تعاني السويد هذه الأيام من أزمة سياسية غير مسبوقة، وذلك بعد أن حجب البرلمان الثقة عن حكومة الأقلية التي كان الحزب الاشتراكي قد شكلها برئاسة ستيفان لوفين بالاشتراك مع حزب البيئة.
وهذه الأزمة هي حصيلة تفاعل جملة عوامل أدت إلى بروز عقبات أمام تشكيل الحكومة بعد انتخابات عام 2018، إذ استغرقت عملية التشكيل أكثر من ثلاثة أشهر. وهي الانتخابات التي أسفرت عن صعود نجم حزب ديمقراطيي السويد اليميني المتطرف الشعبوي بزعامة جيمي أوكِسون الذي يعلن صراحة عن رفضه لسياسات استقبال واستيعاب المزيد من المهاجرين؛ ويدعو باستمرار إلى التشدد في معاقبة مرتكبي الجرائم من الأجانب، حتى ولو اقتضى ذلك وضعهم في سجون خارج البلاد، وإعادتهم بعد انتهاء مدة الأحكام إلى بلدانهم. ومن اللافت أن هذا الموقف بدأ يحظى بتأييد عدد من الأحزاب الأخرى ضمن التحالف البرجوازي المعارض؛ وذلك بالتناغم مع ميول الناخبين التي تتأثر هي الأخرى بارتفاع وتيرة الجرائم التي ترتكب من قبل العصابات المنظمة المسلحة، وهي العصابات التي غالباً ما تتمركز في تجمعات المهاجرين، وتعتمد صيغة من الهرمية المستوحاة من العلاقات الأسرية المافياوية. وفي معظم الأحيان، يكون التنافس على أسواق تجارة الممنوعات هو السبب الرئيس الكامن وراء عمليات تصفية الحسابات التي عن طريق عمليات القتل التي هي في طريقها إلى أن تتحول إلى جزء من المألوف اليومي السويدي بكل أسف. وقد تفاقمت هذه الظاهرة حتى وصلت إلى مرحلة الاعتداء على رجال الشرطة، فقد تعرض أحد رجال الشرطة في يوتوبوري/غوتنبرغ، المدينة الثانية في السويد من جهة عدد السكان والأهمية، للقتل قبل أيام، الأمر الذي يعد تطوراً خطيراً في هذا المجال.
وكانت حكومة لوفين، التي استقالت بعد حجب الثقة عنها، قد تشكلت بعد جولات من المناقشات والحوارات والتجاذبات بدعم برلماني من حزبين برجوازيين هما الحزب الليبرالي وحزب الوسط، مقابل موافقة الحزب الاشتراكي على قائمة مطالب من جانب الحزبين المذكورين تمثلت في 73 بنداً، معظمها في صالح الأغنياء من أصحاب العمل والعقارات، الأمر الذي أثار انتقادات من جانب حزب اليسار، وحتى ضمن الحزب الاشتراكي الديمقراطي نفسه. ولكن في الحصيلة تم التوافق بين الأحزاب المشار إليها؛ وساند حزب اليسار من جانبه الحكومة من خارجها، ومن دون أن يكون جزءا من أي اتفاق مع الاشتراكي، ومن دون الحصول على أي امتيازات، لكنه كان واضحا منذ البداية بأنه لن يوافق على نقطتين وهما: المس بقانون تنظيم الاستغناء عن العاملين بموجب الأقدمية في الوظيفة، كما شدد على رفضه مبدأ ربط آجار السكن بالسوق. وصرح الحزب المعني علانية، وفي أكثر من مناسبة، أنه سيدعو إلى سحب الثقة من الحكومة في حال إخلالها بإحدى النقطتين، خاصة موضوع الآجارات لأنه سيكون كارثة على أصحاب الدخل المحدود. هذا مع إدراك حزب اليسار لطبيعة الإحراج الكبير الذي سيواجهه في حال إقدامه على تنفيذ تهديده، لأنه سيقف، من دون رغبته، مع القوى اليمينية واليمينية المتطرفة التي دعت، وتدعو، باستمرار إلى إسقاط حكومة لوفين.
ولكن يبدو أن الحزب الاشتراكي، وفي سياق حرصه على استمرارية التفاهم مع مسانديه من البرجوازيين، لم يعط الأهمية المطلوبة لتحذيرات حزب اليسار، واستمر في التزامه بالتوافقات، وذلك في سعي أكيد منه لتلافي الانتخابات المبكرة، والاستمرار في الحكم من موقع حكومة الأقلية، التي عادة ما تكون هشة في الديمقراطيات التي تعتمد نظام الديمقراطية النسبية، ويكون سقف نسبة الأصوات اللازمة للوصول إلى البرلمان منخفضاً إلى حدٍ ما، وهذا السقف هو في السويد 4% من مجموع أصوات الناخبين.
الأزمة السويدية هي حصيلة تراكمية لإخفاقات سياسات الحكومات السابقة، سواء الاشتراكية منها أم البرجوازية اليمنية، خاصة في ميادين الاندماج، وتحكّم الروتين العقيم غير المجدي، وتراجع دور النقابات ومنظمات المجتمع المدني. هذا إلى جانب حصول المدراء وأصحاب العمل على المزيد من مفاتيح التحكّم والسيطرة عبر أدوات وآليات عدة في ميدان تحديد الرواتب، والاستغناء، والحوافز، والامتيازات، والاستثناءات؛ بالإضافة إلى الفساد واستغلال المناصب، والصعوبات التي يواجهها قطاعا التعليم والصحة. هذا إلى جانب الثغرات التي يعاني منها الجهاز القضائي، والنقص المزمن في عدد عناصر الشرطة، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع القدرة في مواجهة تحديات تنامي الجريمة واستخدام مرتكبيها للتقنيات الحديثة، خاصة في ميدان الاتصالات. كل هذه الأمور قد باتت مادة أساسية في ماكينة اليمين المتشدد الإعلامية. ومن اللافت أن هذا اليمين يستغل الجرائم الإرهابية التي ارتكبت في العديد من الدول الأوروبية، بما فيها السويد نفسها، وتبنتها الجماعت الإسلاموية المتطرفة، أو أنها أشادت بها على الأقل. وبالمناسبة ما يحصل في السويد يحصل في غالبية الدول الأوروبية التي تحتضن مجتمعاتها أعداداً كبيرة من المهاجرين، الأمر الذي يستوجب الوقوف بجدية أمام هذه الظاهرة، ومعالجة آثارها، وإلا فستكون النتائج وخيمة بالنسبة إلى المجتمعات الأوروبية. ولكنها ستكون أكثر وقعاً على المهاجرين هؤلاء الذين أجبرتهم الظروف المختلفة على التوجه نحو الدول الأوروبية بغية الحصول على الأمن والاستقرار، وهرباً من بطش وفساد الحكومات التي عجزت عن تأمين المقومات الأساسية للعيش الكريم لمواطنيها، بل مارست كل أساليب القمع ضدهم بما في ذلك القتل والتدمير، والوضع السوري يُعد في هذا السياق المثال الأوضح.
فقد أدت، وتؤدي، ظروف عدم الاستقرار في العديد من مناطق العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وأفغانستان وأوكرنيا، والعديد من الدول الأفريقية، إلى تدفق موجات المهاجرين نحو أوروبا، وعادة ما تكون للسويد، قياساً إلى حجمها السكاني، الحصة الأكبر. وما يترتب على ذلك، نتيجة العوامل التي أتينا على ذكر بعضها، هو المزيد من التبرم ضمن الأوساط الشعبية السويدية؛ ويُترجم ذلك في ارتفاع نسبة المؤيدين لليمين المتشدد الذي لا يخفي، كما أسلفنا، توجهاته المناهضة لاستقبال المزيد من المهاجرين.
ومن الواضح أن الأحزاب الأخرى، سواء من اليمين المحافظ، أم من التيار الوسط، وحتى ضمن التيار الاشتراكي، قد أصبحت هي الأخرى تتحسّب لنتائج الانتخابات، وتحرص على اكتساب المزيد من الأصوات. وفي سبيل بلوغ ذلك، تتشدد هي الأخرى في السياسات الخاصة باستقبال المهاجرين؛ بل هناك أحزاب تعلن صراحة عن استعدادها لبناء حكومة برجوازية بالتفاهم مع حزب ديمقراطيي السويد اليميني المتشدد. ويُشار هنا بصورة خاصة إلى كل من حزب المحافظين والديمقراطي المسيحي. وقد انضم إليهما في الآونة الأخيرة الحزب الليبرالي بعد أن تنصّل من توافقاته والتزاماته مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم. هذا على الرغم من الانقسامات الداخلية التي يعاني منها هذا الحزب، إلى جانب تراجع شعبيته بصورة دراماتيكية، حتى أن غالبية استطلاعات الرأي تشير إلى صعوبة حصوله على النسبة المطلوبة من الأصوات للدخول إلى البرلمان، سواء في الانتخابات المبكرة، أم الانتخابات العادية التي ستكون بعد نحو عام (أيلول/سبتمبر 2022).
والآن، وبعد أن التزم حزب اليسار بمواقفه المعلنة صراحة من قضيتي قانون العمل والآجارات، وبعد أن سحب البرلمان الثقة من الحكومة، تواجه السويد أزمة سياسية غير عادية، تثير الكثير من القلق والهواجس على المستوى الوطني. وهناك جهود مكثفة تبذل من قبل مختلف الأطراف لتجاوز الأزمة نحو ما ينسجم مع توجهات كل طرف. هناك سيناريوهات عدة للخروج من الأزمة، ولكن سيناريو الانتخابات المبكرة يظل أحد الاحتمالات القوية في هذا المجال.
هل سيتراجع الحزب الاشتراكي عن توافقاته مع الأحزاب البرجوازية، ليعود إلى تمثيل جمهوره التقليدي؟ وهذا ما يلزمه باعتماد جملة من الاجراءات للتخفيف من الضغوط المعيشية على أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين، واهتمام أفضل بالمناطق التي يتجمع فيها المهاجرون. أم أنه سيظل مستمراً في توجهاته التي يعتقد بأنها تضمن له استمرارية في الحكم، أو على الأقل تشاركاً فيه؟
الجميع في انتظار موقف حزب الوسط الذي كان سابقاً ضمن التحالف البرجوازي؛ ولكنه يخالفه من جهة تأكيده المستمر عدم استعداده لأي تعاون، حتى ولو غير مباشر، مع حزب ديمقراطيي السويد.
هل ستكون هناك تفاهمات بين حزب الوسط واليسار لإنقاذ الموقف، والتوافق على محددات جديدة تكون لصالح غالبية السويديين، وتمكّن البلاد من تجاوز أزمة سياسية عميقة لا يستسيغها السويديون عادة، لأنها في المحصلة النهائية لن تكون في مصلحة الشعب والبلد؟ أم أن الانتخابات المبكرة بنتائجها المجهولة ستكون هي الخطوة القادمة؟
هذا ما ستكشف عنه نتائج المفاوضات والمباحثات المكثفة المستمرة راهناً بين مختلف الأطراف.
كاتب وأكاديمي سوري