خطاب الرئيس بشار الأسد الذي ألقاه في مجلس الشعب والأطول زمنيا مقارنة بخطاباته لم يقدم جديدا بل في الحقيقة كان تكرارا لما أعلنه حول أن النهج الأمني الذي تسلكه حكومته هو الأنجع من اجل محاربة المؤامرة الدولية والإرهاب الذي يضرب مشروع الدولة المدنية في سورية، لكن الأمر الجديد في خطاب الأسد هذه المرة هي طريقة إلقائه لخطابه والتي حملت الكثير من القراءات التي أكدت أن الأمر يختلف عن آخر مرة خطب فيها، فالأسد هذه المرة بدا جليا عليه الارتجاف والقلق وشحوب الوجه، كذلك اختفت من خطابه الروح المرحة والحس الفكاهي الذي كان يميزه هو ونوابه وهو الأمر الذي يعكس الاختلال الذي يشهده النظام وخروج الأمر عن سيطرته خاصة بعد المجزرة الدامية في’الحولة’. وقد وصف الأسد من ارتكبوها بالوحوش وهو يعلم انه كبيرهم الذي علمهم القتل والإبادة وتوعد بأن دمهم لن يذهب هدرا وهو يعلم أيضا أن الوقت بدأ ينفد، وان قصاص الثورة سيكون شنيعا لكل من ذبح هذا الشعب، ويبدو أن بشار الأسد يعيد الخطاب القذافي على مسامع شعبه والعالم اجمع حين وصف المتظاهرين بالمرتزقة الذين يتقاضون أجورا من اجل القضاء على الوطن وهو أسلوب كل الأنظمة الشمولية التي سقطت، فنظام مبارك وإعلامه سبق وان اتهم الثوار في ميدان التحرير بالعملاء من طرف جهات أجنبية مقابل وجبات ‘كنتاكي’ وكذلك كان الأمر بالنسبة لمعمر القذافي وحكايته مع ‘حبوب الهلوسة’ وهي في الحقيقة اتهامات تعكس حقيقة من أطلقوها، وهاهو بشار الأسد يؤكد بنفسه انه زائل رغم نهر الدماء والدمار والمآسي التي صنعها في الوطن والشعب السوري. من جهة أخرى فإن تداعيات الأزمة السورية بدأت تحرق كل من صفق للنظام السوري ووقف ضاحكا على جثث المدنيين السوريين، فلبنان يعيش تحت موجة نارية بين مؤيدي النظام والطوائف السنية المعارضة لبشار وحزب الله، والتي تعكس في حقيقة الأمر صراعا مخفيا بين دعاة الدولة اللبنانية المدنية المستقلة والتي تناصرها أغلبية الشعب اللبناني وتمثلها كتلة المستقبل و 14 من آذار والجبهة المضادة والتي تتستر تحت شعار المقاومة والصمود، وتتبناها حركة أمل وحزب الله واللتان كانتا دائما عقبة في وجه استقرار الدولة اللبنانية وتحويل لبنان الى منطقة نفوذ إيرانية – إسرائيلية وهذا ما عكسته تصريحات قائد الحرس الثوري حول كون كل من العراق ولبنان وسورية مناطق نفوذ إيرانية وخطوط حمراء لا يجب تعديها وهذه هي حقيقة المقاومة التي يتشدق بها السيد نصر الله والذي يبدو انه يخشى من سقوط الأسد أكثر من خشيته على سقوط الدولة اللبنانية في حرب طائفية، وحتى في خطابه مع مختطفي اللبنانيين كان كعادته مستفزا عندما خيرهم بين الحرب والسلم.
ويبقى الآن على المجتمع الدولي وعلى الدول العربية تكثيف الضغط على النظام السوري من اجل تطبيق مبادرة عنان والتي اعترف هو بفشلها، لكنه متمسك بها لحين إيجاد آلية دولية أكثر نجاعة قد تعوضها، وبالموازاة بدأ الاستعدادات اللوجيستية والعسكرية من اجل فرض منطقة عازلة وبعدها تتوالى الخطوات من اجل إنهاء عهد النازية العربية الى الأبد.
هشام سراي