الأردن والشتاء الساخن : من يدق ناقوس الخطر؟

حجم الخط
0

د. يوسف ربابعةالحقيقة مرة لكن لا مفر منها، هكذا تعلمنا وقرأنا وعرفنا أن الدواء مرّ لكنه ضروري للشفاء، ويبدو أن الوضع في الأردن يتطور بسرعة كبيرة نحو الحل الذي نحاول تجنبه بكل الوسائل، وعلى مدى سنتين ويزيد حاول الشعب الأردني إرسال رسائل للنظام السياسي، منها الناعم ومنها الخشن، ورد هو أيضا بالناعم والخشن، لكن الأدلة تشير إلى أن الإرسال مفصول جزئيا بين الشعب والنظام، وكل يغني على ليلاه ويتصرف من وجهة نظره دون أن نلاحظ حوارا حقيقا جادا، وكل الوعود التي تقطعها الحكومة والملك ينطبق عليها المثل الذي يقول: حديث الليل يمحوه النهار، حتى انعدمت الثقة وصار الشك سيد الموقف.ومن هنا فإن هذه الحالة لن تقف عند حد التظاهر والاعتصامات والمطالبات العابرة التي تقوم بها الحراكات الشعبية على اختلاف مشاربها ومواردها، فهناك استحقاقات اقتصادية في المرحلة القادمة سيكون لها تداعيات كبيرة وخطيرة، وربما تفوق كل التوقعات التي يحاول أن يتسلى بها المسؤولون ويمنون أنفسهم بها خارج نطاق القراءات والتحليلات الحقيقية، لأنهم لا يريدون الاعتراف بالواقع الذي بات قاب قوسين أو أدنى من الانفجار.إن الذي يقرأ المشهد الأردني وعلى مدى سنتين من الربيع العربي وقبله يدرك حجم الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، ويدرك حجم الخراب الذي حل بمؤسسات الدولة، والحالة التي وصلت إليها، ويدرك أيضا حجم المشاكل الاجتماعية التي ظهرت، والمشاكل في التعليم والجامعات، ويعرف حجم التشوهات التي حدثت في قضايا الولاء والانتماء، والنفاق السياسي والمتاجرة بالوهم والادعاءات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومن يفهم بالاقتصاد ويطّلع على الأرقام يعرف جيدا حجم الهدر المالي الذي حصل نتيجة الفساد ونتيجة المشاريع الفاشلة التي تمت السمسرة عليها لصالح فئة متنفذة، ومن يتذكر الوعود التي تلقيناها من أجل إقناعنا بعمليات الخصخصة والأرقام التي كانوا يتحدثون عنها، يتعجب من النتيجة التي وصلنا إليها، فقد كانت الوعود أنهم سوف يقللون من حجم المديونية، وينشؤون صناديق لتنمية المحافظات من فائض عائدات الخصخصة، ولكننا اكتشفنا بعد أن انتهى طابق البيع أن المديونية زادت، وأن الصناديق شفافة وفارغة والمشاريع الكبرى حبر على ورق.واليوم وبعد أن صارت الحكومات تتغير كل شهرين أو ثلاثة، ولا يتغير النهج السياسي ولا الطرق التي تتشكل بها (والاسماء هي هي)، لم يعد لدى الناس ما يفكرون به غير أن النظام السياسي قد فقد قدرته على إنتاج قيادات قادرة على العمل الجاد وتحمل المسؤولية كاملة دون تدخل أو وصاية، وأن صوتهم لم يصل لصاحب القرار أو أنه يصل مشوها أو محرفا، مما أدى ببعض الناس إلى رفع صوتهم أكثر من خلال رفع السقوف لتصل إلى الملك مباشرة ودون مواربة، وأدى ذلك إلى خلق حالة جديدة من الاعتقالات والسجون والأزمات التي لا أحد يستطيع التنبؤ بما ستؤول إليه في المستقبل القريب.والأدهى من ذلك الطريقة التي تمت بها عملية تسجيل الناخبين وما رافقها من إجراءات، إذ إن العملية الانتخابية من المفترض أن تكون معبرة عن رغبات الشعب وطموحاته، وهذا يحتاج إلى قناعات وثقة بذلك، أما ما شهدناه فقد كان عبارة عن تمويه وتورية وزلة رجل وربما ترهيب في بعض الأحيان، فقد سمعت بعض الناس يقولون إننا نذهب للتسجيل من أجل أن لا توضع علينا نقطة سوداء، فهناك جهات تروج لمثل هذه الشائعات، وهناك من يذهب للتسجيل لأنه سمع أن توزيع الدعم في المستقبل وبعد رفع الأسعار سيكون على البطاقات الانتخابية، ومثل هذه الإجراءات لا تنتج حالة مريحة من المشاركة الحقيقية التي نسعى إليها في هذا الوقت الصعب، كما أن تحييد الإخوان المسلمين في هذه المرحلة ليس من صالح الدولة واستقرارها، فالخلاف مع الإخوان لا يعطي المبرر لمن لا يحبهم أن يمارس الإقصاء والتهميش لمكون مهم من مكونات المجتمع، لأن العلاقة هنا مع كل الأطياف والأحزاب والاتجاهات هي علاقة متساوية، ترعاها الدولة ولا تتركها ساحة للمناكفات الصغيرة الزائلة.أعتقد أن الوقت ربما لم يعد كافيا لتحقيق مطالب الشارع، وأن الهوة تتسع بين النظام والشعب، وأن الثقة المفقودة بات من المستحيل استعادتها، وأننا لذلك ربما سنكون أمام خيار حتمي لا مفر منه، وهو المصير الذي وصلت إليه دول الثورات، وأعتقد أن الانتخابات التي يعتقد البعض أنها ستكون بوابة الفرج هي نفسها التي ستكون بوابة الجحيم إذا تعاملت الدولة معها على أنها عرس وطني للدبكة والزغاريد، وإذا تمت هندستها بذكاء أو بدون ذكاء لتكون لصالح أفراد وفئات وجماعات، لذلك كله صار لزاما علينا أن ندق ناقوس الخطر، ونقول بلا مواربة: أنقذوا الأردن. فالأوطان حين يجدّ الجدّ تصبح الخيار الأغلى من الملك والرئيس والوزير، والشعوب حين يعضها الجوع لا تعرف رموزا ولا سقوفا ولا خطوط حمراء.كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية