الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران تنفتح على كل الاحتمالات

حجم الخط
0

في أيار 2019 تنهي إيران سنة قاسية، في نظرها. وذلك في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرض العقوبات الأمريكية عليها. وقد مست العقوبات بالأساس بقطاعي النفط والمال، والحقت ضرراً جسيماً بالاقتصاد الإيراني. إضافة إلى ذلك، فإن محاولة إيران أن تثبت تواجدها في سوريا وتبني فيها قدرات عسكرية متطورة حيال إسرائيل باءت بفشل ذريع.
بعد سنة اتخذت إيران في أثنائها سياسة «الصبر الاستراتيجي» عن عمد كي تتلقى من الدول الأوروبية تعويضاً عن استئناف العقوبات الأمريكية، تبين للنظام الإيراني أن الإدارة الأمريكية لم تفشل فقط في استئناف العقوبات، بل وتشدد الضغط الذي تمارسه عليها. وفي الشهر الأخير شهدت إيران استمراراً لسياسة «الحد الأقصى من الضغط» من جانب الولايات المتحدة: إلغاء الإعفاءات التي أعطاها الرئيس ترامب للصين، والهند، واليابان ودول أخرى، سمح لها في إطارها باستيراد النفط من إيران؛ عقوبات فرضت على شراء الفولاذ، والنحاس، والألمنيوم من إيران، وفي المجال النووي ألغت الولايات المتحدة الأذون التي سمحت لإيران بتصدير فوائض المادة المخصبة والمياه الثقيلة التي تنتجها وفقاً لإملاءات الاتفاق النووي. خطوة أليمة أخرى هي الإعلان الأمريكي عن الحرس الثوري منظمة إرهابية. وتوصل النظام في طهران بالتالي إلى الاستنتاج بأن عليه أن يبلور استراتيجية مختلفة، أو على الأقل أن يعدل الاستراتيجية ـ في ظل الانتقال إلى سياسة أكثر فاعلية، وإن كانت محسوبة وحذرة.
الآن تسعى إيران لأن تطرح على الولايات المتحدة شارة ثمن على نشاطها ضدها، وعليه فقد شرعت في خطوة مضادة، تتشكل من مساع في ثلاثة مجالات: في مجال خطة النووي، تسعى إيران لإجبار الدول الأوروبية على أن تبلور وتؤسس آلية تضمن التعويض عن العقوبات؛ في مجال العمل العسكري، تتطلع إيران لأن تجبي ثمناً من الولايات المتحدة (وإسرائيل) بهدف خلق الردع والحفاظ على الكرامة الوطنية؛ في مجال تصدير النفط من الخليج، تهدد إيران السعودية واتحاد الإمارات بأنها هي أيضاً لن تصدر النفط، إذا لم تتمكن إيران من عمل ذلك.

إمكانيات العمل الإيرانية

في المجال النووي، أمام إيران ثلاثة مدرجات عمل (من السهل حتى المفعم بالخطورة):
٭ تآمل الاتفاق النووي ـ خروقات طفيفة لمواده، بما في ذلك زيادة حجم تخصيب اليورانيوم أو رفع نسبة التخصيب.
٭ الانسحاب من الاتفاق والعودة إلى العمل النووي الواسع في ظل نصب عشرات آلاف أجهزة الطرد المركزي في نتناز، واستئناف النشاط في المفاعل في اراك، إلى جانب إلغاء التوقيع على المحضر الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
٭ الانسحاب من ميثاق منع نشر النووي، الخطوة التي ستسمح بتطوير قنبلة نووية.
في مجال العمل العسكري أيضاً تحت تصرف إيران جملة من طرق العمل المحتملة: المس بجنود أمريكيين في سوريا وبالأساس في العراق من خلال منظمات فرعية، وإطلاق صواريخ أو القيام بأعمال إرهابية من جانب منظمات فرعية من سوريا ولبنان وقطاع غزة، ضد مصالح أمريكية في الشرق الأوسط أو ضد إسرائيل. ويذكر أن إيران عملت في الثمانينيات من القرن الماضي ضد قوات المارينز في بيروت ـ من خلال حزب الله ـ وجبت حياة المئات. إيران تتهم حتى من الولايات المتحدة بالمسؤولة عن قتل 500 من جنودها في العراق بعد حرب الخليج الثاني، من خلال ميليشيات شيعية ترتبط مباشرة بطهران وتستخدمها.
نشاطات ضد تصدير النفط: هددت إيران بالمس بحرية الإبحار في مضائق هرمز. بوسعها أن تستخدم الحوثيين في اليمن لضرب الإبحار في البحر الأحمر والمس بإنتاج النفط في الجانب العربي من الخليج من خلال إطلاق الصواريخ، الطائرات المسيرة والعمليات التخريبية، بما في ذلك من خلال السايبر (في هذه الحالة أيضاً، مثلما في الإرهاب عبر الفروع، دون الإعلان أو أخذ المسؤولية).

الخطوات الإيرانية والرد الأمريكي

في المجال النووي: في المرحلة الأولى، اختارت إيران مدرجاً متدنياً يتمثل بعدم إخراج المادة المخصبة فوق 300 كيلوغرام، المسموح لها وفقاً للاتفاق النووي، وتهدد بخرق أكبر بعد 60 يوماً. نشدد أن إيران لا تنسحب من الاتفاق، لأن تقييده زمنياً يخدمنا في سياق الخطة النووية وتطلعاتها الإقليمية. ولمفاجأة طهران، فإن هذه الدرجة المنخفضة لم تحظ بتأييد أوروبي أو روسي، ولهذا فقد جسدت الخطر الكامن في فقدان التأييد الذي تتلقاه من هذه الدول حيال الولايات المتحدة.
في المجال العسكري التقليدي والعمليات الإرهابية: وصل إخطار استخباري عن محاولة للمس بجنود الولايات المتحدة في العراق ـ ما يفسر تغيير خطة سفر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومباو من ألمانيا إلى العراق الأسبوع الماضي. يمكن الافتراض بأن إيران تعد عمليات ضد إسرائيل أيضاً من الأراضي السورية والعراق وربما من لبنان.
في مجال المس بحرية الإبحار وتصدير النفط من دول الخليج: نشرت الولايات المتحدة إخطاراً للسفن التجارية لدول الخليج حول محاولات المس بالناقلات في مضائق هرمز. في 12 أيار وصلت أنباء أولى من اتحاد الإمارات العربية والسعودية عن هجمات على سفن تجارية وناقلات نفط على مقربة من المضائق. لم يعلن أحد المسؤولية ولم يكن هناك ضرر كبير، ولكن الخطوة مكشوفة ـ عملية إيرانية دون الإعلان، مثابة تلميح بالقدرات.
لم تبق الولايات المتحدة سلبية في ضوء خطوات إيران هذه. ففي الأسبوع الماضي، في خطوة مغطاة إعلامياً، أرسلت إلى الشرق الأوسط قوات عسكرية ـ حاملة الطائرات لينكولن، قاصفات بي 52 القادرة على حمل سلاح نووي وبطاريات باتريوت. ويشار إلى أن هذه ليست قوات مناسبة لمعركة واسعة النطاق، ولكنها رسالة تقول إن عمليات الإرهاب الإيرانية لن تبقى بلا رد، حتى وإن كانت موضعية فقط.
في الظروف الحالية، يطرح الطرفان شروطاً صعبة للعودة إلى المفاوضات ـ فالولايات المتحدة متمسكة ظاهراً بالمطالب الـ 12 التي طرحها بومباو على إيران، بينما إيران تطلب اعتذاراً أمريكياً وعودة إلى الاتفاق النووي كشرط للمفاوضات. ومع ذلك، كلاهما على ما يبدو يفهمان بأن مسار الحوار هو الأقل خطراً.

تخوف إسرائيلي من خلايا الوجود الإيراني… وغياب الشريك

وبالفعل، فإن تصريحات العسكريين الإيرانيين كانت حازم، فقد تطرق قائد الحرس الثوري في 12 أيار للتصعيد، وبخاصة لإرسال حاملة الطائرات لينكولن إلى مقربة من الشواطئ الإيرانية، بقوله إنه إذا نفذت الولايات المتحدة الخطوة فإن إيران «ستضربها بالرأس»، وأضاف بأن التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط شكل في الماضي تهديداً، ولكن الآن تعد هذه فرصة (من ناحية إيران). ومقابله، اعتقد حسن روحاني، في خطاب ألقاه قبل يوم من ذلك بأن الوضع (في إيران) أصعب من الوضع الذي كانت فيه الجمهورية الإسلامية في عهد الحرب الإيرانية العراقية. هذا التصريح قد يعد الرأي العام «لاحتساء كأس السم»، في شكل استنتاج وصل إليه الزعيم الأعلى روح الله الخميني في 1988 عقب الهزيمة التي تكبدتها إيران في الميدان حيال العراق، بخسائر فادحة في الأرواح ومس شديد بالاقتصاد. كل هذه أدت بالخميني إلى التقدير بأن استمرار الحرب سيعرض بقاء النظام للخطر.
كما أن إدارة ترامب لا تسارع إلى المواجهة، وأطلقت رسالة تقول إن خطوات الولايات المتحدة دفاعية كرد على الإخطارات التي تلقتها. يجدر الانتباه إلى الاختلاف في الرسائل الصادرة عن واشنطن: بخلاف الرسائل الحازمة التي أطلقها بومباو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، أعرب الرئيس ترامب عن اهتمامه بمنع المس بإيران من خلال الحوار مع قيادتها.
أكثر من ثلاث مرات في غضون يومين أشار ترامب إلى أنه معني بأن «يتصلوا به… يجلس للمفاوضات ويتمكن الطرفان من الوصول إلى اتفاق معقول». كما شدد ترامب على أن الولايات المتحدة معنية بألا يكون لدى إيران سلاح نووي. «هذا ليس طلباً كبيراً ونساعدهم على تحسين وضعهم الاقتصادي…أنتظر اليوم الذي نتمكن فيه من مساعدتهم…لا نريد أن نسيء إليهم، أريد أن يكونوا أقوياء ويكون لهم اقتصاد ناجح»… «إذا اتصلوا بنا فسنتحاور، ليس لنا أسرار، ومثل كوريا الشمالية لديهم احتمال كامل أن يكونوا أقوياء من ناحية اقتصادية». وبالتوازي، نشر أن البيت الأبيض نقل إلى سويسرا (التي تمثل المصالح الأمريكية في إيران) رقم هاتف من خلاله يمكن للإيرانيين أن يتوجهوا مباشرة إلى الرئيس ترامب. تصريحات ترامب هذه يحتمل أن تشير إلى أن الرئيس يفضل تركيز المداولات مع إيران في الموضوع النووي فقط.

المعاني لإسرائيل

في المدى القريب، يبدو أن حكومة إسرائيل لن تأسف إذا انهار الاتفاق النووي في أعقاب الخروقات الإيرانية له والخطوات المضادة من القوى العظمى المشاركة فيه. من المهم لإسرائيل ألا تعود أي إدارة مستقبلية في الولايات المتحدة، بما في ذلك من الحزب الديمقراطي إلى الاتفاق بالذات في السنوات الإشكالية جداً له، والتي ستحصل إيران في أثنائها على الشرعية الدولية للدفع إلى الأمام بخطة نووية كاملة.
إن الصدام العسكري بين إيران والولايات المتحدة ـ في الخليج، وفي العراق أو في سوريا، أو إغلاق مضائق هرمز ـ وإن كانت لا تتعلق بإسرائيل مباشرة، إلا أن تطورات في هذا الاتجاه ستكون ذات معان غير مباشرة تجاهها. الاحتمال يبقى متدنياً في أن يبقي الإيرانيون إسرائيل خارج المعركة، إذا ما نشبت.
وعليه، فإن السياسة التي نوصي بها لإسرائيل يجب أن تحتوي العناصر التالية.
في المدى الفوري، مطلوب يقظة استخبارية وجاهزية عملياتية لإحباط خطوة عسكرية إيرانية مباشرة أو غير مباشرة ضد إسرائيل في كل الجبهات التي يوجد فيها تواجد إيراني. نعم، مطلوب اتفاق استراتيجي مشترك مع الولايات المتحدة حول الرد على خطوات عسكرية إيرانية. على إسرائيل أن تفحص وتعدل أعمال «المعركة بين الحروب» حيال تثبيت التواجد الإيراني في سوريا، وتكييفها مع التغيير في سياسة الرد والردع الإيرانية.
في المدى المتوسط، يجب الاستعداد لحالة أن تجلس الولايات المتحدة وإيران مع ذلك للتفاوض، والتوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة حول ما هو مطلوب تعديله في الاتفاق النووي، وبالأساس حول تمديد فترة الهروب (نحو انتهاء مفعول الاتفاق)، وتحسين الرقابة على المنشآت النووية الإيرانية، ومعالجة جوانب السلاح في الخطة النووية وخطة الصواريخ الإيرانية ونشاطات إيران لتحقيق هيمنة إقليمية. إن مواقف إسرائيل ستكون مدعومة من دول الخليج، ومن هنا فإن أمامها فرصة لتعزيز علاقاتها مع هذه الدول في المجال السياسي، وفي مجالات أخرى أيضاً.
في المدى البعيد، على إسرائيل أن تتوقع بأن تختار إيران نهج التصعيد وتستأنف النشاط النووي لجمع مادة مخصب لـ 20 في المئة ـ تقصر الزمن الممكن للوصول إلى مادة مشعة، بل والاستعداد لإمكانية انسحاب إيراني من اتفاق منع نشر النووي. على إسرائيل أن تتوقع بالا تعمل الولايات المتحدة بفاعلية لوقف الخطة النووية الإيرانية. وعليه فإن إسرائيل ملزمة بتعديل خطط بناء القوة لديها لحالة أن تضطر للتصدي وحدها لاقتحام إيران نحو النووي. هذا تحد مالي وعملياتي واسع النطاق. من المهم أن نتذكر بأن الخطة متعددة السنوات للجيش الإسرائيلي (جدعون)، افترضت تأجيل عشر سنوات على الأقل في إعداد الرد على الخطة النووية الإيرانية. ولكن التطورات التي سجلت في هذا السياق في السنة الأخيرة، ولا سيما في الشهر الأخير، تستوجب تعديلاً مهماً على الخطة وإضافة مقدرات لجهاز الأمن.
وختاماً، إن سياسة الضغط الأقصى التي تتخذها الولايات المتحدة تجاه إيران وتصميمها على عدم السماح لإيران بالمس بالجنود والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بشكل تم في الماضي دون جباية ثمن من قبل إيران، وبالمقابل قرار إيران الخروج عن «الصبر الاستراتيجي» ـ تنطوي على احتمال تصعيد وسوء تقدير من شأنه أن يكون عظيم المعنى على أمن إسرائيل. لهذا السبب، على الكابينت الأمني أن يجتمع ويصمم سياسة مناسبة للمدى الزمني القريب، المتوسط والبعيد.

عاموس يدلين
نظرة عليا 15 /5/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية