الأزمة والحرية… فقدان الثقة

لعل إعراض السلطة عن الاستماع للعلماء، أو الأخذ بآراء المختصين الفاعلين والحقيقيين، يعدّ من مظاهر الفشل عند مواجهة الأزمات، ما يعني تشوّها ثقافياً وحضارياً. ومؤخراً حذّر عدد من العلماء من كارثة بيئية قد يواجهها العالم، أشد خطورة من كورونا في السنوات العشر المقبلة، وتتمثل بظاهرة الاحتباس الحراري. وهكذا تبدو ثنائية السلطة والرأسمال بمعزل عن الاستجابة للتحذيرات العلمية، فمنظومة المعرفة ينبغي أن تتقدم على ما عداها، كما أنها لا يمكن أن تتطور إلا في سياق الحرية، التي بدأت على المحك نتيجة محاولة البعض الاستفادة من مناخ السيطرة، تبعاً لفئوية ما أو لتنفيذ خطط ما، بحيث تحول الإنسان إلى موضوع مهيمن عليه، أو سلعة.
إن موضوع الحريات، في ظل الأزمات التي بدأت تستغل لتصبح أداة من أدوات تقييد نمط حياة الإنسان، حيث نلاحظ في سياق هذه الظاهرة أن الشعوب التي تمتلك الوعي بالحرية، تبدو الأكثر مقاومة لإجراءات السلطات المبالغ فيها، من أجل تقييد أنماط الارتحال والسفر، وكافة الممارسات اليومية من منطلق أنّ حرية الفرد مقدسة، وهنا نعود إلى أن العلاقة مع السلطة غالباً ما تبقى متوترة، نتيجة فقدان الثقة التاريخي من قبل الشعوب بالنموذج المتحكم في مجرى الأمور، ما يعلل التشكيك الدائم بالقرارات المتخذة.
بعض السلطات اتخذت من أزمة كورونا وسيلة كي تتخلص من بعض الملفات المقلقة، حيث جاءت الجائحة بوصفها هدية لبعض الحكومات، لتجاوز أزماتها التي نتجت بسبب سوء الإدارة، وهذا لا يقتصر على بعض الدول النامية، إنما يطال أعرق الديمقراطيات، ونعني الولايات المتحدة، التي تتعرض لاختبار نتيجة مطالبة دونالد ترامب بتأجيل الانتخابات، بداعي ظروف كورونا. وهكذا نقترب من معنى التربية، وثقافة الحرية لدى الشعوب، ومن ذلك مقاومة الشعب الألماني وغيره، الممارسات المقيدة من منطلق الإيمان بأن الحرية حق لا يمكن لأي سلطة أن تصادره، وهنا نرى أن معظم الشعوب العربية لا تبدو مثقفة تثقيفاً حقيقياً على مستوى وعي الحرية وقيمها، أو بوصفها منهج حياة، مع التشديد على تضمين قيم الحرية، ونهجها في التعليم القائم على مبدأ التفكير الحر، ففلسفة التعليم في بعض البلدان العربية تحرص كلّ الحرص على أن تتجاوز بناء نهج الحرية، مع تمكين التّصورات التي تبقي الإنسان بمعزل عن أي محاولة لإدراك الذات، وفردية الوجود وحريته.
على ما يبدو أن التّصريح الأخير لأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بخصوص المخاطر التي تتهدد البشرية، نتيجة إغلاق المدارس أو المؤسسات التعليمية، يشير بأننا نتجه إلى عالم بلا معرفة حقيقية ذات طابع حر، ومتفرّد، فالتعليم ينهض على التراكم، بوصفه إحدى خصائص النموذج التعليمي، فضلاً عن أن التعليم سياق اجتماعي، وليس معرفياً وحسب، وفي ظل توقف المؤسسات التعليمية، وتوافر جملة من الآراء حول عودة التعليم، أم الاستمرار بالإغلاق، فإن هذا يبدو محتملاً للعديد من الآثار السلبية، فالتعليم لا يقل أهمية عن العوامل الاقتصادية، وأي وسيلة للحدّ من ممارسات التعليم، فإن هذا سوف يعني تراجعاً قيمياً، ربما يحدث آثاراً سلبية تمتد لآجال طويلة، كما أنه يقوّض قيمة الحرية تحديداً، وهذا ما يعني أن البشرية قد بدأت تفقد مكتسباتها لصالح القوى الظلامية التي تسعى لتعزيز السيطرة على القيم المعرفية لتتحول إلى سلعة استهلاكية مصدرها التقنيات التي بدأت تمسخ الإنسان الذي توارى خلف وجود لا يعبر عن روحه الحقيقية.

بعض السلطات اتخذت من أزمة كورونا وسيلة كي تتخلص من بعض الملفات المقلقة، حيث جاءت الجائحة بوصفها هدية لبعض الحكومات، لتجاوز أزماتها التي نتجت بسبب سوء الإدارة، وهذا لا يقتصر على بعض الدول النامية، إنما يطال أعرق الديمقراطيات.

إن الحرية لطالما شكلت عالماً منقوصاً، غير أن الفرصة الآن باتت سانحة أو أكثر مثالية لتتحول ظاهرة الأزمة إلى وسيلة لفرض القيود، وهذا ما حذّر منه مفكران كبيران هما سلافوي جيجيك ونعوم تشومسكي، حيث أعربا عن مخاوفهما من هذا التطور الجديد في انتزاع ما تبقى من معنى الحرية لدى البشر، الذين بدؤوا يعانون من مزاج كئيب ربما يطال الشعور الجمعي الإنساني، وقد يقود إلى مشاكل تتجاوز تداعيات كورونا.
إذا كان استمرار الأزمة قد بات أمراً واقعاً، فإن هذا لا يعني في أي حال من الأحوال أن تصادر مكتسبات الإنسان في التعلم، والتنقل، والحياة، فوصاية السلطة لم تتأت إلا من تغذية الهواجس والأساطير التي تتيح حكم البشر عند دفعهم للإيمان بمعتقدات أو أيديولوجيات ما، بحيث تتحول هذه إلى أدوات لإلغاء العقل، وقد عبر عن ذلك مؤلف كتاب «العاقل تاريخ موجز للجنس البشري» حين حلل آلية تطور السلطة عبر التاريخ، ولاسيما مع بدء الثورة الزراعية، وتحول الإنسان من مجتمعات الصيد إلى مجتمعات مستقرة، فظهرت المدنية التي أتاحت للسلطات تطوير آلياتها للمحافظة على بعض مكتسبات النخب.
لا يمكن أن نقلل في أي حال من الأحوال من مخاطر أي أزمة، غير أن مقارنة بما يمكن أن يحدثه هذا الوجود الطّارئ على تهديم أو نقض نضال مجتمعات وحلقات متعددة من معاني التطور البشري، وسعيها للحرية، حيث يخسر الإنسان نضاله، وما أنجزه في غفلة من الزمن. ولعل هذا ما يقلق الشعوب التي تعي قيمة الحرية كونها أدركت أنها لا يمكن أن تعود خطوة للوراء؛ ولهذا نجد أنها الأكثر شراسة للتعبير عن تحفظها تجاه بعض الإجراءات، في حين أن معظم قطاعات العالم العربي ما زالت في طور نضالها للتخلص من الفساد، والترهل الإداري، وسلسلة مشاكل التي تبدو بدائية أو تجاوزها الزمن. إن بعض الحكومات غير قادرة على توفير الخبز لشعوبها، نظراً لمجموع الفساد الذي بات ظاهرة تفوق أي مشكلة بيئية أو صحية، لهذا فإنه ينبغي ألا يغرب عن الأذهان أن أي محاولة لتجاوز أزمة ما يتحقق فعلياً عبر الشفافية والنزاهة، والتخلص من نخب الفساد التي تتوارث السلطة، تبعاً لثقافة النخب، التي تنتج ذاتها عندما تحتكر التعليم النخبوي للمحافظة على موقع قيادي، وهكذا فسوف تتمكن من المحافظة على النسق عينه من احتكار السلطة، في حين تحيّد العقول والمعرفة والخبرة الفاعلة من القيادة، فالكل يعلم بأن المؤسسات يقودها الأقل كفاءة ومعرفة، كونها – في الأصل- نتاج مبدأ الهيمنة المتوارثة، وهنا ينبغي التّشديد على أن الحرية أمر بسيط لا يتصل بأيديولوجية، إنما هو فعل توافقي يخضع لمنظومة قانونية تصون آلية الفعل بمعزل عن أي إكراهات أو تسلط، ما يعزز التقدم الحضاري، كما التخلص من ركام المشاكل التي تجاوزتها بعض الأمم، في حين تظهر الأحداث يومياً أن معظم ما نعانيه من فشل يعود حقيقة إلى غياب قيمتي العدالة والحرية.

٭ كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية