من الملاحظ أن الحملة الإعلامية القوية ضد سورية، وصلت درجة عالية جعلت مجرد التفكير صعبا على المتتبع، فما بالك بالمواطن العادي، وتذكرنا هذه الحملة بالهجوم الإعلامي الساحق ضد العراق، الذي أدى بعد ذلك إلى تدمير هذا البلد التاريخي، نظاما وحضارة واقتصادا، وصار دولة فاشلة لا تتوفر على جيش ولا على بنية علمية، بل تم اغتيال 1200 من علمائه الكبار، وأكثر من 2000 طيار وتشريد أطره في العالم. ورغم وعي المتتبع لهذه المرحلة والصخب الإعلامي الذي رافقها، فإنها تتكرر هذه المرة بشراسة أكثر وبمشاركة حزبية ودينية وإعلامية عربية ـ إسلامية، بل سمعنا من الفقهاء من يطالب الغرب بالهجوم العسكري على سورية، وتدميرها رغم أن القرآن الكريم يؤكد ‘لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء…’، والآية ‘يا أيها الذين امنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم’ سورة الممتحنة ــ الآية 13. إن ما جرى في المنطقة هو محاولة تغيير الواقع السياسي، وإخراج سورية من التاريخ، سورية المحتلة من الجانبين الصهيوني والتركي، والترسانة الكيميائية هي للتوازن الاستراتيجي، مع أعداء يملكون السلاح النووي، والبالستي والكيميائي، والصاروخي، والعالم الإسلامي، لا يندد بهذه الترسانة الصهيونية، بل أصبحت مقبولة لديه، وغير مقبولة حين يتعلق الأمر بسورية وإيران. لقد صار التفكير الاستراتيجي منعدما إعلاميا، إذ يجرى إغراق الإعلام بخطاب شوفيني وتحريضي وبحملة من الأكاذيب تخفي ما هو أصلي وتظهر ما هو مزيف، فحتى الاتفاقيات الدولية في مجال الأسلحة الكيميائية وغيرها، لم تتم مناقشتها أصلا، وإظهار أن دمشق استعملت الأسلحة، الهدف منه بعد كشف الطابع اللاإنساني، إزالة هذه الأسلحة وهي الوحيدة التي تحقق التوازن نسبيا في مواجهة الكيان الصهيوني، الذي يحتل الأراضي العربية ويقتل ويهاجم لبنان وسورية وحتى السودان ومصر. فبعد استئصال النظام العراقي، يجب استئصال النظام السوري، لأنه رفض معاداة إيران ومحاربة برنامجها النووي لا غير . أما المعاهدات في المجال الكيميائي فهي ملزمة لمن وقع عليها أصلا ــ خصوصا معاهدة 13 يناير 1993 ــ وبالتالي لا تلزم غير الموقعين، وضمنهم سورية والكيان الصهيوني. كانت أول معاهدة لمنع استخدام الغازات السامة في 17/6/1925 وتلتها عدة معاهدات أخرى، مثل معاهدة منع استعمال الأسلحة في المنطقة القطبية الجنوبية التي صدرت في 23/6/1959، ومنع التجارب النووية في 10 تشرين الاول/أكتوبر 1963 وحظر استعمال السلاح النووي في منطقتي الكاريبي وأمريكا اللاتينية في 22 نيسان/ابريل 1968 ومعاهدة حظر الأسلحة النووية في 1 تموز/يوليو 1968. وقد تم إبرام معاهدة تحريم استخدام غازات خانقة أو سامة أو غازات أخرى في الحرب وتحريم طرائق المحاربة الجرثومية، التي سميت بروتوكول (جنيف 1925) في 1925 وصارت نافذة في 8/2/1928 وتم إيداعها لدى الحكومة الفرنسية، وقد تم التوقيع عليها من طرف 140 دولة حتى الآن، والدول التي وقعت وصادقت عليها هي الملزمة وحدها بها، فمثلا الجزائر وانغولا والصين وإسرائيل والهند وكوريا الشمالية وصربيا ونيجيريا ملزمة لها (بالنسبة للدول التي وقعت وصادقت) أما التي لم توقع ولم تصادق فهي غير ملتزمة تجاهها، وقد أكد الكيان الصهيوني في توقيعه على الاتفاقية أن ‘تل ابيب غير ملزمة بالمعاهدة في حال ان أي دولة معادية أو مجموعة أفراد تصل انطلاقا من أراضي الدولة المعادية’، وهكذا يتضح أن المعاهدة غير ملزمة حتى للموقعين والمصادقين عليها، إذ ان كل دولة يمكنها التحفظ أو إبداء رأى فيها والتنصل منها حتى بدون إعلان، خاصة الكيان الصهيوني الذي يملك ترسانة من الأسلحة النووية تصل إلى 200 رأس نووي وصواريخ بالستية .لقد جاءت المعاهدة التالية المتعلقة بالأسلحة البيولوجية والسمية في 10 ابريل 1972، التي أصبحت نافدة في 26 اذار/مارس 1975 وقد وقعت عليها 165 دولة ومن الدول التي وقعت ولم تصادق، مصر وسورية ونيبال وبورما، أما الكيان الصهيوني فلم يوقع أصلا عليها. وقد ألزمت معاهدة 10 ابريل 1972 الأطراف الموقعة بحظر تطوير الأسلحة الجرثومية أو البيولوجية الأخرى أو وسائل الاستخدام، وتدميرها وتدمير وسائل الاستعمال أو الإطلاق .إلا أن هذه المعاهدات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، بسبب ما يحيط بالعالم من شكوك، وبسبب سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها الدول النووية والقوية، فهذه المعاهدات الهدف منها حتى الآن ليس فقط الحرص على السلام العالمي، بل إضعاف الدول العربية، حتى يتم السيطرة عليها، فواشنطن ضربت اليابان بقنبلتين نوويتين في 6 و9 اب/اغسطس 1945 حيث تم تدمير مدينتي هيروشيما وناغازاكي. كما استعملت غاز السارين ضد فيتنام ما بين 1969 و1975 لتعرية الأشجار التي يختفي فيها الجيش الشمالي الفيتنامي. وفي حربي 1991 و2003 ضد العراق استعمل السلاح النووي المنضب، مما اثر ليس فقط على العراق، بل على الجنود الأمريكيين أنفسهم، وهو من أسباب تشكك الشعب الأمريكي في أي حرب برية، سواء في باكستان أو اليمن، لذا يتم استعمال الطائرات بدون طيار في هذين البلدين لضرب المعارضة وأعداء أمريكا. ولا زالت المختبرات الغربية تحتفظ بجراثيم وسموم، يقال إن دواعي ذلك علمية فقط، لذلك فان معاهدة 10 ابريل 1972 أشارت في احد بنودها إلى ‘تحريم تخزين المواد الجرثومية بكميات لا مبرر لها’، أي أن مفهوم المخالفة يجوز الاحتفاظ به لأسباب مبررة، كالأهداف العلمية. ومن المعروف أن هذه الأسلحة يمكن أن تتراكم بسرعة ولو من جرثومة وحيدة. هذا وكانت اسرائيل في حرب 1973 وعلى لسان غولدا مائير هددت باستعمال السلاح النووي، مما جعل واشنطن تمدها بجسر جوي لم ينقطع إلا بعد إيقاف الحرب، وتم إرغام الدول العربية على توقيع معاهدة حظر السلاح النووي، من دون الكيان الصهيوني، وتم تحويل الجيش المصري إلى شركة مساهمة كبرى وإبعاده عن دوره القتالي عبر مساعدات ذات طابع اقتصادي ومالي… مما جعل سورية التي يحتل الكيان الصهيوني ــ فضلا عن فلسطين ــ جزءا منها، هو الجولان، وتحتل تركيا جزءا آخر هو الاسكندرون، تلتجئ إلى توازن استراتيجي عبر السلاح الكيميائي، للدفاع عن نفسها أمام القوة النووية الصهيونية. وقد كان الأمر خطأ فالسلاح النووي، أهم وأفضل من السلاح الكيميائي، للتوازن الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني، نظرا لفوائده الاقتصادية والعلمية، كالكهرباء وتحلية المياه. بعكس السلاح السمي الذي يؤدي إلى جعجعة عالمية مزيفة. فلا احد يهاجم بلدا نوويا. أما السلاح السمي، والكيميائي، فليس مهما في مجال التسلح والتوازن الاستراتيجي، كما انه يؤدي إلى سمعة سيئة على المستوى الدولي والإنساني. وكانت الاتفاقية الأخيرة في هذا المجال ‘حظر وتطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية’. وقد بدأ التوقيع عليها في 13 كانون الثاني/ يناير 1993 وأصبحت سارية في 29 ابريل 1997، وقعت عليها 188 دولة، ومن الدول التي وقعت ولم تصادق، إسرائيل وبورما أو مينمار . أما مصر وسورية، فلم توقعا بسبب الترسانة النووية الصهيونية التي تشكل خطرا على المنطقة، وتؤدي إلى اختلال التوازن العسكري المختل أصلا في الأسلحة التقليدية، ذلك أن الكيان الصهيوني وصل درجة عالية من التسلح التقليدي والصاروخي والنووي بمساعدة فرنسا وكندا وواشنطن. ولا شك بعد تدمير سورية وإخراجها من المعادلة في الشرق الأوسط، ستتجه الأنظار إلى مصر لإرغامها على التوقيع على معاهدة 1993، كما تم إرغامها بالقوة على التوقيع على معاهدة الانتشار النووي لسنة 1968، إذ يجب أن يكون الكيان الصهيوني هو الأقوى في المنطقة، خصوصا بعد نهاية القضية الفلسطينية، عبر إنشاء كيان فلسطيني غير مسلح وقزمي جوار الأردن، هو سوق للسلع الصهيونية، وخزان للعمالة الرخيصة. إن المعاهدات سواء معاهدة 1993 المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، أو معاهدة 1968 المتعلقة بالأسلحة النووية الهدف الأساس لها، العالم العربي، والعالم الإسلامي فقط، وليس باقي الدول. فكل دول العالم تحتفظ بالأسلحة السمية والكيميائية والنووية. وألمانيا وكندا وغيرها دول نووية أصلا، ولا احد يشير إليها بأصبع الاتهام، أما المنطقة العربية فيجب أن تكون مجرد سوق بدون بنية علميـــة أو دفاعية كيفما كان الدفاع، والأخطر أن بعض الدول العربية تسير في هذا الاتجاه وتعاكس القول الشريف ‘المؤمن القوي أفضل من المؤمن الضعيف’ . إن أهم خلاصات الأزمة السورية وتداعياتها ــ وقبلها العراق ــ أن المنتظم الدولي بدون فعالية، ووجوده في العمق شكلي، فالمحادثات الفلسطينية مع الكيان الصهيوني، تجرى في غياب الأمم المتحدة، لرفض الكيان الصهيوني، حتى لا تكون هذه المحادثات وفق قراري مجلس الأمن 194 لسنة 1948 و242 لسنة 1967 اللذين ينصان على حق عودة اللاجئين، وحدود 4 حزيران/يونيو 1967. كما ان احتلال العراق وتدميره وقتل مليون من مواطنيه، تم بقرار واشنطن ليس إلا، وفي الأزمة السورية أحالت بريطانيا والولايات المتحدة على برلمانيها قرار مهاجمة سورية، وفي ذلك خرق سافر للقانون الدولي، إذ ليس من حق ولا يجوز لأي دولة إعلان الحرب، أو استعمال القوة إلا في حـــالة الاحتلال الكلي والجزئي لها ــ وسورية هنا هي المحتلة جزئـــيا. كما أن معاهدة 13 يناير 1993 لا تسمح ولا تجـــيز مهاجمـــة أي بلد، والمنتظم الدولي ــ مجلس الأمن على علاته ــ هو الذي يحق له ذلك في إطار الفصل السابع من قرار إنشاء الأمم المتحدة، فلا يجوز لأي برلمان سواء بالموافقة، أو بالرفض اتخاذ قرار الهجوم ضد دولة أخرى لا تحتل أراضيها. الأزمة السورية أبانت عن فشل ومأزق الدولة القطرية/ القومية ــ رغم نضاليتها ــ فسورية /حافظ الأسد، وعراق/ صدام حسين، ومصر/ جمال عبد الناصر سقطت في فخ إدارة الأزمات نتيجة تمركز القرار بدون امن قومي او علمي، وإلغاء المؤسسات، والسقوط في الحوار المرحلي مع الغرب، العدو الطبيعي والخوف من فقدان السلطة مما لا مجال له هنا. وواشنطن على أبواب التخلي عن دور شرطي العالم، فالشعب الأمريكي، رفض التدخلات العسكرية التي أدت إلى مآس وخراب اقتصادي، وهي فرصة تاريخية، للدولة العربية، سواء في الخليج العربي، أو في الشام أو في مصر، لبناء دولة أو اتحاد يتميز بالتوفر على بنية علمية، ودفاعية وطنية، تتوفر على ما يمتلكه باقي العالم، إذ يستحيل بناء اقتصاد وطني ومجتمع قوي ومحمي بدون اكتساب العلم، والاستراتيجية، والقرار السياسي المستقل .