نجح فلسطينيو 1948 في تأسيس عيد وطني صنعوه بأنفسهم وبدماء شهدائهم. فأيام فلسطين الوطنية الجامعة تجسدت في ذكرى الكوارث المتتابعة التي حلت بالشعب الفلسطيني. من وعد بلفور الى ذكرى النكبة الى ايام المذابح في دير ياسين وكفرقاسم وتل الزعتر وشاتيلا وجنين… كان الاحتلال هو من يصنع لفلسطين ايامها، الى أن انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة في 1-1-1965، معلنة اول عيد تأسيسي صنعه الفلسطينيون بارادتهم الحرة وبقرار طليعتهم الوطنية التي مثلتها حركة فتح.
لكن اوسلو وما تلاها، خلخلت صورة الفدائيين، فالممارسة السلطوية، خصوصا مع انسداد الأفق السياسي، عبر عجز السلطة عن بلورة بديل للمفاوضات العقيمة التي صارت وسيلة اسرائيلية للاستمرار في قضم الأرض وبناء المستعمرات، وضعت علامة استفهام كبرى على تاريخ ناصع من التضحيات. ولولا صوت الحركة الأسيرة، وقيادييها لبدت فلسطين وكأنها من دون بوصلة.
اما يوم الأرض، فكان نتاج مبادرة شعبية قام بها الفلسطينيون خلف الخط الأخضر دفاعا عما تبقى لهم من ارض، اذ قررت سلطات الاحتلال الاسرائيلي مصادرة 21 الف دونم تابعة لقرى عرابة وسخنين ودير حنا وعرب السواعد وغيرها عام 1976، في اطار مخطط تهويد الجليل.
يومها انتفض الجليل ومعه كل فلسطين المحتلة عام 1948، وسقط الشهداء في 30 آذار- مارس 1976، واسس الفلسطينيون عيدهم الوطني الشعبي العام، الذي اعلن ان صراعهم من اجل البقاء في ارضهم، هو المسألة المحورية في اطار صراعهم من اجل حقوقهم الوطنية، وحق عودتهم.
يومها كتب محمود درويش ‘قصيدة الأرض’، معلنا التماهي الكامل بين الفلسطيني وارضه:
‘وفي شهر آذار، مرّت أمام البنفسجِ والبندقيةِ خمسُ بناتٍ، سقطن على باب مدرسةٍ ابتدائيةٍ. للطباشير فوقَ الأصابع لون العصافير. في شهر آذار قالت لنا الأرض اسرارها’.
شعب يقاوم بالأرض ودفاعا عنها، وارض تجعل من الأشجار والنباتات شعبها الذي يقاوم مع الناس. هل رأيتم كيف تقاوم اشجار الزيتون في قرى الضفة، كيف حين يحرقها المستوطنون تتحول هيكلا بشريا يعانق التراب وينزرع فيه؟ كأنها تلتحق بالناس الذين صاروا ارضا فنبتت الاشجار على اجسادهم.
يأتي يوم الأرض ليعيد تذكيرنا بجوهر القضية الفلسطينية، ويطرح المسألة الاساسية من جديد، فالمسألة لا تزال كما كانت منذ خمسة وستين عاما، مشروع صهيوني يريد التهام الأرض وابادة الشعب الفلسطيني سياسيا ومعنويا بحيث يتحول الى بقايا، ولا شيء آخر. كل كلام اسرائيلي آخر هو اضاعة للوقت، بانتظار ان تحسم الحقائق على الأرض المسألة.
يوم الأرض مناسبة ثلاثية الأبعاد:
انه بالنسبة للشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل عام 1948 ، يوم للتأمل في شراهة الاستيطان الزاحف في كل مكان، من النقب الى الجليل. فاسرائيل تريد تجريد الفلسطينيين من ارضهم كي تجردهم من انتمائهم. وما المعركة المفتوحة في النقب الا اشارة الى ان ما ينتظر الفلسطينيين قد يكون اشد هولا مما اختبروه خلال سنوات الاحتلال والاذلال الطويلة. وهو اشارة الى ان خطر الطرد لا يزال ماثلا، ولعل وقاحة وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان في دعوته الى طرد سكان المثلث في عملية اطلق عليها اسم تبادل السكان، تؤشر الى ان المؤسسة الاسرائيلية تريد الاستمرار في سياساتها النكبوية الى ما لا نهاية.
وهذا يعني ان على الحركة الوطنية الفلسطينية ان تعيد تأسيس وحدتها من جديد. وحدة قائمة على مشروع سياسي واضح المعالم، يحفظ للشعب الفلسطيني هويته القومية، ويناضل من اجل ازالة الطابع العنصري الصهيوني للدولة، واعادة الحق الى أصحابه الشرعيين، بدءا بحق عودة ‘المهجرين’ وصولا الى حق عودة اللاجئين. وبذا يكون يكون هذا النضال جزءا عضويا من مشروع وطني تحرري فلسطيني عام يضم جميع اجزاء الشعب الواحد.
وهو بالنسبة للفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس، مناسبة لاعادة نظر جذرية في السياسات الفلسطينية، سياسات التفاوض العقيمة من جهة، وخطاب الانقسام بين غزة والضفة من جهة ثانية، واخيرا السياسة النيوليبرالية التي تؤسس لبناء شبكة مصالح اقتصادية لا دور لها سوى ادامة الاحتلال.
يجب ان يعود النضال الوطني الفلسطيني الى نقطة البداية، اي الى طرح شعار سياسي ونضالي واحد هو الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة عام 67 بلا قيد ولا شرط. ولتذهب مفاوضات تقاسم الضفة تحت مسمى تبادل الأراضي الى الجحيم. هذا هو الشعار الوحيد الذي يعيد توحيد الشعب الفلسطيني، ويطلق شرارة نضالية جديدة، ويخرج السياسة الفلسطينية من كواليس السلطة واشباهها، ومن دهاليز السياسة الامريكية التي لن تعطي الفلسطينيين شيئا سوى السراب.
الانسحاب الاسرائيلي بلا قيد ولا شرط لا يعني السقوط في فخ مشروع الدولتين العقيم، بل هو أفق نضالي جذري ليس معنيا بتسويات لا معنى لها، ويشكل جزءا من مشروع تحرري كامل، هدفه تحرير فلسطين من الصهيونية، وبناء اسس الخلاص من طاعون العنصرية والطائفية والتطهير العرقي الذي اسسته الحركة الصهيونية في المنطقة.
وهو اخيرا بالنسبة لفلسطينيي اللجوء والمنافي نقطة توحدهم من جديد بأرضهم، وتجعل من صمودهم ومعاناتهم وموتهم، خصوصا في اليرموك ومخيمات سورية، دواء ضد الاستبداد، وبارقة أمل بأن الأرض ستستعاد، وبأن حقوق اللاجئين لن يطمرها يأس نكبات العرب مثلما لم يستطع المشروع الصهيوني طمرها.
يوم الأرض هو يوم لقاء الكلمات بجذورها، فالكلمات تنبت ايضا على جذور الأشجار، وحلم الأرض يتحول الى مقاومة.
‘أُسمي التراب امتداداً لروحي
أسمي يديّ رصيف الجروحِ
أسمي الحصى اجنحة
أسمي العصافير لوزاً وتينْ
وأستل من تينة الصدر غُصناً
وأقذفه كالحجر
وأنسف دبابة الفاتحينْ’.
يوم الأرض هو موعد الفلسطينيات والفلسطينيات مع نبض المقاومة وحلمها، وهوموعد صنعه الناس الذين صاروا قمحا وزيتونا وزيتا، وأعلنوا انهم شعب لا خيار له سوى ان يستحق هذه الأرض التي تقدست بدماء الشهداء والضحايا.