدمة أجندة حكومة الرزاز ويهدف إلى تخفيف حجم الاحتجاجات في الشارع عليها وضدها.
وفي السياق، من المرجح أن مراكز القرار في الدولة والحكومة لم تصل بعد لقناعات محددة وتوافقية بشأن كيفية التصرف مع الواقع الصاخب والمعارض الذي تفرضه حملة معناش باعتبارها أول استعراض حراكي وسط العاصمة عمان بسقف الأطراف والمحافظات.
الاعتقالات الأمنية هنا أصبحت عبئاً على حكومة الرزاز، وقد أكد النائب رمضان بأن من يبغي الحوار عليه أن يفرج فوراً وبدون تردد عن جميع الموقوفين في إطار التعسف الأمني للحكومة.
في المقابل، لا يبدو أن أي وقفة للقمع الأمني الخشن تحت عنوان إنهاء تجمعات «معناش» من الطراز الذي يمكن أن يقبل الرزاز تسجيله ضد حكومته، بصفته الرجل الذي قفز به أصلاً إلى واجهة هذا الحكم هو حراك الدوار الرابع، وأيضاً بصفته من رموز الإيمان بالديمقراطية والحوار، ولا يناسبه الاستثمار في أدوات الأمن الخشن.
إلى أن تحسم الدولة خياراتها، فمن الملموس أن حملة «معناش» تنجح نسبياً في ما أخفقت فيه بقية الحراكات، وهو حصرياً إثارة نمط من أشكال الصراع بين مراكز القوى وحكومة الرزاز داخل جدران الدولة.