ستجرى الانتخابات في البرلمان الأردني في العاشر من تشرين الثاني، إلا إذا قرر الملك عبد الله الثاني تأجيلها بسبب كورونا. وحسب الدستور الأردني، كانت الحكومة المنصرفة ملزمة بتقديم استقالتها، وقد فعلت. وفضل الملك ألا يعين عمر الرزاز رئيساً للوزراء مرة أخرى، وكلف د. بشر الخصاونة بتشكيل الحكومة، وهو الذي تولى سلسلة من المناصب العليا في وزارة الخارجية الأردنية، وكان في السنوات الأخيرة المستشار السياسي المقرب من الملك. وأدت الحكومة الجديدة اليمين القانونية أمام الملك عبد الله في 12 تشرين الأول في احتفال أجري وفقاً لقواعد الفترة، حيث وضع الحضور الكمامات ولم تلتقط لهم صورة جماعية.
بسبب أهميتها في منظومة العلاقات الثنائية بين الأردن وإسرائيل، ينبغي الإشارة إلى المواضيع التالية والوزراء المسؤولين عنها في الحكومة الجديدة: وزير الخارجية أيمن الصفدي احتفظ بمنصبه في الحكومة الجديدة بل ورفع إلى مرتبة نائب رئيس الوزراء. وزير المياه الجديد هو معتصم سعيدان، بروفيسور في الهندسة الكيميائية. نبيل سليم المصاروة وزير شؤون البيئة، وهو ذو سجل غني في وزارة الخارجية الأردنية. وزيرة الطاقة التي احتفظت بمنصبها هالة زواتي. وزير السياحة هو نايف حمدي الفايز، الذي أدى هذا المنصب وغيره في حكومات سابقة. وثمة أمر ذو صلة بالجانب الإسرائيلي، وهو أن وزير الإعلام الجديد هو علي عبد القادر العايد الذي تولى منصباً كمسؤول مؤقت في السفارة الأردنية في تل أبيب.
التصدي لوباء كورونا وآثاره جاء في مركز كتاب الملك لرئيس الوزراء الجديد، وكذا في كتاب الرد (وينبغي الافتراض بأن الكتابين صاغهما الشخص ذاته). مر الأردن بالمرحلة الأولى من الوباء بنجاح مفاجئ حين توفي في الأشهر الاربعة الأولى أقل من 20 شخصاً. وعند كتابة هذه السطور، بلغ عدد المتوفين 350، وعدد المصابين أكثر من 73.600. وإلى جانب مصاعب الجهاز الصحي الأردني في مواجهة أعداد الإصابة العالية، تواجه المملكة التحدي الاقتصادي الذي نشأ في أثناء عقد الربيع العربي، الذي مس شديد المساس باقتصاد الأردن بسبب تقليص التجارة مع سوريا والعراق – الدولتين المجاورتين اللتين وقع فيهما مركز الصراع بين “داعش” وقوات دول في المنطقة والتحالف الدولي. ومع أن وباء كورونا وجه ضربة لكل دول المنطقة، إلا أن ضرره على الأردن كان بقدر كبير ومزايا خاصة، فالأردن تنقصه المقدرات الطبيعية (باستثناء الفوسفات)، واقتصاده يعتمد على السياحة والتحويلات المالية من العاملين خارج المملكة والمردودات لقاء عبور البضائع في أراضيه. وقد تضررت هذه الفروع بقدر كبير بالآثار الاقتصادية العالمية لوباء كورونا، والمتوقع للأشهر القادمة لا يبشر بالخير.
في كتاب الجواب للملك وفي التعيينات الجديدة في حكومته، شرح رئيس الوزراء الخصاونة كيف سيحاول التصدي لهذين التحديين الوجوديين: وباء كورونا والأزمة الاقتصادية. وقد عين ثلاثة نواب، أحدهما هو الاقتصادي أمية طوقان، الذي تولى في الماضي سلسلة مناصب اقتصادية رفيعة. ومنذ أن أصبح الأردن دولة مستقلة كان متعلقاً بالمساعدة المالية الإقليمية والدولية التي يبذل الملك الأردني جهوداً جبارة لنيلها. ويأتي تعيين طوقان كي يبث للمنظومات الاقتصادية، الداخلية والدولية على حد سواء، مصداقية وتجربة مهنية ذات صلة. وإلى جانب وزير الصحة الجديد، د. نظير عبيدات، الذي اختصاصه الطبي هو جهاز التنفس، يعتزم رئيس الوزراء الخصاونة تعيينه مسؤولاً عن مكافحة فيروس كورونا.
وكما يجدر بدولة معظم مواطنيها من أصل فلسطيني، لا ينسى موضوع النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني الأمر الذي جعل الملك عبد الله نفسه يقف على رأس الصراع ضد خطة الرئيس ترامب لحل النزاع وضد نوايا حكومة إسرائيل ضم أراض في يهودا والسامرة. في رده على كتاب التعيين من الملك، كتب الخصاونة بأن القضية الفلسطينية هي في رأس سلم الأولويات (رغم أنها تظهر في أسفل الكتاب) وأن حكومته ستبذل جهوداً لإقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران 67 وعاصمتها القدس الشرقية. كما وعد بتكريس اهتمام خاص للأماكن المقدسة في القدس على أساس الوصاية الأردنية، وذلك بسبب محاولات إسرائيل تغيير الوضع التاريخي والقانوني في القدس. ومع ذلك، فإن شطب موضوع الضم عن جدول الأعمال الإسرائيلي، والانقسام الداخلي في المعسكر الفلسطيني، والتراجع في مكانة القضية الفلسطينية في جدول الأعمال العربي والدولي، وكذا الرغبة في الامتناع عن المواجهة الداخلية مع دول الخليج التي أقامت علاقات مع إسرائيل قبل إيجاد حل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، كل هذا سيسمح للأردن بالتركيز على التصدي للتحديات التي تتصدى لها في الساحة الداخلية والاستعداد لتغييرات محتملة في المنظومتين الإقليمية والدولية تنبع من احتمال تغيير الإدارة في الولايات المتحدة، إضافة إلى تداعيات اتفاقات السلام بين إسرائيل ودول الخليج.
وحسب الدستور الأردني، ستقف الحكومة أمام البرلمان بعد أن تنتخب لتقدم له خطة عملها وميزانيتها الجديدة. والتصويت على هذين الموضوعين هو عملياً تصويت ثقة بالحكومة الجديدة. البرلمان المنصرف، مع أنه انتخب بطريقة تضمن تحكم النظام بقراراته، لا يعتبر ختماً باصماً؛ فقد اصطدم جبهوياً مع حكومة هاني الملقي (التي سبقت حكومة الرزاز) في مسألة الإصلاح المالي الذي فرضه على الأردن صندوق النقد الدولي كشرط لتلقي قرض كبير وفي مسألة شراء الغاز الطبيعي من إسرائيل.
تتميز الانتخابات المقبلة منذ الآن بارتفاع كبير في عدد الأحزاب المرشحة، سواء في تصنيف أحزاب لوائية أم قطرية. في البرلمان المنصرف كانت الكتلة الأكبر هي تحالف حزب الإصلاح ومندوبي الإخوان المسلمين ممن لم يعرضوا أنفسهم كذلك، إذ إن الحركة قررت مقاطعة انتخابات 2016. ينبغي الافتراض بأن البطالة المستشرية، والإغلاقات المتواصلة لغرض قمع الإصابة بالفيروس، إضافة إلى غياب أفق اقتصادي إيجابي، ستؤثر على نتائج الانتخابات، حتى لو كان معدل التصويت أدني مما كان في الماضي. ومن المتوقع للبرلمان الجديد أن يشدد على الحكومة في مسائل طافت على السطح في الأشهر الأخيرة، بما فيها تأثير قوانين الطوارئ (التي أتاحت فرض الإغلاقات وقيود الحركة)، وحرية التنظيم والتعبير. وعلى جدول الأعمال أيضاً شبكة من العلاقات العكرة بين الحكومة واتحاد المعلمين التي تفاقمت في أعقاب إغلاق مكاتب الاتحاد في أرجاء المملكة واعتقال قادته.
في هذه المرحلة يبدو أن النظام لا ينجح في منع انتشار وباء كورونا وآثاره الاقتصادية، ومع ذلك يبدي تحكماً بالوضع بالتأكيد مقارنة بأداء وحجوم الضرر بالنسبة لجيران المملكة. كما أن تعيين الخصاونة، الذي لم يتسلم منصب وزير من قبل، يدل على ثقة الملك عبد الله بأن الجمهور يعطيه ويعطي قراراته ثقة كاملة، فما بالك أن الخليط بين تفاقم الوضع الاقتصادي والوضع الصحي سيكون قابلاً للانفجار، ومع هذه التحديات سيتصدى الملك وحكومته الجديدة في الفترة القادمة.
أما بالنسبة للعلاقات بين إسرائيل والأردن، فإن تجميد البحث في ضم إسرائيلي ليهودا والسامرة يسمح أيضاً بتحسين العلاقات بين الدولتين. في الاتفاق بينهما حول عبور الطائرات الإسرائيلية في المجال الجوي الأردني، يمكن أن نرى إشارة أردنية للاستعداد للانخراط في مشاريع إقليمية ستتاح في أعقاب اتفاق السلام بين إسرائيل ودول الخليج. نوصي حكومة إسرائيل والحكومة الجديدة في الأردن بالدخول في حوار على خطط اقتصادية يستخدمها الأردن لرفع مكانته في المنطقة التي بين الخليج والبحر المتوسط.
بقلم: عوديد عيران
نظرة عليا 20/10/2020