ما يجري في ملف نقابة المعلمين لا يزال يكتنفه الغموض وهو إشارة كبرى على ان بقاء الحريات العامة والنقابية في الحالة السالبة هو بحد ذاته منهج وقرار وليس نتيجة.
عمان ـ «القدس العربي»: لا أحد يفهم بصورة محددة بعد على الأقل في الوسط السياسي والنقابي الأردني ما هي الأسباب التي تدفع التربية والتعليم لإعادة النفخ في أزمة نقابة المعلمين كلما هدأت تلك الأزمة قليلا إلى حد كبير.
ولا أحد يفهم بالمقابل ما هي الفكرة الإدارية العبقرية التي تدفع مجددا باتجاه التصعيد ضد نشطاء نقابة المعلمين بحيث تخلو الساحة من دعاة التسكين والهدوء والاستقرار وتعود حالة تسمح لحزب جبهة العمل الإسلامي المعارض ولنشطاء نقابيين بارزين بالعودة إلى المربع الأول في أزمة نقابة المعلمين.
تلك الوقائع باتت عصية على الفهم والمقاربة الوطنية تفترض بأن الهدوء الذي عايشه الشارع في مسألة نقابة المعلمين طوال أكثر من عام ونصف حتى الآن يفترض ان يمثل مكسبا سياسيا للأطراف الرسمية والأهلية.
وبالتالي لا مبرر لعوده السياسات الاستفزازية إلا إذا كانت العقيدة الإدارية برأي المستشار والخبير القانوني والحقوقي المحامي عاصم العمري هي تلك التي تؤمن بتضييق آفاق حرية التعبير وتصر على بقاء أزمة المعلمين لأغراض محفوفة بالغرائب والغموض.
يضم العمري صوته إلى القائلين بان ما يجري بين الحين والآخر في ملف نقابة المعلمين لا يزال يكتنفه الغموض، وما يقصده أن ما يجري هو إشارة كبرى على ان بقاء الحريات العامة والنقابية في الحالة السالبة هو بحد ذاته منهج وقرار وليس نتيجة لما يمكن ان يقال هناك وهنا عن تصعيد في سياق حراك المعلمين.
كل الأسئلة القديمة ومعها أخرى جديدة أو مستجدة قفزت إلى سطح الأحداث مجددا خلال اليومين الماضيين عندما قررت وزاره التربية والتعليم إحالة بعض أبرز نشطاء الحراك التعليمي ونقابة المعلمين الساكنة والهادئة عموما إلى التقاعد المبكر.
لم تبرر الوزارة قرارها واتضح أن سياسة التقاعد المبكر او الإحالة على التقاعد بدون امتيازات وظيفية مالية كما حصل في عدة مساحات هي السياسة المتبعة.
لم يفهم القرار بأي سياق إلا ذلك الذي يتحدث عنه التيار الإسلامي وهو يشير إلى رغبة في التأزيم خارج سياق الجو الإصلاحي العام في البلاد وخارج سياق حتى تداعيات حالة الابتهاج الشعبي العارمة بعد عرس وزفاف ولي العهد الأمير الشاب الحسين بن عبد الله.
بكل حال لم تشرح الحكومة لماذا قررت إحالة قادة في نقابة المعلمين والنشاط الحراكي التعليمي إلى التقاعد المبكر ومن فسر الأمر حتى الآن هو حزب جبهة العمل الإسلامي في بيان معترض تحدث فيه عن سياسات انتقامية تظهر بان جناح التأزيم لا يزال هو الذي يحكم الايقاعات في مشهد دوائر القرار.
والحقيقة انه ما يقوله الإسلاميون وما قاله علنا بعدهم وبوضوح الناشط النقابي البارز أحمد زياد أبو غنيمة يمثل الرواية الوحيدة التي تفسر مسار الأحداث بصياغات منطقية ما دامت السلطات في وزارة التربية عند إحالة نشطاء المعلمين إلى التقاعد امتنعت عن التبرير والتفسير أمام الرأي العام.
بكل حال ثمة من يرى دوما بان الحكومة الأردنية صعدت إلى فوق الشجرة في أزمة نقابة المعلمين. لكنها لا تجد وسيلة للنزول بعد فيما التأزيم يحصل رغم ان ملفات تلك النقابة الضخمة التي كانت عنوانا للتحريك في القطاع العام انتقلت إلى مستوى الحسم القضائي تحديدا وقال القضاء المستقل كلمته في أكثر من محور.
لكن التأزيم عبر قرارات يصفها الإسلاميون بانها إدارية وإنتقامية أصبح عنوانا للزوايا الحرجة في المسألة.
والحقيقة ان مستوى الحرج يزحف وينمو بدون تبرير أو تفسير وبدون معطيات يمكن ان تكون واضحة في الوقت الذي يفترض ان تبحث فيه وخصوصا بعد عرس وزفاف ولي العهد الحكومة والسلطات والأطقم الوزارية والتنفيذية عن مساحات تهدئة وتسكين في الواقع السياسي الداخلي بدلا من تصعيد وتأزيم في ملف محرج حصرا هو ملف الحريات العامة وفي الجزء النقابي من ذلك الملف.
الغريب ان موقف رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة المنقول في عده مجالسات هو ذلك الذي يشير إلى ان الحكومة لديها نوايا طيبة تجاه عودة نقابة المعلمين إلى مزاولة نشاطاتها وتجاه تهدئة مع قطاعات المعلمين.
لكن قرارات اللجنة المختصة بالإحالة على التقاعد في وزارة التربية والتعليم يبدو ان في ذهنها تقدير آخر ولها رأي مختلف مما أعاد المسالة عشية تحديث المنظومات وعشية تعددية الحزبية إلى واجهة النقاش والتجاذب ودوما وأيضا بدون مبرر أو مسوغ واضح.