الأزمة المتصاعدة بين تبون وماكرون تفتح آفاقاً كبيرة للعلاقات الجزائرية التركية

إسماعيل جمال
حجم الخط
2

تجمع أنقرة والجزائر معارضة الانتشار العسكري الفرنسي في الساحل الأفريقي بشكل خاص والقارة الأفريقية بشكل عام، ورغبة البلدين في تعزيز نفوذهما السياسي والاقتصادي في أفريقيا.

إسطنبول-»القدس العربي»:   تفتح الأزمة المتصاعدة بين فرنسا والجزائر على خلفية تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي شكك فيها بوجود أمة جزائرية قبيل الاستعمار الفرنسي وهاجم فيها حقبة الخلافة العثمانية هناك، آفاقاً واسعة لتعزيز العلاقات التركية المتنامية في السنوات الأخيرة على كافة المستويات سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

وفي السنوات الأخيرة، تشهد العلاقات التركية الجزائرية تنامياً متسارعاً في ظل تناغم سياسي كبير حول ملفات سياسية إقليمية هامة تتوسع أرضيتها سريعاً، بالتوازي مع تطوير العلاقات الثنائية لا سيما في الجانب الاقتصادي وسعي البلدين لفتح آفاق اقتصادية ثنائية وأخرى مشتركة في القارة الأفريقية وهو ما يدفع للتوقع بإمكانية تطور العلاقات نحو «تعاون استراتيجي» أوسع خلال المرحلة المقبلة لا سيما في ظل الاصطفافات الإقليمية والدولية التي تدفع البلدين نحو نفس المعسكر.
وقبل أيام، نشرت وسائل إعلام فرنسية تصريحات منسوبة لماكرون هاجم فيها الرئيس الجزائري وشكك بوجود أمة جزائرية قبيل الاستعمار الفرنسي، كما عبر عن استغرابه من تركيز الجزائريين على الاستعمار الفرنسي وعدم ذكر «الاحتلال العثماني» معتبراً أن تركيا نجحت في تضليل الشعوب وكتابة التاريخ بطريقتها، وهي تصريحات فجرت أزمة سياسية غير مسبوقة بين البلدين وصلت حد استدعاء الجزائر لسفيرها من باريس ومنع تحليق الطائرات العسكرية الفرنسية من أجوائها وسط حرب تصريحات غير مسبوقة بين الجانبين.
هذه الأزمة التي ما زالت تتصاعد ويتوقع أن تتعمق أكثر خلال المرحلة المقبلة تشير الكثير من المعطيات إلى أنها سوف تدفع كلا من الجزائر وتركيا نحو تعزيز العلاقات بين البلدين على نطاق أوسع خلال المرحلة المقبلة وذلك في ظل رغبة كبيرة متنامية بين الجانبين تصب في هذا الاتجاه وتلاقي الكثير من المصالح الثنائية، لا سيما وأن البلدين قد تمكنا بالفعل في السنوات الأخيرة من تحقيق اختراق مهم في العلاقات على الصعيد السياسي والاقتصادي بشكل خاص.
وفي آب/أغسطس الماضي، زار وزير الخارجية التركي العاصمة الجزائر والتقى الرئيس عبد المجيد تبون ووزير الخارجية رمطان لعمامرة، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية وصدرت تصريحات عنهم تؤكد على عمق العلاقات وأهمية تطويرها وسط تأكيدات مشتركة على «تطابق وجهات النظر في القضايا الإقليمية والدولية» وجرى الحديث عن خريطة طريق واتفاق على «العمل سوياً في كافة القضايا».
وصف وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ضد بلاده والجزائر بأنها «غير مجدية» وقال الخميس: «فرنسا تحاول في الآونة الأخيرة أن تراجع تاريخها الاستعماري، وأنقرة عبرت في وقت سابق عن ترحيبها بذلك» مضيفاً: «تفسيرات خاطئة وتحريفات للقضايا التاريخية انتشرت في الفترة الأخيرة، وبدأت علامات الاستفهام تزداد حول مدى صدق فرنسا في هذا الصدد. من الخطأ إقحام تركيا في هذه النقاشات، فتاريخها خال من أي وصمة عار مثل الاستعمار».
وأضاف الوزير التركي: «نعتقد أن مثل هذه التصريحات غير صائبة، ونرى أن ماكرون لجأ إلى هذه الأساليب بسبب الانتخابات التي بدأت أجواؤها تخيم على فرنسا. رأينا ولا نزال نرى أن مثل هذه الأساليب الرخيصة غير مجدية أبدًا في الانتخابات أيضًا سواء في فرنسا أو في بلدان أخرى، لذلك، أعتقد أنه سيكون من المفيد له (ماكرون) اتخاذ خطوات لكسب ثقة شعبه بدلاً من اللجوء إلى مثل هذه الأساليب الشعبوية».
في السياق ذاته، اعتبر المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي عمر جليك، أن الرئيس الفرنسي يهاجم تركيا، «للتهرب من مواجهة إرث بلاده الاستعماري» وقال: «الجزائر تطالب فرنسا بمواجهة ماضيها الاستعماري، إلا أن ماكرون عوضا عن ذلك يقوم بتوجيه الاتهامات لتركيا من خلال الإشارة للإمبراطورية العثمانية» وأكد أن تصريح ماكرون بأن الشعب الجزائري والدولة الجزائرية يستخدمان «ذاكرة مستأجرة» ينم عن قلة احترام، وتابع: «الشعب الجزائري ذو كرامة ودولته كذلك، وقيام ماكرون بربط مسيرة تحول الجزائر إلى دولة وأمة بالاستعمار الفرنسي تصريح خاطئ ومسيء للغاية».
من جهته، قال وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، إن «تركيا لاعب دولي مهم جدا ونرتبط معها بعلاقات تاريخية عميقة» واصفا تصريحات للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بـ «الخطأ الجسيم» ونقلت وكالة «الأناضول» عن لعمامرة قوله إن «الجزائر وتركيا تمتلكان علاقات تاريخية عميقة وروابط معنوية قوية، وتسعيان إلى تعزيز علاقاتهما المشتركة» كما اعتبر أن تركيا ساهمت بشكل مهم في عملية التنمية بالجزائر خلال السنوات الأخيرة، وأن بلاده تتطلع إلى المزيد من علاقات الشراكة والاستثمارات التركية خلال الأيام المقبلة، وقال: «بلادنا تدعم إقامة علاقات شراكة نوعية مع تركيا، بحيث تشمل المجالات كافة» معربا عن تفاؤله بهذا الصدد.
في الجانب السياسي، ومنذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم في الجزائر تبنى مواقف سياسية تتطابق مع التوجهات التركية في كثير من الملفات والتي كان أبرزها في العام الأخير الملف الليبي الأهم لتركيا طوال الفترة الماضية، كما تشارك البلدان القلق من تحول تونس إلى ساحة جديدة للتدخلات الخارجية، كما تعتبر القضية الفلسطينية من أبرز نقاط الالتقاء بين البلدين، حيث تتخذ الجزائر مواقف معارضة لاتفاقيات التطبيع الأخيرة وتوسع إسرائيل في العالم العربي والاتحاد الأفريقي.
كما تجمع البلدين الخلافات المتصاعدة مع فرنسا في كثير من الملفات، ومعارضة العمليات العسكرية والانتشار العسكري الفرنسي في الساحل الأفريقي بشكل خاص والقارة الأفريقية بشكل عام، ورغبة البلدين في تعزيز نفوذهما السياسي والاقتصادي في القارة الأفريقية مقابل تحجيم النفوذ الفرنسي، وهي رغبة جزائرية قوية تتلاقى مع تركيا التي بات لها بالفعل نفوذ قوي في الكثير من المناطق بالقارة الأفريقية وتعاون البلدين من شأنه أن يشكل داعما كبيرا لجهودهما في هذا الإطار.
وفي إطار التعاون الاقتصاد المتنامي، عرضت السلطات الجزائرية على تركيا، شراكات جديدة في قطاع الطاقة والمناجم بموجب قانون المحروقات الجديد. وجاء في بيان لوزارة الطاقة الخميس عقب لقاء مع السفيرة التركية أن الجزائر عرضت «إمكانية تنفيذ استثمارات تركية في مجالات البحث والتنقيب عن النفط، وتطوير صناعة البتروكيماويات وإنتاج ونقل الكهرباء».
وبحسب بيانات تركية وجزائرية وصل عدد الشركات التركية في الجزائر لأكثر من 1300 شركة، كما تعتبر تركيا ثاني أكبر مستثمر في الجزائر بقيمة بلغت 5 مليارات دولار، كما يسعى البلدان لرفع حجم التبادل التجاري إلى 5 مليارات دولار على المدى القصير، حيث وصل حجم التبادل فعلياً عام 2020 إلى 4 مليارات دولار وهو ما يعني اقتراب البلدين بالفعل من تحقيق الهدف المنشود وبدء العمل على هدف جديد أكثر طموحاً، ومؤخراً بدأت تركيا في استيراد الغاز من الجزائر بكمية تصل إلى 5.4 مليار متر مكعب سنوياً.
ويجري العمل حاليا على تنفيذ مشروع للبتروكيماويات بين سوناطراك الجزائرية للمحروقات وشركة «رينيسانس هولدنغ» التركية، بولاية أضنة، جنوبي تركيا. وتبلغ التكلفة المالية للمشروع 1.4 مليار دولار، بحصة 66 في المئة لـ»رينيسانس هولدنغ» و34 بالمئة لـ»سوناطراك» وسينتج مادة البلوبروبيلان البلاستيكية، التي تدخل في عدة صناعات على غرار السيارات والنسيج.
وفي خضم الأزمة المتصاعدة مع فرنسا، عادت دعوات مقاطعة المنتجات الفرنسية لتنتشر بقوة في الجزائر، وهو توجه متزايد يتوقع أن يؤدي على مدار السنوات المقبلة إلى زيادة الاعتماد على المنتجات التركية كبديل عن المنتجات الفرنسية وبالتالي زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى جانب الاستثمارات والمشاريع الكبيرة.
وكانت مصادر تركية توقعت أن يزور قريباً الرئيس الجزائري تركيا للقاء الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ويشارك في اجتماع مجلس التعاون رفيع المستوى واجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة حيث ينتظر التوقيع على عدد من الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين اللذان يسعيان لتوسيع التعاون الاقتصادي في كافة المجالات ورفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى 5 مليارات دولار في أقرب وقت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية