عمان-»القدس العربي»: مسافة فاصلة سياسيا وإعلاميا لكنها ليست متسعة أو واسعة بين تلك المعطيات التي تشير إلى أن عمان استقبلت زيارة خاصة من الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، ستعقبها أخرى بتوقيع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
وبين تلك القراءات التي تفترض من باب الاستنتاج والتحليل بأن الحل السياسي الوحيد المتاح الآن والممكن لأزمة الصراع اليمني المعقدة قد يحصل قريبا في قصر الحسينية غرب العاصمة عمان.
لا يوجد تصور محدد له علاقة بالأسباب التي تدفع العاصمة الأردنية لاستضافة مشاورات مع شخصيات لبنانية مثل جنبلاط والجميل أو غيرهما لاحقا.
لكن الإطلالة على المشهد اللبناني وفي الجزء المتعلق ببعض مراكز القوى فيه مفيدة وتخدم الاستراتيجية الأردنية المعلنة بعنوان تسليط الأضواء أكثر على الملف السوري ورفع شعار إعادة إدماج سوريا بالنظام الرسمي العربي وهي على الأرجح المسألة التي بحثت خلف الستارة وعلى أرفع المستويات في القمة الأردنية الروسية التي استضافتها موسكو مؤخرا.
الأردن مهتم بالانفتاح أكثر على الداخل اللبناني بدلالة أمر ملكي ثالث سبق زيارة موسكو بإرسال طائرة عسكرية ثالثة تحمل مساعدات إلى الشعب اللبناني الصديق، وأيضا بدلالة إظهار مرونة فورية عند وزيرة الطاقة الأردنية هالة زواتي تتحمس لفكرة تزويد لبنان بالكهرباء الأردنية عبر الأراضي السورية.
في نقاش سابق مع «القدس العربي» تحدثت الوزيرة زواتي عن جاهزية ومشروع طموح في هذا الاتجاه وبحث تقني وفني، لكن الجزء السياسي في تعقيدات المشهد السوري هو الذي حال مع الجزء الأمني طبعا دون ضخ الكهرباء إلى لبنان عبر سوريا إلى ان نضجت الظروف لبحث المسألة الآن.
مع عدم وجود صلة أو اتصال من أي نوع بين الأردن وحزب الله اللبناني، وفي ظل تراجع الحاضنة السياسية لتيار المستقبل منذ أكثر من ثلاثة أعوام لأسباب يعلمها الساسة، بقي الأردن خارج الاهتمام والتأثير في المعادلة اللبنانية.
تغيير المعادلة
اليوم تخطط عمان لتغيير المعادلة، فالمشاورات مع أصدقاء محتملين وقدامى من زعماء المعادلة اللبنانية مفيد لا بل يقع على الأرجح ضمن ما يسميه المحلل السياسي والاقتصادي الدكتور انور الخفش بـ»إستعادة دور مستحق للأردن».
بناء على ذلك وضمن سياق نقاش تفصيلي مع «القدس العربي» يستعيد الخفش وهو بالمناسبة خبير بالأمريكيات، مبادرة الملك الراحل الحسين بن طلال قبل سنوات طويلة وهي تؤسس لحالة مصالحة يمنية احتوت الصراع وبعد إخفاق أو تراجع بقية المبادرات، يتكهن الخفش بأن قصر الحسينية هو المكان الصحيح لكي يجلس اليمنيون مع بعضهم البعض ويستثمرون في الحكمة والخبرة الأردنية كما يصفها.
قد يبالغ كثيرون في تحديد أو ترسيم أو توظيف الحراك الدبلوماسي الأردني النشط مؤخرا في الإقليم.
لكن بالرغم من بعض المبالغات والأسئلة التي تطرحها شخصيات كبيرة حول ضرورة الاستفادة من هذا الحراك المهم على حد تعبير رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، يمكن ببساطة ملاحظة ان الدبلوماسية الأردنية فقط الآن هي التي تتحرك وفي غالبية الاتجاهات وعلى أساس استعادة القاعدة الدبلوماسية القديمة التي كانت تشير إلى ان القيمة الأعمق للبوصلة الأردنية تتمثل في القدرة بنفس الوقت على التحدث مع جميع الأطراف.
بتقدير المصري الذي سمعته «القدس العربي» مؤخرا لا بد إلى الانتباه لأهمية الانفتاح والتحدث مع الجميع فعلا ولا بد من الترحيب بمبادرات الحراك الإقليمي المرجعية من دون إسقاط حسابات الاستثمار للصالح الأردني العام والوطني وإنعكاس الأمر على ترتيب أوراق الداخل.
مجددا قد لا يتعلق الأمر فقط بإستعادة دور مستحق، فالخفش يتحدث عن خمس سنوات علنية الآن في السياسة الأمريكية العامة من الهدوء والتهدئة لكل الصراعات في المنطقة والإقليم.
ويشير إلى إخفاقات تعرفها المؤسسة الأمريكية والمجتمع الدولي لبعض المغامرات العربية التي انتهت باضطراب أو قلاقل، ويتحدث أيضا عن الدور الأردني أمريكيا باعتباره متعلقا بحليف رئيسي وقديم وخبير لكن مع دور جديد هذه المرة وبصورة تقود إلى الاستنتاج بوجود مباركة أمريكية لمنتج القمة الثلاثية بين الأردن والعراق ومصر وللاتجاه نحو مجلس تعاون عربي جديد بعد المشهد الأفغاني، قد يضم لاحقا قطر والكويت وسلطنة عمان.
تلك طبعا محاولة لتفسير الحراك الدبلوماسي النشط الذي نتج عنه تقارب شديد مؤخرا في محور عمان-الدوحة والذي ترافق عمليا مع معالجة مظاهر الخلل التي اعترت العلاقة بين الأردن وتركيا أيضا حيث قدمت شروحات تبادلها الطرفان حول نقاط تجاذب أو خلاف واتجهت العلاقة نحو برتوكول تجاري جديد ومحاولات للتفاهم على مسطرة جديدة أكثر تفاعلا بين البلدين في المجال الحيوي لملف اللجوء السوري وفقا لما أشار له رئيس وزراء الأردن بشر الخصاونة عبر الإعلام التركي مؤخرا.
ترتيب بعض الأوراق
في الوقت نفسه تستمر العلاقة الأردنية الفلسطينية بالتفاعل بحيث تتطور في عمان فكرة ان المملكة قد تكون الصديق الوحيد الحريص الآن على مؤسسات ما يسمى بالشرعية الفلسطينية حيث السلطة والرئيس محمود عباس. وحيث تنسيق تفصيلي مع مصر ودور ألمح له الناطق باسم الحكومة صخر دودين في ترتيب بعض أوراق الاتصالات المصرية التركية وعلى أساس المنطق القائل بأن تركيا دولة جارة ومهمة ولا بد أحيانا من النوم معها على فراش دبلوماسي واحد ولو في بعض الليالي.
زار وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي مصر، واستقبلت عمان الرئيس محمود عباس ثم وزير الخارجية القطري وبعده وزير الخارجية التركي ومسؤول إماراتي رفيع المستوى، كل تلك المشاورات الدبلوماسية والأمنية والسياسية أعقبت زيارة مهمة قام بها الملك عبد الله الثاني إلى واشنطن مؤخرا.
وهي زيارة في رأي الخفش دللت على استعادة الأردن لدوره الطبيعي في الماضي ضمن التعاطي والاشتباك مع ملفات الإقليم والمنطقة، حيث تطورات الإقليم تشير إلى الهدوء في أكبر مساحة ممكنة والسياسة الأمريكية على الأقل خلال السنوات الخمس المقبلة ضد التصعيد والتأزيم والصراع العسكري، الأمر الذي يسمح ضمنيا وفقا لتراث الأردن الدبلوماسي، لعمان بالتحرك وأحيانا القفز بين المعطيات الإقليمية بصورة منتجة.
بعد زيارة الملك لواشنطن اكتشفت المجسات الأردنية بإن العلاقات مع تركيا قد تتطلب تهدئة أيضا في محيط المتوسط تتجاوز العمل على تأسيس اتصالات بين مصر وتركيا، فكانت القمة الثلاثية بالتوازي مع اليونان وقبرص مما يؤشر على ان الأردن يفكر عمليا أيضا بتقديم خدمة خاصة وفق امكاناته لحالة التهدئة في الملف الليبي لاحقا وفي الملف المتعلق أيضا بصراعات الغاز والطاقة في المتوسط.
الحراك الأردني الدبلوماسي النشط كان مثيرا للغاية وينطوي على جرعات مكثفة خصوصا وان عمان توجت تركيزها على انخراط جميع دول المنطقة وزعاماتها في برنامج يدعم حكومة العراق الحالية برئاسة الدكتور مصطفى الكاظمي بلقاء قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وهو لقاء يقدر الخبراء بأن له مغزى ودلالة مهمة بعد القمة الثلاثية الشهيرة في بغداد لأنه قد يتجاوز التفاهم على دعم منع تصدير الأزمة اللبنانية واستئناف النشاط في غرفة العمليات التنسيقية، وقد يتجاوز أيضا أزمة درعا الأمنية باتجاه تفاهمات مع موسكو وأنقرة، يبدو الآن أنها تزيد ولها علاقة بمجمل الرؤيا الأردنية للملف السوري.
طبيعي القول إن الأردن يتحرك اليوم في فضاء تدعمه الخارجية الأمريكية بالتأييد وبعد مرحلة الرئيس دونالد ترامب التي نتج عنها أزمة متراكمة في العمق الخليجي وشراكة مضطربة وغير مستقرة مع بعض زعامات ودول المنطقة وبصيغة تفتح الساحة أمام استعراض الأردن لاعتداله وخبرته التراكمية، ولاحقا أمام دور فعال ضمن معطيات الأولويات الأمريكية.
تلك مؤشرات برمتها قد تؤسس لاختبار قدرة الأردن على التحرك بين الألغام لكنها تختبر بنفس الوقت القدرة على التكييش السياسي والاستفادة من مجمل هذه المعطيات أما على صعيد استعادة الدور المستحق أو على صعيد التجهيز والاستعداد والجاهزية لدور آخر في المسار الإقليمي قد يثير من القلق نفس الحجم الذي يثيره من الأسئلة والاحتمالات وأيضا الفرص.
كلام الصورة: محادثات الرئيس الأمريكي والملك الأردني عبدالله الثاني