عمان- «القدس العربي» : لا يمكن للحرص على «تجاهل» تغطية الاعتصام الأخير بعنوان «معناش» وسط العاصمة الأردنية عمان أن يكون «حلاً» من أي نوع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأسعار والخبز والضرائب، والأهم بالارتفاع الحاد في سقف الهتافات ولو من قبل عدد «أقل» أو محدود قياساً بتجمعات الدوار الرابع.
أغلب التقديرات، وبعد تدقيق الهتافات التي صدح بها المئات من شباب الحراك المستجد، أن الهاتفين والمتجمعين مجموعات غير منظمة حزبياً وسياسياً وحاضرة وسط العاصمة من بعض الأطراف والمحافظات، الأمر الذي منع الزخم في الواقع عن التحرك الأخير.
«معناش».. كلمة ينبغي أن تجمع عشرات الآلاف من الأردنيين، لكنها لم تفعل يوم الجمعة الماضي، ومؤسسات الإعلام الجديد التي انطلقت نحو حرية التعبير وحياد التغطية تقصدت تجاهل الفعالية، ما يعيد التركيز على دور الأحزاب والنقابات المهنية التي امتنعت عن المشاركة وتبرأت مسبقاً من عنوان الحراك الجديد.
الإعلام الرسمي تجاهل الحدث تماماً، وعدد رجال الأمن في الشوارع أكثر من عدد المحتشدين، والإعلام «شبه الرسمي» كذلك وقف بعيداً، والوجوه التي يراها الأردنيون عادة بشوارع العاصمة تغيبت تماماً عن الحصة الجديدة في الاعتراض، وظهر بأن جهداً عنيفاً قامت به المؤسسات العميقة لتجنب الصدام أولاً، وثانياً لتشكيل استعراض كبير في الشارع يطالب بخطاب يراه كثيرون عبثياً بامتياز مثل «إسقاط حكومة الرئيس عمر الرزاز».
عملياً، مسيرة «معناش» لم تكن مؤثرة جماهيرياً وشعبياً وإعلامياً، لكنها قد تعبر لأول مرة عن محاولة زرع هتافات من وزن تلك التي كانت تتردد في المحافظات بقلب العاصمة عمان، في الوقت الذي لفت فيه أكثر من المسيرة وهتافها الخبر المتعلق باستعمال الزيوت المحترقة والزفت السائل لإغراق أطراف ساحة كان ينبغي أن يعتصم فيها المعترضون.
وزن حركة «معناش»، وحتى مساء الأحد، يعني بوضوح أن قانون الضريبة عبّر باسترخاء رغم كل الضجيج. المستجد الأول هو بروز صوت في الشارع ولأول مرة يهتف بـ»إرحل إرحل يا رزاز»، وتلك رسالة يفترض أن يقرأها الأخير جيداً حتى وهو مهتم بالتحدث عن «العبثيين والعدميين» الذين يعيقون فقط.
تجاهل «إعلامي» وزيوت محروقة في الساحة وأدبيات عن «الديوان» و«الأعيان»
كلاسيكيات الهتاف حضرت أيضاً، خصوصاً تلك التي تستهدف شخصيات محددة مقربة، ويتصور الهاتفون أنها نافذة ومسؤولة عن «نهب البلاد» في الوقت الذي وجهت فيه رسائل جديدة بسقف مرتفع عند ذكر «الديوان» وتسجيل عبارة لم يتطرق لها سابقاً أي حراك بعنوان الدعوة إلى إسقاط مجلس الأعيان.
تلك أدبيات لا علاقة لها بالهتاف المنظم المعتاد للحراكيين في العاصمة عمان، ولا بنشطاء النقابات المهنية، ولا بمجموعات الدوار الرابع التي أسقطت حكومة الرئيس هاني الملقي. وهي أيضاً أدبيات خارج سياق الأحزاب السياسية المألوفة، وتم التلميح مسبقاً عبر منصات التواصل إلى أنها تتقصد الإشارة إلى «فاسدين» من شرائح اجتماعية محددة، ما يشتت الهدف ولا يحققه.
في كل حال، وبكل اللهجات، قال التيار الإسلامي «لا» مسبقاً للمشاركة في حراك «معناش» الذي ولد في الشارع أصلاً بدون «أب معروف ومحدد الهوية»، كما امتنعت النقابات المهنية عن المساهمة، ولم يتحمس الإعلام، وغابت التغطية، وتحولت الهتافات الخشنة الموجهة ضد الدولة وليس الحكومة إلى لقطات على الفيديو يتبادلها الأردنيون عبر الوسائط فقط.
تلك الوقائع قد توحي بأن الرئيس الرزاز لا يزال يحظى بالدعم من قوى أساسية في المجتمع، بعضها يرغب في منحه «فرصة» مثل التيارات المدنية، وبعضها الآخر لا يريد تحمل مسؤولية التصعيد في وجهه مثل التيار الإسلامي.
وبعضها الثالث يخطط جيداً لعدم التورط بالعودة إلى خيار «بديل» أسوأ من الرزاز ولا يمكنه أن يفعل شيئاً باستثناء تسجيل الانتصار لصالح التيار المحافظ، وهنا يمكن إجلاس النقابات المهنية.
بمعنى آخر، يستفيد الرزاز- بالرغم من الهتاف برحيلة من قبل عشرات النشطاء-مما يمسيه الدكتور مروان المعشر بـ «الأمر الواقع»، حيث التيار الأهم في الشارع-الإخوان المسلمون-لا يريد الظهور في واجهة مرحلة صعبة في تاريخ البلاد، ونقابات مهنية لديها مرونة في تقدير الظروف العامة.
وحيث نخب حراكية ومثقفة وسياسية وحزبية بالجملة، استطاع الرزاز على نحو أو آخر إقناعها بأن تعثره وسقوط حكومته لن ينتهي بوزارة أفضل وبأي مقياس، بل على العكس تماماً قد ينتهي بحكومة كلاسيكية متشددة لا تؤمن بالحوار من حيث المبدأ وتعود بالأداء العام إلى السياق الشمولي المركزي، حيث يتربص كثيرون داخل وفي عمق الدولة بالحراكات كلها ويخططون للعودة إلى «ضرب الجميع وإسكاته»، الأمر الذي يقاومه الرزاز وإن «تواطأت» حكومته مع بعض مظاهره أحياناً. ويبقى السؤال المرجح: هل يكفي كل ذلك لبقاء حكومة الرزاز والاستمرار في احتواء الاحتقانات في الشارع الأردني؟