الأزمة الإنسانية في روايات الإيرلندية سالي روني

 لا يجوز أن نضع شخصيات سالي روني بين الزانيات، مع مدام بوفاري وأديل الشابة المولعة بالكبائر في رواية ليلى سليماني. فهي شخصيات لا تتعمد الوقوع بالخطيئة، وتتخذ موقفا واضحا من أخلاق العشيرة الإيرلندية. ولا يمكن ملاحظة أي خيط رفيع يربطها بالأسلاف. وتمسكها بالجغرافيا الوطنية، يكون غالبا داخل حدود مدينة دبلن. وإذا اقتربت من مشكلة الهوية – جذرها العرقي ولونها- تفعل ذلك بمنطق الغريبة. مثل هيلين في قصة «الهدف الأخير». وفيها تضع مديحها للروح الإيرلندية، صانعة المعجزات، على لسان شاب نوستالجي مسافر إلى باريس. وعلى هذا الأساس تدافع روني عن الأصول الاجتماعية للسرد الطبيعي. وأصلا لم تكتب حتى الآن صفحة واحدة خارج عقل الإصلاح والنهضة. حتى إنها تتجنب الصور الفاضحة، ولا تعري نساءها الشابات والمستهترات، إلا في مكان معتم. وتستطيع أن تفهم أن لدى روني خزانة مصطلحات ومفاهيم إحيائية، تصل بها إلى درجة الهرطقة الإيروتيكية. مثلا تساوي بين الحب العفيف و»الزنا العذري» ـ وهو كل خطيئة تحرر الإنسان من مظاهر الاستهلاك وتبذير الطاقات. كما أنها تهمل حياة المطابخ، ولكنها تقف مطولا عند المخادع، وتصورها كأنها بديل رمزي عن الشعور بعقدة الذنب. ووعيها بهذه الجناية يدفعها للمطالبة بإنزال عقوبة لا تستحقها غير المخطئات مثل مطالبة عشيقها بالجلد. وبالحرف الواحد: أن يضربها. وهو جزاء معروف لدى كل مسيحي مؤمن. فجلد الذات سلوك يكرره رجال الدين في المحابس، على سبيل إجراء استباقي، إن لم يكن للتكفير عن أخطاء وجنايات سابقة.


وفي هذا الجو تنمحي الحدود بين الجنسين، وتصبح العلاقات متعدية. والتعدي يشمل المذكر والمؤنث – وأحيانا تفقد الوظيفة والمعرفات معناها نهائيا. وتغيب الفروقات تماما لدرجة يصبح فيها أي كائن بشري ممثلا للنوع كله. ويتلازم ذلك مع إحساس دائم بالقلق، وانتقاد السوق والنظام الرأسمالي علنا (وهو موضوع مراسلات أليس مع آيلين في رواية «أيها العالم الجميل» ـ وبالمناسبة كلها رسائل إلكترونية مطولة). وبعضها يصل لدرجة الهجاء كقولها عن المتزمتين «إنهم جشعون وأنانيون» و»ينافسون الاشتراكيين بالشوفينية واحتكار الثروات باسم الترشيد والعدالة». وقولها، لاحقا، إنهم قمامة ولا ينتجون غير الفضلات. ولا يبزها بغموض وتعدي الجندر غير النيجيرية أكويكي أميزي، التي تتعمد في رواياتها نسخ الكائنات الأسطورية القديمة – كالأسد المجنح والإنسان الثور – بشكل تراكيب تدمج في كولاج واحد بين المتناقضات.
وتلمح روني في أكثر من موضع إلى أن السلوك الجنسي شيء مختلف عن السياق الجنسي.. وأن التفكير بشيء ليس دليلا على حدوثه (فالجماع لا يدل بشكل قاطع على النوع ـ وهذه إشارة إلى ضرورة التمييز بين الحرية والاختيار). وتبرر ذلك بمحدودية الوسائل والكلام. فكلاهما، كما تقول، لا يقارن بالقوة المنهكة للجنس. ولذلك تحتفظ روني بالسياسة في صندوق زجاجي، لتكون شاهدة على ما يجري. فهي لا تشارك بمظاهرة، وتختصر أماكن التجمع على المطاعم، وعلى الأكثر بحدود أربع أو خمس أشخاص. وكلامها المتكرر عن خيبات وجرائم «الرأسمالية المتأخرة»، بالمعنى الذي استعمله إدوارد سعيد، لم يصل ولو إلى ربع كلامها عن البيولوجيا الاجتماعية. وبهذا الخصوص يبدو أن إضفاء طابع إنسانوي على كل من جغرافيا الأرض، وشكل المرأة، هو ما يشغلها في حقيقة الأمر. ومثل هذه الاهتمامات يقودها لتبني حزمة كاملة من أساليب رواية القرن التاسع عشر. بدءا بالرسائل وكتابة اليوميات في «محادثة مع الأصدقاء»، وحتى حبكة قصة داخل قصة في «إنترميزو». ولكن عنصر الإضافة أو التحديث كان في التحول من الورقة والقلم إلى الحبر الإلكتروني، بالإضافة إلى الوسائط المتعددة التي تلعب دور رأسمال مالي وتغذية راجعة، وكأنها ديكور فرضه المخرج.
وأعتقد أن روني تعيد إنتاج جين أوستن، بعد تخفيف الحبكة وتصغير مساحة الأحداث وتقليل عمر الشخصيات. ويأتي ذلك في سياق تقليص نفوذ الإمبراطورية، عدا عن تقليم أظافرها وتشذيب سياستها الإمبريالية الفاسدة التي حكمت العالم لأكثر من أربع قرون. ولا تنفرد روني بهذا الموقف. ويأتي معها جيل كامل من الكاتبات الملونات مثل، ديانا إيفانز وبيرناردين إفرستو. وتجد الأولى الحل في العودة إلى مسقط الرأس، كما ورد في روايتها «بيت من أجل أليس» – وبالإكراه والقسر. وكذلك الحال بالنسبة لإفريستو. مع أنها تختار أهون الشرين، وتبني محمية تخصصها للنساء، تسميها في روايتها «بنت وامرأة وآخرون»، الكتيبة الراديكالية. وهكذا تترك لديك الانطباع بأنها تخطط لتشكيل قبيلة أمازونيات – نظيفة من الرجال. وهي أصلا لا تعتزل إلا لهدف واحد – وهو إبادة العرق المخالف – باعتبار أن الجنس استعارة تامة، وغير سوية، لمشكلة العرق. وتعبر روني عن هذه الحالة من القلق الوجودي على لسان فرانسيس في «محادثة مع الأصدقاء» بقولها إنه يخامرها الشعور بأنها محطمة، ولا تستحق الشفقة أو الاحترام. قبل أن تقول إنها عاجزة عن الإحساس بالسعادة، مثل بقية الناس. كما لو أنها تردد بأسلوب الكورس الإغريقي ما ذكرته فرانسواز ساغان في رواية «امرأة في الأربعين»، وعلى لسان بطلتها بول، إنها شخصية فاشلة ومبتذلة. بعد أن ذكرت في أول ثلاث صفحات، أنها طيلة ثلاثين عاما لم تعرف غير الفشل، وتراه في المرآة يتراكم على وجهها بشكل طبقات. وهو ما يدعوني للتأكيد أن المسألة ليست عن إحباط الشباب، ولكنها حالة عامة تكتسح أوروبا مع جملة عقد إضافية كالإسلاموفوبيا، وكذبة العداء للسامية وحرية الأفراد. وأعتقد أن روني تميز – مع برديائيف – بين حرية أصلية «لا معقولة» تسبق الخير والشر، ونهائية «معقولة» تحترم الخير والحق. ومقارنتها مع إحسان عبد القدوس يقرب هذه الفكرة للذهن. فقد كتب هو أيضا عن الحب المدنس، حينما كانت مصر مهتمة ببناء السد العالي، في حين أن روني تكتب في بلد يراهن على حماية الفلورا وتنظيف البيئة وخفض الانبعاثات. ومثل هذه السياسة تبرر لخفوت لغة الحرب في رواياتها. وبالأساس لا يكتب الإنكليز ولا الإيرلنديون عن الحروب المحلية. وغالبا ومنذ عصر أول نهضة كانوا يفضلون امتصاص نقمة الأقوياء، إما بتوزيع التركة – في الملك لير والأمير السعيد، أو بترحيل الأزمة – في هاملت. لكنهم كتبوا كثيرا عن حروب المستعمرات – بغاية تعميد الأرض الغريبة بالدم النقي ـ شأن أي سياسة استعمارية «نبيلة» جدلا، بالإضافة إلى حروب تأديب العالم الثالث. وبين النوعين يوجد اتجاه رومانسي أسود ثالث ومن أمثلته، كليوباترا لشكسبير وبيلا دونا لروبرت هتشنز. وكلها أعمال استشراقية، ودون شك تخدم المكتب السياسي في المستعمرات. وكما ألاحظ إن إيمان روني ليس مدعاة للتشكيك، فهي مؤمنة بحدود ما تسمح به تمثيلات هذه اللحظة من التاريخ الرومانسي لأوروبا. وكل رواياتها تدعونا للإحساس بوجود الرب بلغة درامية وعجيبة. وهي كما تقول في رواية «أيها العالم الجميل»: إنها تخاف منه لأنه الأقوى وربما الأجمل.
وتبقى لدى روني عقدة ذنب أخيرة، أنها لا تكتب بلغة محلية، ولكن بلغة المستعمر الذي حاربت إيرلندا طويلا لتستقل عنه. وهذه مشكلة مشتركة مع أكثر شعوب العالم الثالث. لكن إذا صالحت روني بين الموضوع والأسلوب، لجأ أدباء المشرق للسخرية والكوابيس وبئر الأفاعي، وغير ذلك من أساليب الإنذار بوجود خطر راكد تحت طبقة من الرماد.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية