القاهرة ـ «القدس العربي»: وحدت الفتنة التي أطلقها من عقالها الإعلامي إبراهيم عيسى بشأن التشكيك في الإسراء والمعراج، بين الفرقاء المتناحرين، ومن اللافت أنها أعادت كثيراً ممن اشتهروا بالهجوم على الأزهر الشريف، والإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، لرشدهم، إذ تواصلت أمس الاثنين 21 فبراير/شباط الدعوة بتحكيم المؤسسة الدينية في أي خلاف، وزجر الذين يخوضون في المسائل الفقهية بغير علم. كما تصاعدت المطالب من قبل عدد من الوجوه المؤيدة للسلطة بضرورة الدفاع عن الدين الإسلامي، بوصفه السياج الحامي للأمة.. وتصاعد الهجوم ضد عيسى، الذي اتهمه مجدي الجلاد رئيس تحرير جريدة “الوطن” السابق بأنه وآخرين يعملون لتنفيذ أجندات خارجية، بهدف زعزعة العقائد الدينية بين الجماهير، خاصة الشباب منهم. وشدد على أن استهداف الدين بات هدفاً تنفق من أجله الأموال، وتعقد لتنفيذه الاجتماعات السرية. واتهم الجلاد كتيبة من الإعلاميين بأنهم يسيرون على هدي الكاتب سيد القمني، الذي رحل مؤخرا وكذلك الراحل جمال البنا.
واحتفت الصحف بتصريحات رئيس البرلمان العربي عادل بن عبد الرحمن العسومي، بعد إعلان إثيوبيا البدء بشكل أحادي في عملية تشغيل سد النهضة، مؤكدا الرفض التام لتلك الخطوة، التي تمثل مساسا خطيرا بالحقوق المائية لمصر والسودان، كما تمثل انتهاكا صريحا للاتفاقيات الدولية والثنائية، التي تنظم استخدام مياه نهر النيل كنهر دولي. وأكد العسومي وقوف البرلمان العربي إلى جانب كل من مصر والسودان، في ما يتخذانه من إجراءات للحفاظ على حقوقهما المائية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي..
ومن أبرز تصريحات أمس على لسان وزير الخارجية السابق نبيل فهمي: أن أمريكا وإسرائيل لن تحاربا إيران من أجل الخليج، وأشار إلى أن اعتماد العرب على الغير لتوفير الحماية، أتاح لجيرانهم التفوق عليهم والسعى لفرض نفوذهم على المنطقة، واعترف بأن أمام العرب فرصة لتحويل التغيرات الإقليمية إلى فرص للنجاح، وبالنسبة لمصر فهي تحتاج إلى مصارحة جميع الأطراف المعنية بسد النهضة، بالمخاطر التفصيلية لتجاوز حقوقها في مياه النيل. وبالنسبة للبرلمان: شهدت جلسة مجلس النواب، مناقشة تقرير لجنة الإسكان عن مشروع قانون تعديل قانون الإيجار القديم للأشخاص الاعتبارية لغير الغرض السكني. وبشأن وزارة الخارجية قام الوزير سامح شكري، والمبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص بالمناخ جون كيري، بتدشين مجموعة العمل المصرية الأمريكية المعنية بالمناخ. وقال شكري إنه تم الاتفاق على تأسيس هذه المجموعة خلال جولة الحوار الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة العام الماضي. ومن صفحات الحوادث: أصدرت جهات التحقيق قرارا بحبس المتهم الصيدلي أحمد أبو النصر، الشهير بطبيب الكركمين 4 أيام على ذمة التحقيقات، لاتهامه بانتحال صفة طبيب والنصب على عدد من المواطنين.
وما ينطق عن الهوى
البداية مع الأزمة التي تسبب فيها الإعلامي إبراهيم عيسى، الذي يرد عليه الدكتور محمود خليل في “الوطن”: الإشكالية في اللخبطة الحاصلة حول واقعة الإسراء والمعراج، أصلها الفارق ما بين تصورين، ينظر أولهما إلى الواقعة من زاوية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كإنسان، وينظر ثانيهما إليها من زاوية الخالق العظيم القادر على كل شيء. لو أنك استمعت إلى تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله تعالى، لآية الإسراء ستجد أنه لفت الانتباه إلى الكلمة التي تبدأ بها كمفتاح لاستيعاب الواقعة التي تتحدث عنها، وهي كلمة «سبحان»، فالدخول إلى مقام فهم واقعة الإسراء يقتضى من الفرد التنبه إلى أنه يقف أمام فعل رباني أراده الخالق القادر على كل شيء «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ». تصف واقعة الإسراء رحلة انتقل فيها النبي – بحول الله وقوته – من المسجد الحرام (مكة) إلى المسجد الأقصى (القدس)، وهو انتقال كان يستغرق ليالى طويلة في ذلك الوقت (حوالي 40 ليلة). في سياق ذلك الزمان مثلت الحادثة خرقا للواقع، لذلك لم يصدقها عرب مكة من المشركين، وارتاب فيها عدد من المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأن تقييمهم لها تم على أساس النظر إلى النبي كبشر مثلهم، وكان بالفعل كذلك، لكنهم نسوا وحي السماء: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ». تشكك وارتاب مَن نظروا إلى واقعة الإسراء من زاوية النبي كإنسان، ونسوا تأييده بالوحي، ولم يكن الأمر كذلك لمن نظروا إليها من زاوية الخالق العظيم، مثل الصحابي الجليل أبوبكر الصديق، الذي رد على المشككين والمرتابين قائلا: «والله لئن قال هذا الكلام فقد صدق، فوالله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من الله من السماء إلى الأرض فأصدقه».
لهذا صدقه
أبوبكر الصديق كما أخبرنا الدكتور محمود خليل، كان متأملا عميقا للقرآن الكريم، وتعليقه على الواقعة يشهد على التفاته إلى الإيمان بقدرة الله، وأن النبي بشر لكنه مؤيَّد بالوحي، لذا فقد كان تصديقه قائما على المنطق. وينقلنا حديث أبي بكر إلى «واقعة المعراج» التي صدّقها الصحابي الجليل أيضا بلا تردد، فمن يأتيه الخبر من السماء ويتنزل عليه كلام الله، الذي عجز أهل الأرض عن الإتيان بمثله، يصح أن يخوض رحلة علوية كتلك التي يؤمن كل أصحاب الديانات بأن أمين الوحي جبريل خاضها، وهو ينقل كلمة الله إلى أنبيائه الذين اصطفاهم لإبلاغ رسالته إلى أهل الأرض. واقعة المعراج والرحلة العلوية التي هيأها الخالق العظيم للنبي توجد إشارات متنوعة إليها في سورة «النجم»، وهي الرحلة التي بلغ فيها النبي ما لم يبلغه غيره، ورأى ما لم يره سواه، لقد أراد الله تعالى له أن يرى من آياته الكبرى «مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى»، هناك خلاف على الكيفية التي حدث بها المعراج، فهناك من يؤمن بأنه حدث للنبي واقعا (جسدا وروحا)، وهناك من يرى أنه رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم، ورؤيا الأنبياء حق، ويحتج الفريق الأخير بقوله تعالى: «وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَة لِّلنَّاسِ»، وبناء على ذلك يرون أن المعراج رؤيا منامية رآها النبي. وكلام هؤلاء يجب ألا يؤخذ على عواهنه، فطبقا لقاعدة القرآن يفسر بعضه بعضا، ستجد إشارة لموضوع الرؤيا الذي جاء مبهما في الآية السابقة في آية أخرى تتعلق بفتح مكة: «لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ». تحمل هذه الآية إشارة صريحة إلى أن موضوع الرؤيا اقترن بواقعة فتح مكة، التي سبقها جدل كبير ثار بين المسلمين حول صلح الحديبية، وكادت تقع بينهم فتنة حين قبل النبي العودة إلى المدينة والرجوع عن دخول مكة، بعد أن كان في طريقه إلى المسجد الحرام.
ليست نزوة
عاد بنا عبد الله السناوي للوراء في “الشروق” ليطلعنا أن الوحدة المصرية السورية، التي أعلنت في 22 فبراير/شباط (1958)، لم تكن انخراطا في أوهام ومغامرات بقدر ما كانت تعبيرا عن صراع محتدم على المنطقة ومستقبلها. بحكم موقعها الجغرافي لم يكن ممكنا لسوريا أن تنغلق على نفسها تحت أي ادعاء، أو أن يكون لها مستقبل خارج عالمها العربي في أي ذريعة. ولا كان بوسع مصر، التي باتت قوة إقليمية عظمى أثر النتائج السياسية لحرب السويس (1956)، ألا يمتد بصرها لما يحيق بالوطن السوري من مخاطر تتهددها بالانقلابات العسكرية الممولة، أو بالاحترابات الأهلية الماثلة، أو بالغزو من الخارج بقيادة رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد، الوجه الأبرز لـ«حلف بغداد». السياق التاريخي ضروري لفهم ما جرى من تدافع للحوادث وصلت ذروتها بإعلان الوحدة المصرية السورية. كان جمال عبدالناصر يخوض حربا مفتوحة ضد سياسات ملء الفراغ والأحلاف العسكرية، التي تبنتها الولايات المتحدة القوة الدولية العظمى الصاعدة بعد تقويض مكانة الإمبراطوريتين السابقتين البريطانية والفرنسية. عندما تشاهد على شرائط مسجلة مئات آلاف البشر تتدافع إليه عندما زار دمشق لأول مرة فلا بد أن تنصت لصوت التاريخ، وتدرك بالعمق أنها كانت تهتف للمعنى قبل الشخص، وأن هذه لم تكن انفعالات عواطف، بل حقائق تاريخ يجسدها رجال. في 28 سبتمبر/أيلول 1961 جرى فصم الوحدة المصرية ـ السورية بانقلاب عسكري رعته الاستخبارات الأمريكية ومولته دول إقليمية عديدة. كان ذلك إنذارا مبكرا بما سوف يحدث تاليا من حروب على العروبة نفسها، أحلامها وتطلعاتها ونزوعها لاستقلال القرار الوطنى والتنمية المستقلة. باليقين فإن عبدالناصر يتحمل جانبا من المسؤولية.
عربية الهوى
أكد عبد الله السناوي أن عبدالحكيم عامر، لم يكن مؤهلا لإدارة دولة الوحدة من دمشق، والانقلاب حدث من داخل مكتبه. كما أن عدم تغييره بعد الانفصال كان خطأ جسيما، أفضى ـ ضمن أسباب أخرى ـ إلى الهزيمة العسكرية في يونيو/حزيران بالحجم الذي حدثت به. رغم ذلك تتبدى الوحدة في الذاكرة العامة كحلم يستعصي على محاولات الإجهاز عليه. أجهزوا على تجربة عبدالناصر واصطادوها من ثغراتها، لكن للأحلام مناعة أكبر وعمرا أطول. قالوا إن الوحدة «وهم ناصري»، وأن مصر فرعونية، أو شرق أوسطية، أو أي شيء آخر غير أن تكون عربية، لكن الحقائق تغلب باستمرار. فـ«مصر» ـ بالثقافة والهوية والجغرافيا والتاريخ ـ مشدودة إلى محيطها العربي، المصائر مشتركة، والقضايا واحدة وعندما تنكرت مصر لأدوارها جرى ما جرى لها من تهميش وتراجع في المكانة منذ سبعينيات القرن الماضي وما بعدها. يستلفت الانتباه في أداء عبدالناصر لحظة الانفصال، مدى إدراكه للحقائق في سوريا وخشيته على مستقبلها. بعد الانفصال بأسبوع قال في خطاب بثته الإذاعة المصرية، كأنه يقرأ طالع أيام لم تأتِ بعد «إن الوحدة الوطنية في الوطن السوري تحتل المكانة الأولى.. إن قوة سوريا قوة للأمة العربية وعزة سوريا عزة للمستقبل العربي والوحدة الوطنية في سوريا دعامة للوحدة العربية وأسبابها الحقيقية». «لست أريد أن أقيم حصارا سياسيا أو دبلوماسيا من حول سوريا، فإن الشعب السوري في النهاية سوف يكون هو الذي يعاني من هذا الحصار القاسي». وكان مما قال في ظروف الانفصال: «ليس مهما أن تبقى الوحدة، المهم أن تبقى سوريا». في لحظة الانكسار تبدت سلامة الرؤية. أوقف التدخل العسكري المصري، بعد أن أرسلت قوات إلى اللاذقية خشية إراقة الدماء. وكان ذلك إجراء سليما، رغم صعوبته، فلا وحدة تتأسس على إراقة دماء. كانت للانفصال عواقب استراتيجية أوصلتنا إلى الكوابيس المقيمة.
جريمة مشينة
اهتم أحمد عبدالتواب في “الأهرام” بالواقعة التي اهتم بها كثير من الناس: كشفت الجريمة المخزية، التي انهال فيها الزوج بالضرب على زوجته علنا، في الشارع ليلة زفافهما، الخميس الماضي في الإسماعيلية، مسائل مهمة تستحق الوقوف أمامها بحثا عن علاج، خاصة أن كثيرين على مواقع التواصل أعربوا عن أن هذه الواقعة انتشرت، فقط، بفضل كاميرا الموبايل وشبكة الإنترنت، وأكدّوا أن هذه الجرائم الهمجية تقع في أماكن لا يُتوقع أن تشهدها وحكى كل واحد عن إحدى الوقائع: ففي نادٍ مغلق لفئة مصنفة بأنها خاصة، فوجئ الحضور على العشاء بزوج يقوم فجأة بضرب زوجته أمام أطفالهما الصغار، ثم يجرجرها بفظاظة إلى الخارج وسط صراخ الأطفال. وواقعة أخرى ضرب فيها الزوج زوجته في رحلة سياحية لزيارة الآثار في الأقصر، أمام المشاركين في الرحلة،إلخ. وبعد الواقعة الأخيرة مباشرة انتحرت زوجة في الشرقية بعد أن ضربها زوجها بثلاثة أيام، لأنها أرادت زيارة أهلها في وقت رآه متأخرا، وفي الوقت الذي أدان فيه البعض الزوجة المُعتَدَى عليها في الإسماعيلية لأنها قبلت الصلح وأكملت حفل الزفاف، فقد أكد آخرون أنها لا يمكن أن توافق على هذا إلا بضغط ظروف قاهرة لا نعرفها، لاحِظ أن هذه النوعية من الأزواج متحللون من الروادع الإنسانية ومن الحرج الاجتماعي ومن مراعاة حساسية المناسبة وخصوصية المكان، كما أنهم لا يكترثون بأي مهانة تتعرض لها المرأة. وهم واثقون كذلك من خروجهم آمنين بلا عقاب رادع من قانون أو أجهزة، وقد لخص الزوج في واقعة الإسماعيلية هذه العقلية الكارثية عندما صرخ في الجمهور قائلا: (دي مراتى، ولو قتلتها في الشارع ما حدش له دعوة). من المهم الالتفات إلى الظروف التي يتشكل فيها الطرفان: المُعتدِى بمبررات عدوانه، والمُعتدَى عليها بمبررات إذعانها للعدوان، وهي أشياء ينبغي التعامل بجدية مع جذورها، مع إدراك أن النتائج الفارِقة لا تتجلى إلا بعد زمن، بما يلزم الآن أن يكون العقاب رادعا، وأن تُشجَّع المرأة على التمسك بحقها، شريطة توفير مساعدات لها تحميها من التبعات التي تمنعها من الإقدام، وحث الجمهور على التدخل بإيجابية.
لا تظلموها
نبقى مع أزمة “العروس” بصحبة كرم جبر في “الأخبار”: في قضية عروس الإسماعيلية التي جرى ضربها وسحلها في الشارع.. الجميع خاسرون: الزوج الذي أهان كرامة زوجته، وظهر في صورة غير إنسانية بملامحه الحادة وشكله غير العاطفي، وترك نفسه لأخلاقه الشاذة التي سمحت له أن يرتكب فعلا لقي استنكار الجميع. والزوجة التي مسحت دموعها في قهر ومذلة، مضطرة إلى قبول الصلح والإذعان لقوى أهلها وأهل الزوج، وهي لا قبل لها بتحمل ضغوطهم وقسوتهم. وأهل الزوج الذين ظهروا في الفيديوهات في صورة منفرة، يقومون بتبريرات تثير السخرية والازدراء، خصوصا وهم يحملون في أيديهم الطعام بطريقة استفزازية، وكأنهم في حالة ذهول من الصدمة. وأهل الزوجة الذين تركوها فريسة للضرب والسحل دون أن يتدخل أب أو أم أو قريب للدفاع عنها، ودفع الضرر والإهانة والبهدلة.. أين كانوا الله أعلم؟ والجمهور الكبير الذي شاهد المهزلة، واكتفى بالفرجة والمشاهدة، دون أن يتدخل أحد بكلمة حق، وهي ظاهرة عامة اسمها “ملناش دعوة”، إما خوفا أو إيثارا للسلامة أو التعود على ذلك. وحملة الموبايلات الذين اكتفوا بالتصوير و”شير” وأصبحت عادة سيئة أن يلتف الناس حول حادث أو مصيبة، ليس بهدف إنقاذ الضحية أو الدفاع عنها، ولكن للتصوير والبث في فيسبوك. والتبريرات الفاشلة مثل “عندينا في الصعيد كدة”، في الصعيد موطن الرجولة والشهامة والكبرياء، ولا تهان فيه النساء أبداً، بل المرأة الصعيدية في كثير من الأحيان بمائة رجل. المرأة الصعيدية رمز الكرامة والكبرياء، والرجل الصعيدي مثال للشهامة والمروءة، وإذا اجتمع الاثنان فتكون الأسرة صالحة، وأساسها التقوى والمعروف، وليس البهدلة والإهانة والضرب. ولكن الصورة التي سلبت النوم من العيون في ليلة شتوية باردة، لا تمثل في أي حال الحياة الاجتماعية للشباب المقبلين على الزواج.
أخوة أعداء
احتفى مصطفى عبيد في «الوفد» بالسيرة الذاتية لأحد كبار الصحافيين: يسأل محمد العزبى سؤالا صعبا في كتابه الأخير الصادر عن دار ريشة، «هل يدخل الصحافيون الجنة؟» يقول بعد رحلة تسعين عاما، إنه حاول طوال حياته الانحياز للبسطاء، داعما ومبشرا ومعينا، لعله يدخل الجنة الخالدة جزاء على ما نفع به الناس. يكتب ثم يكتب ولا يمل أو يكل، مقررا أنه لن يعتزل أو يتوقف حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. سيواصل حتى لو وهن العظم وضعف البصر، أو زال. يقول لنا «لم يخترع حكاية إحالة الصحافيين إلى المعاش إلا الرئيس السادات حتى يتخلص من أراذلهم وكان يقصد بذلك مصطفى أمين وجلال الدين الحمامصي، فإذا بهما أكثر شبابا وعتيّا». يرى محمد العزبي أن الصحافة والسلطة إخوة أعداء يتربص كل منهما بالآخر. رصاص بالكلمات، يقابله بطش بالقانون وخارج القانون. صحيح هناك مصفقون، كذبة، أبواق لكل عهد، لكن هناك أيضا جورنالجية أنقياء ينتصرون للحق والحقيقة، ويحيون مستقلين عن كل لون، صامدين أمام كل تيار. يقول الشاعر العراقى مظفر النواب في إحدى قصائده «وكذبت كنشرة أخبار»، لكن مَن قال أن نشرات الأخبار وحدها الكاذبة؟
لقد كانت السلطة في كل العصور ترى الصحافة نافذة شر، ومنبع فتنة، وظل كل الحكام ينظرون إلى الصحافيين نظرة ازدراء وتربص. وعندما قرر جمال عبدالناصر تأميم الصحافة، احتج بأن الكتاب والصحافيين غير مسؤولين ويهددون النسيج الاجتماعي للمصريين، واعتبر نشر رسام الكاريكاتير حجازي لزوجة تُخبئ عشيقها تحت السرير قلة أدب وتفتيتا للأخلاق.
حظك اليوم
حاول إحسان عبدالقدوس وسيد أبو النجا، كما نقل مصطفى عبيد عن محمد العزبي مناقشة الرئيس عبد الناصر في قراراته، لكنه احتد غاضبا وسأل إن كانت الصحافة تعني الدعارة؟ وواصل الرجل حديثه محتدا بلهجة لا تخلو من الوعيد قائلا «إن مصر ليست النساء المطلقات في نادي الجزيرة. إن مصر هي كفر البطيخ». وهرولت الصحف وقتها لزيارة القرية الصغيرة التي ذكرها الزعيم في دمياط، وأصبحت صورا وتحقيقات ومقالات مقررة على كل القراء، وأسرع الكاتب المسرحي سعد الدين وهبة إلى تأليف «كفر البطيخ» التي عرضت فورا على مسارح الدولة. يحكي محمد العزبي في كتابه، كيف حبس عبدالناصر كاتبه المفضل إحسان عبدالقدوس، ثم أفرج عنه مع دعوة للإفطار معه ليقول له « اتربيت ولا لسة؟». ويستعيد المؤلف عبارة شهيرة لعبد الستار الطويلة يقول فيها «إن السلطة عندما تريدك تقلب عليك الدنيا حتى تجدك، وعندما لا تكون في حاجة إليك لا تسأل عنك مهما أديت لها من خدمات، فلا عواطف لديها». وهناك أمور قد لا يلاحظها صحافيون كبار، لكنها لا تمر من قنوات الكبار دون اختبارات ومراجعات، منها مثلا ما يحكيه الكتاب، من أن محمد علي إبراهيم، فوجئ يوما وهو رئيس تحرير “الجمهورية” باتصال من حبيب العادلي وزير الداخلية، وسأله في جدية إن كان قد قرأ الجريدة كاملة، فأجابه بالإيجاب. فقال له في استنكار: هل قرأت باب حظك اليوم؟ ثم أخبره أن الحظ المكتوب لبرج الثور يقول إنه سيواجه أياما صعبة ومستقبلا غامضا. وذكره أن الرئيس مبارك ينتمي لهذا البرج.
آخرة الكوركمين
لا تخلو صحيفة من اقتفاء اثر طبيب الكوركمين، ومن بين من اهتموا به أكرم القصاص في “اليوم السابع”: بعد شهور من الخداع، تم القبض على أحد مدعي العلاج بالأعشاب، الذي روج لنفسه على شبكة الإنترنت وبعض الفضائيات، على أنه يعالج بـ«الكركمين»، والأعشاب، واستمر لسنوات يقدم دعاية لنفسه، ويوهم المرضى بأنه قادر على علاجهم من الأمراض الخطيرة والمستعصية، بل إنه تسبب في تردى حالات مرضى ووفاة آخرين، بعد أن طالبهم بالتوقف عن تلقى علاج السكر والضغط والعظام، والاكتفاء بالوصفات التي يقدمها لهم، وهي وصفات لا علاقة لها بالطب ولا بالعلم. واللافت للنظر أن المدعي اشتهر بوصفاته غالية الثمن، واستمر يتلقى المرضى ويوهمهم بالعلاج، رغم تحذيرات أطباء ومتخصصين اتهموه بالنصب والإضرار بالمرضى، واتضح أنه ليس طبيبا، بل إن نقابة الأطباء قالت إنه قام على مدار سنوات عديدة بتقديم النصائح والمعلومات الطبية والترويج لبيع وصفات علاجية للمواطنين عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، مدعيا أن تلك الوصفات ومنها ما أطلق عليه «الكركمين»، مرخصة من وزارة الصحة، على خلاف الحقيقة، ما تسبب في الإضرار بصحة المواطنين وكان مدعاة لتساؤلات وشكاوى نقابة الأطباء والمهتمين بالشأن الصحي. حالة المدعي المذكور ليست فردية، وإنما هي جزء من ظاهرة وجود مدعين يكثفون ظهورهم في بعض قنوات «بير السلم» ومواقع التواصل على أنهم أطباء أو معالجون، وهم مجرد دجالين ونصابين يعلنون عن مؤهلات أو تخصصات مزيفة أو وهمية، لدرجة أن كل من هب ودب أصبح يمكنه تعليق لافتات تزدحم بـ«الدكتوراهات والزمالات والشهادات الدولية» في تخصصات نادرة، مستغلين أدوات التواصل وقنوات يوتيوب وبعضهم لم يحصل على أي شهادات، وينصبون شباكهم في العالم الافتراضي، وهناك بعض السذج يصدقون هذا ويقعون ضحايا، وهؤلاء المزيفون يزاحمون الأطباء الحقيقيين، الذين حذر بعضهم المرضى من الإنصات لهم، لكن بعض المرضى يقعون ضحايا، تحت ضغط الإلحاح، أو التصديق، ولا ينتبهون إلى التحذيرات، ويدفعون للنصابين ثمن ما يضرهم.
صراع مريب
أكد مرسي عطا الله في “الأهرام”، أن الصراعات والمعارك التي تزايدت في السنوات الأخيرة تحت رايات «العمل التطوعي» في الأندية والنقابات والاتحادات والجمعيات الأهلية، تثير الكثير من علامات الاستفهام، بل وتصل إلى حد التشكيك في مصداقية المتصارعين على المقاعد الشرفية… تابع الكاتب: ما زالت حتى اليوم ترن في أذني كلمات الدكتور التهامي عبد الرحمن رئيس جامعة القاهرة في مطلع الستينيات من القرن الماضي، عندما اشتم رائحة بوادر انقسام حول انتخاب رئيس اتحاد طلاب الجامعة وخشي بحسه السياسي أن يتطور الانقسام إلى صراع، فقال لنا في اجتماع طارئ دعا إليه الـ 31 قيادة طلابية من مختلف كليات الجامعة، الذين لهم حق التصويت: «إن العمل التطوعي سمو ورقي وقد انتخبكم جموع الطلاب في كلياتكم لكي تسهموا في تآلف المجتمع الجامعي، وليس تفتيته وتمزيقه إلى شيع وأحزاب.. ويا أبنائي ما أبعد المسافة بين التنافس والتناحر، فالعمل التطوعي هدفه إنعاش روح الجماعة في المقام الأول وليس نثر بذور الانقسام وتوليد الفتنة». إن التطوع للخدمة العامة دون مقابل سلوك حضاري لنشر روح التكافل والتعاون والمشاركة بين الجميع، ولم يكن في الأزمنة الفائتة مدخلا لصراعات وانقسامات تتنافى مع المفهوم الصحيح للعمل التطوعي بأنه سلوك حضاري ينشر الألفة والمحبة، ويخاصم الحقد والكراهية، ففي المناخ الصحيح للعمل التطوعي يتزايد جلساء الخير، ويتناقص جلساء الشر، وقديما قالوا جليس الخير نعمة وجليس الشر نقمة، وقد أثبتت دراسات علمية حديثة أن المناخ الصحي للعمل التطوعي في أي مجتمع، يؤدي تلقائيا إلى تقليل الضغط النفسي والعصبي والذهني ويقوى الإرادة، خصوصا لدى الأجيال الشابة المؤهلة بالفطرة لحب الخير والسعي لمساعدة الغير دون مقابل، عن طريق الاقتداء بجيل الآباء والأجداد، الذين يستقون منه الخبرات التي تمنحهم مزيدا من الثقة بالنفس مع كل خطوة إنجاز في ساحة العمل التطوعي. والعمل التطوعى في أساسه نشأ كفكرة إنسانية لاستغلال وقت الفراغ أو لملء الفراغ النفسي والعاطفي للشباب. وأخشى ما أخشاه أن يؤدي مناخ الصراعات الدائر منذ سنوات حول مختلف مجالات العمل التطوعي إلى قتل الفكرة من أساسها ليس فقط قتل روح الإقبال عند الشباب للعمل التطوعي، وإنما عزوفهم تماما عن خوض هذا المعترك إذا استمر على حاله الراهن.
محل شك
اكتشف سليمان جودة في “المصري اليوم” بعد مطالعته كتاب سيرة الدكتور زاهي حواس، الذي صدر بعنوان «الحارس»، أن لعنة الفراعنة ربما يكون لها ظل من الحقيقة، كان الدكتور زاهي عائدا ذات يوم من أمريكا بصحبة مومياء الملك رمسيس الأول، بعد أن كان قد نجح في استردادها من هناك، وكانت سيدة فرنسية تجلس إلى جواره في الطائرة، ولم تكن تريد أن تتوقف عن الكلام، ولأنه لا يحب الحديث مع أحد أثناء الطيران، فإنه راح يبحث عن طريقة تجعلها تسكت، ولم يجد أمامه سوى أن يخبرها بأنه عالِم أثري، وأن معه مومياء في باطن الطائرة، وقد أُصيبت السيدة الفرنسية بالرعب بمجرد سماعها كلام زاهي، فأخرجت الإنجيل من جيبها وظلت تقرأ إلى أن هبطت الطائرة. بعدها كان توم برادلي عمدة لوس أنجلس، في زيارة إلى القاهرة، وعندما زار الأهرامات صمم على الصعود إلى سقالات ترميم أبو الهول، ورغم تحذيرات حواس المتكررة له من لعنة التمثال، ومن أنه يمكن أن يفقد منصبه بسببها، فإنه لم يهتم، وعندما عاد إلى بلاده فقد المنصب بعدها بأسبوع.. وقد ظلت الواقعة موضوعا للضحك بينهما كلما التقيا.. وفي يوم مازحه زاهي حواس وقال: سأنشر مقالا عن أن أهم عمدة في تاريخ أمريكا يفقد وظيفته.. احترس من لعنة أبوالهول. وفي يوم آخر جاء غريغ نورمان لاعب الجولف الشهير، ليتزوج عند الأهرامات من كريس إيفرت، لاعبة التنس الشهيرة، وتكلم معها الدكتور زاهي عن أنفاق أبوالهول وسردابه، وعن أن هذا السرداب قد يتسبب لها في لعنة، وصارحها بأنها إذا لم تحترس فمن الممكن أن يتم طلاقها بعد ثلاثة أشهر من العودة إلى بلادها. ولكنها مثل برادلي عمدة لوس أنجلس، لم تهتم، وحين عاد العروسان إلى الولايات المتحدة الأمريكية فإن طلاقهما كان بعد وجودهما عند أبوالهول بثلاثة أشهر بالضبط. ولا تزال لعنة الفراعنة لغزا من الألغاز، ولكن الرجل يحاول تفسيرها بالعقل في سيرته الذاتية، ويقول إن ما يحدث ليس سوى تأثير الميكروبات الموجودة في أماكن مغلقة منذ آلاف السنين، وإن هذا هو التفسير المنطقي الذي يراه عقله ويتقبله.
شكل العالم
سعى جمال أبو الحسن في “المصري اليوم”، للإجابة على السؤال التالي: ما الذي يعنيه غزو روسى لأوكرانيا، إن وقع؟ إننا- ابتداء- سنكون أمام حدثٍ كبير، من النوعية التي توصف بالتاريخية. العاصمة الأوكرانية «كييف» هي عاصمة لدولة مستقلة ذات سيادة، ومعترف بها من النظام الدولي. الإطاحة بالحكم القائم في كييف، ووضعها تحت الاحتلال (وهي النتيجة الطبيعية للغزو) تطور لم تشهده الساحة الأوروبية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تقريبا. يُلاحظ هنا أن الحرب الباردة، التي استمرت نحو نصف قرن بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، كانت- وفقا لمُسماها- باردة، وأن أغلب معاركها وحروبها كانت بالوكالة، وأن المسرح الأوروبي لم يشهد خلالها مواجهات مُسلحة. الحدث الأقرب شبها هو الغزو العراقي الذي باشره صدام حسين على الكويت في 1990، والذي قاد إلى حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت، وخلق اضطرابات لا تزال تُعاني منها منطقة الشرق الأوسط إلى اليوم. النتيجة الثانية التي ستترتب على الغزو (مرة ثانية، إن وقع) هي أن العالم سيدخل نوعا من حرب باردة جديدة. والحقيقة أن التعريف الأدق هنا هو: الصراع بين القوى الكبرى، ذلك أننا لا نعرف بعد ما إذا كان هذا الصراع باردا كسلفه، أو أنه سيكون ساخنا، حامي الوطيس. السبب في أن كلمة «الحرب الباردة» التي يأتي ذكرها على الألسن، هي أن هذه الحرب تُمثل الخبرة الأحدث للبشرية مع صراعات القوى الكبرى (وكانت لحسن الحظ باردة)، وأن هذه النوعية من المنافسات القاتلة والمكلفة للبشر، توارت وتراجعت خلال الأربعين عاما الماضية، حتى إن البعض تحدث باستحالة وقوعها في المستقبل. والحال أن الشواهد كلها تُشير إلى عودة هذه الصراعات من جديد إلى عالمنا، وهو ليس خبرا سارا لكل مَن يرغبون في عالمٍ أكثر أمنا وازدهارا، لهم ولأبنائهم. النتيجة الثالثة التي استنتجها جمال أبو الحسن حال وقوع الغزو أن هذا الحدث الكبير لن تقف آثاره وتبعاته على الدول المنخرطة فيه، فالمنافسات في قمة النظام الدولي تُعيد تشكيله، وترسم من جديد قواعده الحاكمة وأعرافه السائدة. القوى الكبرى لا تخوض النزاعات على أراضيها غالبا، بل هي تفعل ذلك – وللأسف – على مسارح الآخرين، بل كثيرا ما تخوض هذه النزاعات بقواتِ دولٍ أخرى، فيما يُعرف بحروب الوكالة. وفي اللحظة التي يُقرر فيها الرئيس بوتين غزو أوكرانيا سيُصبح العالم كله، بدرجات متفاوتة بالطبع، متورطا في هذا النزاع وفي آثاره الممتدة. مؤسسات الأمن القومي، في أركان العالم المختلفة، سوف تُعيد تقييم الموقف، وتُجري حسابات مختلفة حول المخاطر والفرص. إن العالم الذي يُمكن فيه الإطاحة بسيادة دولة، بين عشية وضحاها، عبر عملية غزو تقليدية لا تختلف – في جوهرها – عن الغزوات النابليونية.. هو عالم مختلف كُليا عن ذاك الذي عرفناه في العقود الأربعة الماضية، حيث لم تعد الحرب على هذا النحو أمرا محتمل الوقوع، بل هي مستبعدة. وعندما تصل مؤسسات الأمن القومي، في مختلف الدول، إلى خُلاصة أن «قواعد اللعب» في العالم قد تغيرت، فإننا قد نُفاجأ بأحداثٍ غير متوقعة في أركان مختلفة من المعمورة ترتيبا على هذا الفهم الجديد. النتيجة الرابعة هي أن أغلب دول العالم ستكون مُطالبة، عما قريب، باتخاذ مواقف قاطعة. سيصير الوقوف على ضفتي النزاع أمرا أكثر صعوبة، بل ربما يُصبح «الجلوس على السور» والمشاهدة من بعيد أمرا مُكلفا أيضا. اللون الرمادي لن يكون شائعا في عالم يتشكل على وقع منافسات مصيرية بين القوى الكبرى.