“لا تقل ماذا فعلت مصر من أجلك، بل عليك أن تعمل من أجل الدولة. نصيبي في ميزانية السنة الحالية سيبلغ 42 جنيهاً مصرياً (2.5 دولار)، سأتبرع بهذا المبلغ لصندوق “تحيا مصر” وتحيا رابطة المتسولين المصرية”. كان هذا التعليق الساخر الذي كتبه متصفح مصري رداً على مقال عن ميزانية الدولة التي صودق عليها في هذا الشهر.
تأسس صندوق “تحيا مصر” في 2014 بأمر من الرئيس عبد الفتاح السيسي لجمع التبرعات من الجمهور لبناء مشاريع وطنية. السيسي نفسه أعلن في حينه أنه سيتنازل عن نصف راتبه الذي يبلغ 6 آلاف دولار في الشهر من أجل الصندوق، وعن نصف ممتلكاته أيضاً. رجال أعمال أثرياء تجندوا وتبرعوا بملايين الجنيهات، حتى الجيش تبرع بمليار جنيه مصري من ميزانيته غير المراقبة. ولكن منذ إقامة هذا الصندوق فقد تحول إلى اسم مرادف للتبذير وغياب الرقابة على أموال الجمهور، وإلى نوع من صندوق خاص خارج الميزانية لتمويل مبادرات الرئيس.
تم طرح هذه المشاريع الاستعراضية في جلسة صاخبة بشكل خاص عقدت في البرلمان المصري في بداية الشهر، التي نوقشت فيها الميزانية للعام 2022 – 2023، التي تبدأ في الأول من تموز. الادعاء الأساسي الذي أسمعه عدد من أعضاء البرلمان هو أن الميزانية المقترحة تخرق تعليمات الدستور. على سبيل المثال، ينص الدستور على أن الاستثمار في التعليم يجب أن يكون 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الخام، في حين تخصص الميزانية للتعليم 3 في المئة فقط. ينص الدستور أيضاً على أن النفقات الحكومية على الصحة يجب أن تكون على الأقل 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الخام، في حين أن الميزانية المقترحة تخصص فقط نصف هذه النسبة.
“لدينا عشرات المليارات لاستثمارها في قطار كهربائي، لكن لا توجد لنا أموال للتعليم والصحة”، صرخ عضو البرلمان والصحافي مصطفى بكري. “الحكومة تدفع المليارات للمستشارين والجوائز والدعاية، لكنها لا تدفع قدماً بالخدمات، لا سيما التعليم”، قال عضو آخر في البرلمان.
ومن يؤيد الميزانية، مثل عضو البرلمان، رئيس لجنة المالية، أحمد سمير، حذر من أن الميزانية بالصيغة الحالية يمكن أن تجبر الحكومة على بيع عقارات وطنية لتغطية العجز الكبير. كما هو متوقع، فبعد الصراخ والخطابات النارية، تمت المصادقة على الميزانية، التي تبلغ 111 مليار دولار، مع عجز في الميزانية يبلغ 14.5 في المئة.
المتصفح الذي كتب تعليقاً وحصل على إعجاب معظم المصريين، لا تعنيه هذه المبالغ الكبيرة، هو يفحص أسعار الخبز والوقود التي ارتفعت، ويخشى من شطب اسمه من قائمة من يتلقون “كوبونات” المساعدة للفقراء، الذين يتوقع أن يقل عددهم بنحو 200 ألف صاحب كوبون.
نفس هذا المواطن يعرف أنه سيضطر هذه السنة أن يدفع للمعلمين الخصوصيين، مثل ملايين الآباء الآخرين، لإعداد ابنه للمرحلة الثانوية أو الجامعة. في مصر نقص بعشرات آلاف المعلمين. وفي هذه السنة تعهدت وزارة التربية بتشغيل 30 ألف معلم إضافي كجزء من خطة خمسية، التي سينضم في نهايتها 150 ألف معلم إضافي إلى جهاز التعليم. ولكن هؤلاء المعلمين سيفعلون ما يفعله زملاؤهم – سيحصلون على الدخل من الدروس الخصوصية، وهذه صناعة تقدر بـ 25 مليار دولار بين أعوام 2019 – 2021. الوضع في فرع الطب ليس بأفضل، والتعهد بتشغيل حوالي 30 ألف طبيب وممرض ورجال طواقم طبية في هذه السنة نقطة في بحر احتياجات مصر، التي يبلغ عدد السكان فيها أكثر من 105 ملايين نسمة.
عند الحاجة إلى الأموال مسموح ليّ السياسة
وزير المالية، محمد معيط، شرح في مؤتمر صحافي بأن مصر تواجه تأثير وباء كورونا والحرب في أوكرانيا، وهما الضربتان غير المخطط لهما واللتان قضمتا قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها بشكل كبير. حسب المعطيات الرسمية، ستضطر مصر الآن إلى دفع 500 دولار مقابل طن القمح بدلاً من 200 دولار قبل الحرب. وتكلفة النفط المستورد قفزت من 7.2 مليار دولار إلى 14.5 مليار دولار، الأمر الذي أدى إلى زيادة حجم القروض التي تضطر مصر إلى أخذها من مؤسسات تمويل دولية. إضافة إلى ذلك، الفائدة التي ارتفعت في أعقاب ارتفاع الفائدة في أمريكا. والنتيجة أن حوالي نصف أموال الميزانية تذهب لسداد الديون والفوائد، كل ذلك في الوقت الذي يرتفع فيه التضخم إلى 9 في المئة وتنخفض توقعات النمو من 5.5 في المئة إلى 4.9 في المئة.
صيغة الخلاص من هذه الأزمة لا تحتاج إلى فهم عميق. فمصر بحاجة إلى استثمارات بمبلغ 150 مليار دولار، الذي تحاول جمعه من أي مصدر ممكن. في الأسبوع الماضي، زار القاهرة ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، كجزء من جولته في الشرق الأوسط التي تشمل الأردن وتركيا. وقع بن سلمان على عدد من الصفقات للتعاون، وأهمها التعهد باستثمار 7.5 مليار دولار. ما زالت تفاصيل الاستثمارات غامضة، لكن ستكون مساعدة حيوية لمصر.
تتوقع مصر أيضاً استثمارات سخية من قطر، التي أجرى حاكمها الشيخ تميم أيضاً زيارة “تاريخية” لمصر واستقبله السيسي بدفء. الشرخ بين مصر وقطر كان في 2017 عندما فرضت السعودية والإمارات ومصر مقاطعة اقتصادية على قطر. وقد اشترطت رفعها، ضمن أمور أخرى، قطع قطر لعلاقتها مع إيران والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وهذا شرط موجه لنشاطات قناة “الجزيرة”. وفي السنة الماضية، انتهى النزاع بين قطر وجاراتها، لكن مصر تباطأت إلى أن وافقت على التصالح معها، وهي الدولة التي وقفت على رأس المعارضين لنظام السيسي. عندما تكون هناك حاجة للأموال فمن المسموح ليّ السياسة أيضاً.
الأموال التي ستحصل عليها مصر من دول الخليج ما زالت بعيدة عن تغطية احتياجاتها، لا سيما عندما تتم إدارة خطة الخصخصة للشركات الحكومية، ومنها شركات يسيطر عليها الجيش، ببطء. مصر ملزمة أيضاً بتقليص القوة العاملة التي تشغلها الحكومة والتي تحصل على 13 في المئة من الميزانية. أيضاً تقليص الدعم الذي يبلغ 12 في المئة من الميزانية. هذه البنود الثقيلة ستحتاج إلى المزيد من المخصصات، مثلما يظهر أيضاً في خطط تشغيل عشرات آلاف المعلمين والطواقم الطبية.
إلى ذلك يجب إضافة التنبؤات المتشائمة عن إعادة تأهيل فرع السياحة، الذي بدأ في إظهار علامات جديدة على الحياة. ولكنه سيتعرض هذه السنة إلى ضربة شديدة نتيجة الحرب في اوكرانيا. الحرب تجمد تدفق السياح من روسيا وأوكرانيا، نبع السياحة الأكثر أهمية لمصر.
أمام هذه الاحتياجات الملحة تضع مصر عوائق قانونية تصعب على المستثمرين الأجانب الدخول إلى السوق المصرية. في هذا الأسبوع مثلاً، ناقش البرلمان تعديل قوانين المنافسة، الذي بحسبه سيحظر الاحتكار أو إقامة احتكارات. كما يبدو، يمكن أن يلبي هذا التشريع طلبات صندوق النقد الدولي، الذي بحسبه يجب على مصر أن تشرك القطاع الخاص بشكل أكبر. ولكن ثمة لغم في الصيغة الجديدة لهذا القانون، وبحسبه سيبقى التركيز أو الاحتكار إذا كان يخدم الأمن القومي أو إذا كان وجوده سيعطي أفضلية لاقتصاد مصر.
هكذا يستطيع المحتكر الأكبر، الجيش المصري، أن يواصل -حسب القانون الجديد- الاستمتاع من المكانة المميزة المعطاة له، وصد المنافسة مع الصناعيين الذين يريدون منافسته. ولكن عندما يكون الرئيس معتمداً على إخلاص الجيش، الذي يدار كدولة مستقلة، سيضطر المستثمرون الأجانب إلى انتظار الدور.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 3/7/2022