الأزمات الحياتية تدفع اللبنانيين إلى المخاطرة على قوارب الموت هرباً من الذل والعوز

ناديا الياس
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: يكاد لا يمرّ يوم من دون أن يدفع اللبنانيون فواتير الأزمات التي يشهدها لبنان، بعدما تحوّل إلى بلد المفاجآت الصادمة، وبات الوجع والقهر والفقر يدفع بأبناء البلد إلى الهجرة. فمع تفاقم الأزمات المتتالية بشكل يومي، بات الوضع المعيشي أصعب من أن يتحمله أي مواطن، ولم تعد الرواتب تكفي الأيام العشرة الأولى من الشهر، وحتى أي راتب باهظ يتقاضاه المواطن لم يعد كافياً لحصوله على الحد الأدنى من مستلزمات المعيشة بين أكل وشرب وبنزين واشتراك مولد وغاز ومدارس وسواها من المستلزمات الضرورية للعيش بالحدّ الأدنى من الكرامة.

وقد انسحبت هذه الأزمات المتلاحقة غير المسبوقة على حياة الشعب اللبناني الذي يعيش الكارثة في كل الأوقات. وعليه، فقد طفح الكيل عند الفقراء وذوي الدخل المحدود بعد أن تجاوزت تقلبات الدولار حدودَ المعقول، وجاء قرار تحديد سعر صرف الدولار على 15000 ليرة ليزيد من الأعباء. كذلك فإن ارتفاع أسعار المحروقاتِ وأسعارِ السلعِ فاق قدرة الأفراد والعائلات، هم الذين ضاقوا ذرعاً بفِقدان الأدويةِ التي تعرّضهم ومرضاهم لخطر الموت، وجاء رفع الأقساط المدرسية وطلب الدولار في المدارس الخاصة والجامعات والمستشفيات ليثقل كاهل الأهل في ظل تقلّص فرص العمل وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، ناهيك عن وضع المصارفِ المتعثّر واحتجازِ أموالِ الناسِ ما فاقم الأمور تعقيداً وسوءاً وزادت نِسَب الفَقر والتفكير بالهِجرة إلى الخارج لضمان مستقبل زاهر وأفضل .
هذه الأمور المعيشية والأجواء القاتمة حملت الناس على الهروب ولو من خلال المجازفة بحياتهم كما حصل أخيراً في غرق المركب قبالة طرطوس الذي أسفر عن سقوط أكثر من مئة ضحية من عائلات لبنانية من مدينة طرابلس وعكار وعائلات من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، في تكرار لظاهرة قوارب الموت غير الشرعية التي تحدث المآسي والكوارث في المجتمع.
واتجهت الأنظار إلى «ليالي الشمال» الحزينة كما غنّتها السيدة فيروز مع هذه الفاجعة المأسوية. وقد لُفّت طرابلس وعكار ومخيم نهر البارد بوشاح من الحزن، واصطبغت المياه الإقليمية بدماء المهاجرين الزكية في رحلة الموت هرباً من الجوع والفقر والعوز والذل، وهذا ما تطرق إليه بوضوح نائب طرابلس اللواء أشرف ريفي الذي رأى أنه «عندما يفقد الإنسان الأمل بالحياة يذهب إلى خيارات ولو خطرة، فيذهب إلى الانتحار ويأخذ معه المجازفة والمخاطرة على عاتقه».
ولكن على حد قول أحد المواطنين الناجين «ميتين ميتين». إلا أن الخطأ الكبير يكمن في أن الآباء يأخذون معهم أطفالهم، فيما بامكانهم أن يذهبوا ويؤسسوا لشيء ما ومن ثم يأخذون أطفالهم وزوجاتهم بشكل شرعي. ولا يمكن تبرئة المنظومة الحاكمة من المسؤولية، وهذا ما أشار إليه ريفي الذي اتهم «المنظومة الحاكمة بسرقة الناس وجعلهم يفقدون الأمل بعد أن أخذت آمالهم بالحياة».
وهكذا فإن طرابلس والعديد من المناطق اللبنانية التي تعيش الغبن والانهيار الاقتصادي والمعيشي والاجتماعي تتحوّل إلى مناطق للهجرة رغم المعالجات التي ليست كافية ورغم الدعوات للأهالي لئلا يرتموا في أحضان الموت المغامر والاستسلام الإرادي لمجهول محتّم.
ولم يسلم أبناء مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين من فاجعة مركب طرطوس، الذي قضى على متنه أكثر من مئة بين رجال ونساء وأطفال، حيث خيّم الحزن والغضب على أبناء المخيم خلال تشييع الضحايا. وهذه ليست المرة الأولى التي يدفع أهالي المخيم ضريبة الموت حسب ما أعلن أحد أبناء المخيم وسام داوود الذي قال «ليست المرة الأولى التي نخسر فيها شباباً ونساء وأطفالاً سواء من مخيم نهر البارد أو من أي منطقة لبنانية، نحن لاجئون في هذه البلاد ولكننا جزء من هذه المعاناة، ولبنان يعاني ما يعانيه من وضع اقتصادي سيء وانهيار اجتماعي على كل المستويات». ورأى أنه «إذا فتح المجال اليوم للهجرة الجماعية للمواطنين اللبنانيين لا بدّ أن تمثال بشارة الخوري سيكون أول راكبي الطائرة، فكيف بوضع اللاجئين في المخيمات الفلسطينية؟».
بدورها، قدّمت المستشارة القانونية للمنظمة الدولية «I.O.P.S.H» والمسؤولة عن تفعيل دور المرأة المحامية أنديرا الزهيري لـ «القدس العربي» شرحاً عن المسببات التي دفعت المواطنين إلى الهجرة وإلى المجازفة برحلة الموت بتأكيدها «أن الأزمة الاقتصادية القديمة الجديدة الخانقة، لم تعد تحتمل التستر وراء قناع أو وهم، وان اللبناني الذي عاش وهم وكذبة سعر الدولار مقابل الليرة على 1500 كان أكبر الأسباب التي أوصلتنا إلى هنا، ناهيك عن هشاشة المنظومة للدولة والانهيار المستمر لليرة اللبنانية مقابل الدولار، حتى وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى عتبة 40 ألف ليرة وأصبح لبنان في قلب الانهيار التام».
واستبعدت الزهيري «ان يكون الحل داخلياً» معتبرة «ان الحل لم يعد من الداخل بل من الخارج وإذا لم يتم الاتفاق نحن على فوهة الانفجار». ورأت «أن من دفع الثمن هي الطبقة الفقيرة والمتوسطة وسيزيد الطين بلة غياب الخطة الاقتصادية المنقذة والمرتهنة في قرارات الساسة» معربة عن أسفها «لاستغلال ضيق عيش الناس والمتاجرة بها لعصابات تتصيّد في الماء العكر من أجل مصالح ضيقة، أباحت المحظور وأصبح قارب الموت أهون عليهم من العيش في بلاد لم يعد فيها الحد الأدنى من العيش اللائق، بالرغم من أن طلب الموت لا النجاة يقتضي دفع مبالغ نقدية وبالدولار كان من الممكن ان تكون رأسمالاً لمشروع تجاري صغير يكفيهم للصمود».
وأضافت «لكن لكل حالة قصة تكشفها قوارب الموت ولم تعد الهجرة غير الشرعية لأولئك الناس بل الهجرة نحو الأبدية وهم ضحية التقصير والاهمال وسياسة التجويع التهجير والاخضاع للحكم الأمر الواقع» مشيرة إلى «ان ما يحدث الآن أخطر من الحرب والسلاح، لان لبنان مخطوف، وحتى إشعار آخر».
يبقى أنه على الدولة اللبنانية الإسراع بإجراء الإصلاحات المطلوبة ومساعدة ودعم الفئات الأكثر هشاشة، عبر تفعيل المساعدات والخدمات والتقديمات الاجتماعية والصحية والحياتية للحد من نزيف الهجرة ومخاطرها وتجنّب قوارب الموت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية