الأزمة اللبنانية الخليجية والدور الأمريكي الغامض

عبد الحميد صيام
حجم الخط
2

نيويورك-“القدس العربي”: لا أعتقد أن أحدا يختلف على أن السعودية بالغت كثيرا في ردها على تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي حول عبثية حرب اليمن، ووصفه الحوثيين بأنهم يدافعون عن أنفسهم وأن السعودية والإمارات تستهدفان المدنيين في حربهما على اليمن. ونحن نقر بأن تصريحات قرداحي التي أطلقت قبل دخوله الوزارة، تنقصها الحنكة السياسية لأن ما قاله نصف الحقيقة فقط. لكن تم تضخيم الأزمة وتوسيعها لتشمل الإمارات والبحرين. لقد تجاوزت حدود الاحتجاج العادي المتبع بين الدول مثل استدعاء السفراء وتسليم رسائل احتجاج أو استدعاء السفراء من عاصمة البلد المعني للتشاور أو بيانات الاحتجاج. لقد شملت ردود الفعل المبالغ فيها خطوات انتقامية كبرى بهدف تحقيق هزيمة للطرف المستهدف ورضوخه ورفع الراية البيضاء. وهذه الخطوات المتصاعدة والواسعة قد تترك آثارها الضارة على لبنان الدولة والشعب عموما خاصة الذين يعملون في دول الخليج، حتى لو أن الأزمة حلت غدا واستقال قرداحي وهو أمر متوقع في كل لحظة. فالشركات اللبنانية كانت تسعى للاستفادة من زيادة القدرة التنافسية بعد انهيار العملة لرفع قيمة الصادرات للسعودية من 240 مليون دولار عام 2020 إلى 600 مليون دولار حاليا. إلا أن الصادرات الآن توقفت تماما بحيث إن عدة شركات لبنانية بدأت تنقل مصانعها إلى سلطنة عمان وتركيا وقبرص لتفادي الحظر السعودي، كما صرح زياد بكداش نائب رئيس غرفة التجارة اللبنانية.
ونود أن نراجع تصريحات قرداحي ونبين أماكن الشطط فيها ولكننا في نفس الوقت سنحاول أن نفهم أسباب هذا الحنق السعودي من لبنان واللبنانيين الذين أخذوا بجريرة تصريح وزير لم يكن أعلن بعد عن حقيبته الوزارية. ثم نسأل عن الدور الأمريكي في هذه الأزمة والذي يبدو أنه منخفض الوتيرة في العلن لكن ليس بالضرورة أن يكون كذلك من خلف الكواليس.

الخطأ والصواب في تصريحات قرداحي
من حق جورج قرداحي، المواطن أو الصحافي، أن تكون له آراؤه الخاصة في الشؤون اللبنانية والعربية والدولية كما يشاء. ومن حقه أن يعبر عنها ويدافع عنها كما يشاء. لكننا نريد أن نوضح بعض الجوانب من تصريحه عن اليمن التي جانب فيها الصواب.
فالحقائق التي لا جدال فيها تقول إن تحالف الحوثيين والحرس الجمهوري التابع للرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح وابنه أحمد، هو الذي بدأ الحرب من صعدة في الشمال وتحرك نحو الجنوب واحتل محافظة عمران وصولا إلى العاصمة صنعاء التي دخلها في ايلول/سبتمبر 2014 قبل أي تدخل سعودي إماراتي. والحقائق تقول إن التحالف الحوثي – صالح احتل القصر الجمهوري واحتجز الرئيس الشرعي المعترف به دوليا عبد ربه منصور هادي، الذي انتخب شعبيا في شباط/فبراير 2012 بنسبة 98 في المئة من نسبة المصوتين التي بلغت 66 في المئة من مجموع المؤهلين للمشاركة في الانتخابات.
وبعد أن فر الرئيس من الأسر وبطريقة غامضة وصل عدن ثم السعودية. تصرف الحوثيون بطريقة عنجهية وعليائية فتمددوا إلى ولايات الجنوب ظنا منهم أن الطريق سالك إلى عدن فحضرموت. فقام سكان عدن ودافعوا عن مدينتهم وحموها من الاجتياح قبل أشهر من تدخل التحالف. لقد استطاع الحوثيون أن يستولوا على معظم محافظات شمال ووسط اليمن وفرضوا على الناس التجنيد ودفع الضرائب وتدخلوا في المناهج وأنشأوا قيادة تدير البلاد باسم المجلس السياسي الأعلى. وما من شك أن الدعم الإيراني كان حاسما وتقارير الخبراء الدوليين عن شحنات الأسلحة الإيرانية كثيرة ويمكن مراجعتها. المجتمع الدولي لم يقبل بهذا الانقلاب فاعتمد القرار 2216 (نيسان/أبريل 2015) كخريطة طريق للحل السياسي تبدأ بتفكيك الانقلاب والانسحاب من المدن ونزع الأسلحة والعودة للمفاوضات لإنشاء سلطة تشاركية. لقد دفعت عنجهية القوة عند الحوثيين بأن غدروا بحليفهم علي عبد الله صالح وقتلوه بدم بارد يوم 4 كانون الأول/ديمسبر 2017.
بدأ التدخل السعودي الإماراتي وحفنة من الدول تحت اسم عاصفة الحزم في آذار/مارس 2015 وكانوا يعتقدون أن مسألة هزيمة التحالف الحوثي- صالح لن تستغرق إلا عدة أيام أو أسابيع. لكن السعودية والإمارات (وهما من تبقى من التحالف العربي) غرقتا في اليمن وانجرتا إلى حرب شاملة ارتكبت فيها مآسٍ لا توصف. خضع اليمن لحصار شامل وبدأت الحرب تطول وكوارثها تتفاقم. لقد شمل القصف الجوي البنى التحتية والمدارس والمستشفيات والأعراس والجنازات والأسواق. القصف الجوي دمر البلاد ونشر الخراب وشتت السكان، كما أن الحصار الذي فرض على الموانئ البحرية والجوية بما فيها مطار صنعاء قد فاقم الأوضاع الإنسانية فانتشرت الأمراض المعدية خاصة الكوليرا ثم كورونا وسوء التغذية بحيث أصبح نحو 80 في المئة من الشعب اليمني بحاجة إلى مساعدات غذائية. لقد تم ارتكاب العديد من الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين وخاصة الأطفال، وليس مفاجئا أن يدرج إسم التحالف في كافة تقارير الأمم المتحدة المعنية بانتهاك حقوق الأطفال منذ عام 2015. لقد تباعدت الأهداف السعودية الإماراتية في اليمن فاهتمت الإمارات بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي والسيطرة على الموانئ والجزر وإنشاء ميليشيات محلية، أما السعودية فتورطت في حرب غير قادرة على حسمها بل إنها وصلت إلى مدنها ومطاراتها ومنشآتها.
الصحافي الموضوعي عليه أن يقول الحقيقة كاملة لا نصفها كي يخدم توجهات أيديولوجية لا يتفق عليها الكثير من الناس الذين يخاطبهم.

ماذا وراء ردود الفعل القاسية؟
من السذاجة أن نصدق أن ردود الفعل الغاضبة والشاملة والمتصاعدة والمنسقة بين الدول الثلاث جاءت فقط على تصريحات قرداحي. فلا بد أن هناك أسبابا أكثر وأعقد من هذا التصريح. قد يكون التصريح هو المدخل الذي أمن طريقا سالكا للدول الثلاث أن تطلق هذه الحملة الشاملة انتقاما من لبنان الدولة بكاملها والتي جاءت بعد فترة وجيزة من تشكيل حكومة نجيب ميقاتي التي استطاعت أن تتغلب على الفيتو الذي عطل تشكيل الحكومة لأكثر من ثمانية أشهر.
هذه الحادثة هي التي سببت انفجار البركان السعودي ضد لبنان الذي، في نظرهم، تحول إلى منطقة نفوذ إيرانية، وأصبح البلد بكامله حكومة وبرلمانا مرتهنا بإرادة “حزب الله”. فقد بدأ التحول السعودي منذ انتخاب الجنرال ميشيل عون، حليف حزب الله، وتمكن الحزب من استخدام نفوذه للسيطرة على مجريات الأمور في البلاد. فقد استطاع احتواء الغضب الشعبي بعد انفجار المرفأ بتاريخ 4 آب/أغسطس 2020 وعطل إمكانية أي تحقيق مهني ومحايد أو تحقيق دولي، كما تصدى الحزب للحراك الشعبي العارم والعابر الطوائف الذي انطلق في تشرين الأول/أكتوبر 2019. والمملكة غير راضية عن حكومة ميقاتي التي تعتبرها رهينة لإرادة حزب الله. ويبدو أن السعودية متواصلة في الخطوات التصعيدية وقد تصل إلى حد وقف تحويلات اللبنانيين من السعودية وحلفائها والتي تصل إلى أربعة مليارات دولار سنويا وهو ما سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد وبالتالي انهيار الدولة. وقد يكون هذا ما تريده السعودية بعد أن فشلت في التأثير على سيطرة حزب الله وإيران على مجريات الأمور في لبنان.
لكن السؤال هل ممكن أن تقوم السعودية بمثل هذه الخطوات الخطيرة من دون مشورة أو تنسيق أو ضوء أخضر من الولايات المتحدة؟

الموقف الأمريكي
موقف الولايات المتحدة ظل خافتا. كل ما سمعناه كان على شكل إجابات رسمية للمتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس حيث قال: “وجهة نظرنا أننا نحث القنوات الدبلوماسية على أن تظل مفتوحة بين الأطراف لضمان حوار هادف حول القضايا الملحة التي يواجهها لبنان. في هذه الحالة، هذه القنوات الدبلوماسية، علاقات لبنان بأشكال مختلفة مع شركائه الإقليميين وجيرانه، مهمة ليس فقط من أجل الدبلوماسية ولكن أيضًا من أجل الشعب اللبناني”. وأضاف: “ما نقوم به هو استخدام الموارد المناسبة لمساعدة الشعب اللبناني، للتأكد من أنه يمكننا العمل مع المجتمع الدولي لتزويد شعب لبنان بالإغاثة الإنسانية التي يحتاجها بشدة”.
لكن السؤال هل يمكن للدول الثلاث، السعودية والإمارات والبحرين أن تقوم بمثل هذه الحملة المنسقة والشاملة من دون ضوء أخضر من الولايات المتحدة؟ وهل يعقل أن تكون هذه الإجراءات بنت اللحظة، أي رد فعل على تصريحات قرداحي التي أطلقت قبل دخوله الوزارة؟ لا شك أن الخطوات التي قامت بها السعودية وحليفتاها مدروسة ومخطط لها. فالمقصود منها إيران وحلفاء إيران في المنطقة. ألا يدعونا هذا إلى التفكير بأن كل ما يجري سواء في اليمن أو لبنان أو سوريا أو العراق يجيّر في المحصلة لصالح النزاع الإيراني الأمريكي في معركة استئناف المفاوضات لإعادة تفعيل الاتفاقية النووية لعام 2015؟ الولايات المتحدة بدأت تشعر بتثاقل الأرجل الإيرانية في العودة إلى فيينا لاستئناف الحوار فلعل مثل هذه الإشارات يتم التقاطها في طهران فتقربهم أكثر من قرار الاستئناف.
المأساة أن 80 في المئة من الشعب اللبناني الذين وصلوا خط الفقر هم من يدفعون الثمن غاليا، وقد يضاف إليهم عشرة في المئة آخرون نتيجة الإجراءات الخليجية. فهل المقصود تفكيك البلد تماما ودفعه إلى حافة الانهيار؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية