الأرض والصلاة… العقال والكوفيه

قبل أكثر من شهرين أو يزيد شاهدت بالصدفة حلقة من برنامج وثائقي عرضته إحدى القنوات الأوروبية التي تبث برامجها بالعربية، وكان يظهر في الحلقة مستوطن صهيوني يضع على قمة رأسه القبعة اليهودية المعروفة، حاملا خريطة القدس الشرقية القديمة، وقد أشر على مواضع فيها قريبة من مسجد الصخرة مطوقة إياها باللون الأحمر.
وتجول هذا المستوطن ما بين قبر تم إنشاؤه بعناية لصهيوني انتحاري كان قد فجّر نفسه في جمع من المصلين، قبل سنوات، وحي يقع على تلة يحاذي الصحن الإبراهيمي ويشرف عليه أيضا. وقد رافق هذا المستوطن في تجواله صحافي أوروبي لم تظهر صورته، لكن ظهرت كاميرته التي حاول أن يداريها عن أهل الحي الفلسطيني، وقد بدا الاثنان جد حذرين من أن تكتشف حقيقة أمرهما.
أما الأمر الذي لم يريدا أن يكتشف فهو بحث هذا المستوطن عن دور غير مأهولة تهجر أهلها العرب منها قبل عقود، ولم يعودوا إليها وظلت بأقفالها تنتظر عودتهم إليها. وهذا ما أثار نوازع هذا المستوطن فسعى إلى الاستيلاء عليها بطريقة أظهرها البرنامج مألوفة عن رجل أعمال يبحث عن أي دار يصادفها، والخريطة بين يديه ليحدد عليها الموقع الذي سيقوده بعد ذلك إلى سجلات الطابو والعقارات، فيعرف صاحب هذه الدار، ومن هم ورثتها الشرعيون، ثم بطريقة ما يتمكن من الاتصال بالوريث ويساومه على بيع الدار بأي ثمن يطلبه ذلك الوريث. وخلال هذا التجول والبحث الدؤوب، يقف هذا المستوطن عند دار، يتم تصويرها بمنتهى السرية حتى أنه ترجل ماشيا، تاركا سيارته في مكان بعيد عن الحي ومعه المصور، الذي كان يحمل الكاميرا وهو مسبل اليدين والكلام بينهما يتم همسا.
وعلى الرغم مما في هذه الحلقة من تزويق إعلامي دراماتيكي، فإنها تدلل على الطريقة الشائنة التي بها تصادر الأملاك العربية. ولو تأملنا ما أخفي عن أنظارنا لوجدنا أن هناك حقيقة تمت مداراتها، وهي أن الدور التي لا يجد هذا المستوطن لها على خريطة القدس مكانا، أو يجد أن لا صاحب لها، فانه يقوم بالتأكيد بغصبها ومصادرتها.. والدليل ما قاله المستوطن للمصور الأوروبي، حين عثر على دار ضربت سلسلة ذات قفل كبير على مزلاجها قال: «انظر إلى الارتفاع الذي منه يمكننا أن نطل مباشرة على ساحة الصحن، ونتمكن من مراقبة المصلين الفلسطينيين».
وأذكر أنني وقت مشاهدة هذه الحلقة تساءلت، ألن تنتهي مطامع الغزاة في أرضنا العربية؟ لماذا يتمادون في شرورهم وهم يحاولون تجريد فلسطين من أهلها العرب المسلمين؟ ما كل هذا المكر المدبر بهذه السرية الشديدة في الاستحواذ على ما تبقى من أحياء عربية، لم يستطع جيل الاستيطان الصهيوني الأول من السيطرة عليها؟ وما هي يا ترى مخططاتهم المقبلة في سبيل تمرير مشاريعهم الاستيطانية الشيطانية في مدينة القدس العتيقة؟ ولماذا كل هذا الدهاء في محاولة شرعنة الهيمنة والاستيطان، من خلال إظهار المستوطن رجل أعمال ثريا، يريد أن يستثمر أماكن متروكة ليفيد منها؟ ومع أن هذه الأسئلة الحرى تداعت لي وأنا انتهي من مشاهدة الحلقة، فإنني وقتها لم أجد إجابة مثلى أرد بها على تساؤلاتي، ولعل عقلي الباطن قال لي تداعيا، إن الزمان خبير وسينبئنا ذات يوم بأجوبة فيها سنجد ما نبحث عنه. وبالفعل جاءت أحداث حي الشيخ جراح لتضع في يدي ما كنت أريد البحث فيه عن جواب، وقد تأكد لي صدق ما عنَّ لي من هواجس وحدوس، في أن الاستيطان لن يتوقف عند شارع أو حي، لأن مطلبه الأرض العربية كلها، بيد أن الذي سيردعه عن غيه هذا هو سلاح خفي لكنه شامل، ومدمر لكنه طاهر.

وليست الصلاة أقوالا وحركات، إنما هي جمرات توهجها الأرض فتحيلها حمما وتقذفها بدورها شررا يكوي أكباد الأشرار، فيزداد وجعهم وتتعمق مرارة أيامهم فيقوى شعورهم بالخيبة.

وأعني به الصلاة التي صارت ظهيرة كل جمعة تهز مضاجع المحتلين، فلا يهنأ لهم حال ولا يستقر لهم مآل، ومن ثم تتخلخل موازين قواهم كأن الأرض تقول للفلسطينيين، وهم يضعون جباههم عليها (إن تنصروا الله فلا غالب لكم، إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، إن تنصروا الله فالله ناصركم) وليست الصلاة أقوالا وحركات، إنما هي جمرات توهجها الأرض فتحيلها حمما وتقذفها بدورها شررا يكوي أكباد الأشرار، فيزداد وجعهم وتتعمق مرارة أيامهم فيقوى شعورهم بالخيبة. وما دامت الأرض هي أماً، والفلسطينيون أبناءها، فإن هذه الأم رؤوم ولن تتخلى عنهم ما دموا لله أحنافا موحدين، يريدون الله ورسوله ولا تخيفهم في الله مزنجرة ولا مصفحة.
فما أعظمها من أم.. وما أعتاه من سلاح فتاك سلاحها.. نعم فتاك لأنه يرهب الغزاة ويشتت جمعهم بدرجة عالية، يمكن لنا أن نتصورها ونحن نشاهد الفلسطينيين يمتلكون ما لا يمتلكه أعداؤهم. فبالصلاة وحدها يكون النصر حليفهم عاجلا أو آجلا، وبها وحدها ستنتكس رؤوس الغزاة لتكون الغلبة للفلسطينيين، الذين بوحدة صلاتهم سيقلعون الاحتلال قلعا، فيولون الأدبار عائدين من حيث آتوا، شتاتا كما كان أسلافهم. فالقدس عربية والصلاة عقال وكوفية، وبهما نعرف أن القدس هي زهرة المدائن، والبيت العتيق هو الهوية والعنوان.
وما نشهده اليوم من بسالة فلسطينية يظهرها أبناء حي الشيخ جراح المحتل، مقاومين أساليب ما عادت جديدة، وبها صرنا نعرف حقيقة عدونا وحجم تخبطه ومدى تشرذم قطعانه، وتهور قادته، وهم يستعملون من الأسلحة أفتكها فلا يجدون سوى صنوف من الصمود جديدة لم يتوقعوها، ومهما يجربوا مزيدا من دناءاتهم فلن يحصدوا سوى الخيبة، التي لا مفر لهم من الاعتراف بهولها. وهذه المرة حجم الخيبة كبير وكبير إلى درجة أن انتفاضة أهل حي الجراح ما زالت في أوجها، وقد مضى عليها أكثر من أسبوع والإرهاب ما زال يُمارس ضدهم هدما وتقتيلا واعتقالا ومطاردات. فكلما تصاعد العنف الإسرائيلي ازداد الصمود الفلسطيني في التشبث بالأرض بعقال وكوفية.. هما ذاتهما اللتان بهما تزيا الشيخ بن عيسى الجراحي فتخلد ذكره ببطولة فعله الوطني قبل أكثر من تسعمئة عام ويزيد.
ومهما استعمل المحتل قنابله الصوتية والوحشية وحامت طائراته الغازية مثنى وثلاث، فلن ترهب الذين بهم تتكلم الأرض عربياً ولأجلها يرتدون العقال والكوفية.
وإذا كانت تلك البيوت المهجورة قد أسالت لعاب ذاك المستوطن الصهيوني وسواه، وجعلتهم يسعون إلى نيلها بالسر والعلن، فإن الأمر نفسه يتكرر مع عساكر الاستيطان الصهيونية. وقد كشفوا عن نواياهم الخبيثة فعرفت الأرض ذلك فهبت مجددا تتزلزل من تحت أقدامهم وهي تقول (لست أمريكا وشعبي ليسوا الهنود الحمر) وتردد ما قاله نزار قباني ذات يوم:
باقون في نيسانها
باقون كالحفر على صلبانها
باقون في نبيها الكريم في قرآنها
وفي الوصايا العشر
يا آل إسرائيل لا يأخذكم الغرور
عقارب الساعات إن توقفت، لا بد أن تدور
إن اغتصاب الأرض لا يخيفنا
والعطش الطويل لا يخيفنا
فالماء يبقى دائما في باطن الصخور
نعم أصبت وأجدت أيها الشاعر الفلسطيني الهوى والموقف، فالقدس ستظل عربية، لأن الأرض بزيتونها وبرتقالها لا تتكلم إلا العربية. أما نحن العرب فنعرف الطريق إلى فلسطيننا، إذ ليس لنا سوى طريق واحد لا ثاني له (يمر من فوهة بندقية).
فأكثروا من الصلاة أيها الفلسطينيون وأنتم تثبتون في أرضكم دافعين عنها الذل بكل ما أوتيتم من قوة، رجالا ونساء أطفالا وشيوخا، وتأكدوا أن قلوب الشرفاء في العالم معكم تصلي لله من أجلكم.

كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية