عمان-“القدس العربي”: الأردن وصفقة القرن في ظل إعلان التفاصيل الوشيكة ما الذي تغير؟ يبدو السؤال هنا مفتوحا على كل الاحتمالات لكنه بالتأكيد سؤال مهم تنشغل به مؤسسة القرار الأردنية هذه الأيام قبل غيره خصوصا مع التوثق المباشر على مستوى وزارة الخارجية من ان البيان الأخير لمكتب جاريد كوشنر بخصوص قرب إعلان صفقة القرن ينطوي على مصداقية.
عمان هذه المرة تبدو متيقنة أكثر دبلوماسيا من أن مهلة الكشف عن تفاصيل ما يسمى بصفقة القرن قد تكون الأخيرة بعد ما انتظرها العالم طوال العام الماضي.
في مقايسات وزير الخارجية النشط أيمن الصفدي وحتى اللحظات الأخيرة لا تزال المؤسسة الأردنية في انتظار ما يقول الأمريكيون أنها خطة مفصلة من الرئيس دونالد ترامب لإنقاذ عملية السلام وحل الصراع العربي الإسرائيلي.
الصفدي يرفض التعليق على أفكار أو مقترحات غامضة ويؤكد لـ”القدس العربي” مرات أن مواقف بلاده ثابتة في دعم الحق الفلسطيني وفي إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، مشيرا إلى أن الأردن لا يسارع في الاستنتاجات ولا يعتمد في مواقفه من أي معلومة جديدة إلا على الحقائق والوقائع بعد عرضها.
بمعنى آخر تقول الدبلوماسية الأردنية إنها لن تعلق على خطة ترامب إلا بعد تزويدها بصفة رسمية بملامح هذه الخطة. وهو موقف سانده عمليا ولكن بلهجة أخرى رئيس الوزراء الأسبق ومهندس اتفاقية وادي عربة الدكتور عبد السلام المجالي عندما قال ردا على استفسار لـ”القدس العربي” بعدم وجود أدلة على أن خطة ترامب أو ما يسمى بصفقة القرن كلها أو بعضها سيئ وسلبي.
المجالي يدعو للتريث في الاستنتاج ومغادرة التكهن إلى أن يعرض الأمريكيون أفكارا محددة مكتوبة وقابلة للتنفيذ.
بالتوازي وطوال العام الماضي بقيت عمان متوجسة من خطة ترامب. وعبر عن هذا التوجس في أقصى مساحاته ومسافاته رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري عندما اعتبر بأن صفقة القرن طبقت في الواقع وأن الخشية الكبيرة من أن يكون الهدف من بقاياها ليس تصفية القضية الفلسطينية فحسب ولكن المساس بالأردن والأردنيين شعبا ودولة.
أطلق المصري هذا التحذير بداية العام الماضي وفي محاضرة عامة. لكنه احتفظ بروايته للأحداث وكرر المخاوف والهواجس نفسها عندما استفسرت منه “القدس العربي” مجددا في الأسبوعين الأخيرين. بمعنى آخر لا تزال صفقة القرن المزعومة تثير ارتياب النخبة الأردنية لكن ما تغير في الأسابيع القليلة الماضية هو تلمس السياسيين الفاعلين لمستوى مختلف من الاطمئنان وتقلص مساحة الارتياب في دوائر صناعة القرار الرسمي حيث لا بيانات عدائية تجاه صفقة ترامب وكمون مع سكون تكتيكي يعكس الانطباع بأن مؤسسة القرار على الأقل اليوم لديها بعض المعطيات والمعلومات.
بمعنى آخر يتعاظم شعور النخبة الأردنية بأن مستويات القرار العميقة في الدولة لم تعد قلقة في الفترة الأخيرة وبصورة توحي بوجود معلومات خلافا لما كان عليه الأمر منذ شهر اذار/مارس العام الماضي.
انطباع الخبراء هنا يتكرس أكثر مؤخرا بأن خطوة التنظيم التكتيكية الأردنية أصبحت منتجة أكثر في الأسابيع الاخيرة بعدما تقرر استراتيجيا الهجوم على ما هو سلبي وضد مصالح الدولة في ترتيبات ترامب وكوشنر من داخل الصفقة بدلا من البقاء في خارجها أو بمعنى التحول هنا إلى عنصر فاعل في الترتيبات يجلس على الطاولة بدلا من الإصرار على موقف عدائي وسلبي ورافض والبقاء خارج الطاولة أو في مقاعد المتفرجين.
يبدو هنا أن هذا التكتيك يقف وراء امتناع رموز السلطة والمؤسسات الأردنية عن تكثيف الهجوم عن الصفقة الأمريكية أو التعليق عليها قبل نضوجها على الأقل.
وهذا وضع يعيد إنتاج السؤال نفسه، ما الذي تغير في الأردن تجاه صفقة القرن من شهر شباط/فبراير العام الماضي إلى الشهر الحالي؟
الإحصاء السطحي لمسار الأحداث يدلل على أن الأردن وخلال هذه الفترة عاد على نحو أو آخر إلى بوصلة الاهتمام الأمريكية، فقد زار وزير الخارجية مايك بومبيو عمان واستضاف الصفدي خلوة وزراء الخارجية العرب الستة المثيرة في البحر الميت وشوهد في أروقة اجتماع بروكسل. تغير أيضا أن الأردن بصدد المشاركة في مؤتمر وارسو وأن مشكلاته الاقتصادية والمالية تزحزحت قليلا في البنك الدولي وعلاقاته مع العراق حظيت بدفعة كبيرة في الأثناء، كل ذلك حصل بدعم أمريكي وبصيغة توحي ضمنيا بأن موقف الأردن من صفقة القرن التي قال كوشنر منتصف الأسبوع الحالي انه سيعلن تفاصيلها أصبح براغماتيا أكثر.
التفاصيل ستظهر خلال أيام قليلة.