تعملان معا في العراق وتتفقان حول خطورة ايران.. تنسيق مستمر حول لبنان والقمة العربية.. وتوجه لتوحيد الموقف من حماس
عمان ـ “القدس العربي” ـ بسام البدارين: لا تضيف زيارة العاهل السعودي أمس للأردن الكثير في السجل السياسي بين الجانبين، فالعلاقة بين القصرين طوال السنتين الماضيتين شهدتا كيمياء مختلفة إلي حد كبير لا تقف أسبابها فقط عند حدود العلاقة الطيبة والأخوية بين الملكين، بل تتغذي علي تصور إستراتيجي ـ أمني شبه موحد برز بوضوح في الأونة الأخيرة بين العاصمتين. وهذه الكيمياء في الإتصال السياسي جري تعظيمها طوال العام الماضي عبر تكليف أهم مسؤول في القصر الملكي الأردني وهو الدكتور باسم عوض الله بالملف السعودي بعد ان تكلف أهم لاعب في ديوان الملك السعودي وهو نجله عبد العزيز او عزوز كما يلقب في أوساط النخب بالعكس. ومحور الإستراتيجية الأمنية الموحدة تقريبا يمكن تلمسه بوضوح من خلال قراءة تركيبة الوفد المرافق للعاهل السعودي الذي ضم بالمقابل أهم قيادات المؤسسة الأمنية السعودية من الصف الأول مثل الأمير مقرن بن عبد العزيز رئيس جهاز الإستخبارات العامة ونائبه. ومن هنا يمكن القول بان الزيارة التي إتخذت طابعا إحتفاليا وشعبيا قد لا تؤسس لشيء مختلف او جديد في العلاقة السياسية بين عمان والرياض بقدر ما تدعم وتساند تصورات وخطط ومشاريع ثنائية فعالة أصلا منذ اسابيع بعد ان وصل التنسيق الأمني بين الجانبين إلي ارفع مستويات او لمستويات غير مسبوقة بين بلدين عربيين منذ عقود. وقد كان لهذا التنسيق في بعده الإستراتيجي الذي يتجاوز الحدث السياسي اللحظي دور حاضر ونشط في كل الملفات التي شهدتها المنطقة مؤخرا، فالبلدان متفقان إلي حد التطابق في ما يخص الملف العراقي ولديهما مشروع مشترك فعلا لمناهظة دولة الأنبار الإسلامية التي أقامها تنظيم القاعدة قرب الحدود مع السعودية والأردن فقد تكفلت الرياض بالمال وعمان بخبرتها الأمنية في إطار مشروع أمني إخترق فعلا المناطق السنية في العراق عبر مجلس إنقاذ الأنبار. ويتفق البلدان ايضا علي التفاصيل فيما يتعلق بالملف الفلسطيني وحتي عملية السلام فقد وصلت عمان لحد انها تعلن انها تتحدث بإسم السعودية عندما يتعلق الأمر بعملية السلام، ونفس القناعات تقريبا مع إختلاف بعض التفاصيل حركت البلدين بإتجاه موقف محدد من الأزمة اللبنانية المعقدة، ومن بعدها السوري وبكل تأكيد تتبني الرياض موقف عمان المحذر من مسألتين ـ أولا ـ السماح لإيران اللعب براحتها في العراق ولبنان وسورية والمنطقة وثانيا ـ بقاء او إبقاء سورية في الحضن الإيراني والإستمرار في حرمانها من الحضن العربي وحصريا السعودي الدافء. وفيما يخص إتفاق مكة عمل البلدان معا ايضا وتجلي التماثل في الإنطباعات والتقديرات في العمل المشترك قبيل قمة الرياض العربية الأخيرة، خصوصا إزاء الموقف من وثيقة المبادرة وإعادة إحيائها وتنشطيها وتكليف عمان والقاهرة بالمهمة. وسلسلة التوافقات الأردنية ـ السعودية سياسيا وإقليميا ودوليا كانت عنوانا كبيرا من عناوين الإعلام الأردني والسعودي طوال الفترة الماضية، خصوصا والواقع يشير لإن عمان جازفت بأزمة مستمرة ومتواصلة مع القطريين من أجل السعوديين فنقطة الخلاف المركزية بين عمان والدوحة تتمثل في ان الأردن مصر علي التنسيق بحماس مع السعودية، وأظهر إستعداده للمغامرة بعلاقات سيئة مع قطر مقابل ذلك. كما يتوحد البلدان عمليا في موقف سلبي ومناهض لمحطة الجزيرة القطرية ويتوحدان إزاء عشرات القضايا والتصورات مما صنع عمليا ومهنيا إطارا ثنائيا من التحرك والإتصال والخطاب فرض نفسه منذ اصبح العاهل السعودي الحالي ملكا متوجا. ومقابل الإقبال الأردني منقطع النظير علي التماهي مع الموقف السعودي بكل الإتجاهات او بمعظمها حصلت عمان حتي الآن علي مساندة سعودية لأمنها النفطي كان لها مساهمة كبيرة في إستقرار الإقتصاد الأردني وسمحت الرياض لنفسها بلعب دور الشقيقة الكبري الفعلية بعد ان هربت عمان تماما بإتجاه الرياض وهي تبتعد لمسافات محسوبة عن القاهرة وغير محسوبة عن جارتها الأقرب دمشق. وعمليا شكل الدفء السعودي مساندا قويا للاعب الأردني بسبب تعقيدات وصعوبات العلاقة الأردنية ـ المصرية التي تنطوي علي الكثير من الإحترام الشكلي تقريبا والتي تشوبها أجواء من عدم الإرتياح المتبادل كما ترجح الكثير من المجريات والأحداث. ووسط هذا المشهد العميق بين البلدين منحت الرياض عمان ما تريده إقتصاديا وناصرتها في الكثير من التكتيكات السياسية وشاركتها في الكثير من المعارك الأمنية غير المعلنة او من وراء الستار، أما عمان فنجحت في إستقطاب الذهن والإهتمام السعودي ونجحت في سحب الرياض لدائرة الإستعداد لتقديم تنازلات سلمية إذا ما لانت إسرائيل كما كرست عمان نفسها نصيرا قويا وصلبا للمواقف السعودية في كل المحافل وإزاء كل القضايا بعد ان خصصت للملك السعودي مكانة خاصة من التشاور بالصغيرة قبل الكبيرة وفي كل او اغلب القضايا ذات البعد الإقليمي. من هنا يمكن القول ان زيارة العاهل السعودي لعمان أمس لها غرض تكتيكي محدد يؤطر إستراتيجية العمل الفاعلة اصلا ويساندها، الأمر الذي قد يفسر الطابع الإحتفالي والجماهيري للإستقبال وبعده تحضيرات الوداع. وموقع عمان الآن يؤهلها للتأثير عمليا في الموقف السعودي من حركة حماس بعد ما حصل في قطاع غزة ولعل هذا المفصل هو مدار البحث الأهم الآن بين قيادة البلدين فعمان تحتاج الرياض بقوة هذه الأيام ليس فقط في مساندتها في الموقف المعلن مما يجري في الأرض الفلسطينية، ولكن في إكمال بناء التصور الإستراتيجي ـ الأمني ـ السياسي ثلاثي الأبعاد للحيلولة اولا دون تحول الفصل بين القطاع والضفة لأمر واقع وللحيلولة ثانيا دون وجود تفهم سعودي خلف الستار لما فعلته حركة حماس او لمشروعها المرحلي. ومصلحة عمان الآن تقضي بان تراهن علي تحول تنظيم القاعدة ـ خصم السعوديين الأول ـ لدعم حركة حماس لخلق مسافة إضافية بين قيادة الحركة والمؤسسة السعودية، وهي مسافة يعتقد الأردنيون انها ضرورة ملحة تكتيكيا ليس في إطار سعيهم لمساندة تفكيك او تقليم أظافر حماس، ولكن في إطار إستراتيجيتهم المعلنة والقاضية بالوقوف ضد الفصل في عمق المعادلة الفلسطينية بين الضفة والقطاع وبالتالي لحماسة أنفسهم من تصورات الكونفدرالية او التهجير التي تضغط بشدة الآن علي صانع القرار الأردني وتعتبر اولي تخوفاته. الأردن هنا واضح فهو لايريد مشروعا كونفدراليا بتوقيت خارجي وبدون حساب للتكلفة الأمنية والإقتصادية والداخلية عليه ولا يريد المزيد من الإنقسامات في اوساط الشعبين الأردني والفلسطيني.. ومن هنا حصريا يمكن تلقي مساعدة سعودية ملحة وضرورية ومهمة عبر تفهم هذه المخاوف، الأمر الذي يجعل زيارة الملك السعودي توقيتا مهمة ومهمة جدا للأردنيين.