الأزهر ينتقد وزير الأوقاف… ومواجهة برلمانية مرتقبة بسبب اختلاط الرجال بالنساء في صلاة العيد

حسام عبد البصير
حجم الخط
4

القاهرة-« القدس العربي»: عيد لا يشبهه آخر ذلك الذي عاشه السودانيون المقيمون في مصر، حيث يحيا وطنهم أحداثا فارقة يجمع كثيرون على أنها ستطول، إذ ليس بوسع من أشعلوا الحرب أن يطفئوها. وطيلة إجازة العيد وعلى مدار يومي السبت والأحد 22 و23 أبريل/نيسان، تواصلت هواجس الكثير من المصريين ومخاوفهم بسبب تداعيات تردي الأوضاع في السودان وتأثير ذلك على حياة الكثيرين، خاصة من الذين تربطهم أعمال في السودان، أو الطلاب الذين يقدر عددهم بنحو عشرة آلاف مصري يدرسون في الجامعات الإسلامية.
ومن أبرز التقارير: أعلنت وزارة الخارجية، أن أحد أعضاء السفارة المصرية أصيب بطلق ناري، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى ضرورة توخي أقصى درجات الحذر حفاظا علي سلامة مواطنينا وأعضاء بعثاتنا في السودان، وكشف السفير أحمد أبوزيد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية عن أن الجالية المصرية في السودان بالآلاف، مؤكدة أن أعضاء البعثة الدبلوماسية لن يغادروا السودان قبل الاطمئنان على كل المواطنين. وفي ما يتعلق بوضع البعثة الدبلوماسية، أوضح المتحدث باسم الخارجية أن العقيدة وميثاق العمل الراسخين لدى الدبلوماسي المصري تفرض عليه أن يكون آخر من يغادر ميدان عمله بعد الاطمئنان على استكمال عملية إجلاء كل من يرغب من أعضاء الجالية في المغادرة.. مستشهدا بما حدث في ليبيا وأفغانستان وأوكرانيا، حيث نجحت سفاراتنا في إتمام عمليات الإجلاء الآمن للجالية المصرية فيها.. ومن التقارير الاقتصادية: كشف الدكتور محمد معيط وزير المالية، عن أن الرئيس السيسي، أمر برفع موازنة الدعم والحماية الاجتماعية من 358.4 مليار جنيه إلى 529.7 مليار جنيه بنسبة زيادة 48.8%؜ للتخفيف عن المواطنين في ظل الموجة التضخمية العالمية؛ بما يُمكِّن الدولة من التوسع في شبكة الحماية الاجتماعية الأكثر استهدافا للأسر الأولى بالرعاية والأكثر احتياجا، على نحو يتكامل مع جهود الارتقاء بمستوى المعيشة. ومن حوادث العيد أعلنت مديرية الشؤون الصحية في قنا، عن ظهور نتيجة العينات، في واقعة تسمم تلميذ وإصابة 3 آخرين من أسرته، بعد تناولهم وجبة ملوحة، في مركز نجع حمادي شمالي قنا. نتيجة العينات، التي تم سحبها من بقايا الأكل أثبتت أن الملوحة فيها سم فئران، وأن فيها البكتريا المسببة للتسمم الممباري، وأن نتيجة تحاليل الدم من أحد المصابين، فيها تسمم بالتوكسينات الخاصة بالتسمم الممباري. ومن أخبار القلعة البيضاء: أصبح فريق نادي الزمالك مهددا بفقدان الرباعي (يوسف أسامة نبيه، وسيف فاروق جعفر، ومحمد صبحي، والتونسي حمزة المثلوثي) خلال الميركاتو الصيفي المقبل، وتنتهى عقود اللاعبين الأربعة في نهاية الموسم ويحق لهم التوقيع لأي فريق آخر، ما يهدد الفريق الأبيض بفقدانه أربعة لاعبين من بين الهيكل الأساسي للفريق. وقبل أن تنتهي اجازة العيد كانت القاهرة قد شهدت مواجهة شارك فيها رموز في المؤسسة الدينية والبرلمان بسبب اختلاط النساء والرجال في صلاة العيد، وبدوره علق الدكتور عباس شومان المشرف على الفتوى في الأزهر، على الصور التي تم تداولها لسيدات وفتيات يؤدين صلاة عيد الفطر المبارك إلى جوار الرجال. قائلا: “صلاة الرجال والنساء مختلطين جنبا إلى جنب في أي مكان سوى الحرمين صلاة باطلة، وبدعة يجب أن تمنع، لا فرق بين كونها في بلد إسلامي أو بين الجاليات في دول غير إسلامية”. وكانت دار الإفتاء المصرية قد أصدرت تحذيرا للرجال والسيدات بشأن صلاة عيد الفطر المبارك في الساحات. وأكدت دار الإفتاء المصرية أن صلاة الرجال إلى جوار النساء في مصلى العيد في صف واحد، دون فاصل أو حاجز لا يجوز شرعا، وهي تعدٍ صريحٌ على قواعد الشرع الشريف وقوانين المحافظة على الآداب العامة المنظمة لقواعد الاجتماع بين الرجال والنساء في الأماكن العامة.
لا يليق

يبدو أن البرلمان بصدد مواجهة مع أبرز رموز المؤسسة الدينية، حيث تقدمت عايدة السواركة، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب، بطلب إحاطة، إلى المستشار الدكتور حنفي جبالي رئيس المجلس، موجه إلى الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف، بشأن تكرار ظاهرة الاختلاط بين الرجال والنساء في صلاة عيد الفطر المبارك. ووفقا لكل من محمد المنسي ومحمد حسني في “فيتو” قالت النائبة، في طلبها: انتشرت خلال السنوات الأخيرة، ظاهرة غريبة عن مجتمعنا، للأسف في مصر دون غيرها من البلاد العربية والإسلامية، حيث شهدت ساحات بعض المساجد في مصر اختلاطا بين الرجال والنساء أثناء أداء صلاة عيد الفطر، رغم التحذيرات الدينية من هذه الظاهرة، حيث شُوهد في عدد من مساجد القاهرة والجيزة، مئات الرجال والنساء يقفون في صفوف واحدة لأداء الصلاة، من بينها ساحة ميدان مصطفى محمود وأضافت، صلاة الرجال إلى جوار النساء في مصلى العيد في صف واحد، من دون فاصل أو حاجز تعدٍ صريح على قواعد الشرع الشريف ولا يجوز. كما أن صلاة الرجال إلى جوار النساء، تعدٍ صريح على قوانين المحافظة على الآداب العامة المنظمة لقواعد الاجتماع بين الرجال والنساء في الأماكن العامة. وأرجعت النائبة عايدة السواركة هذه الظاهرة إلى غياب التنظيم من قبل القائمين على هذه الساحات، خاصة وزارة الأوقاف، فمن المعروف أن يزداد الازدحام وإقبال المواطنين بمختلف أعمارهم وأجناسهم على صلاة العيد، سواء الفطر أو الأضحى، ما يؤدي في النهاية إلى المشاهد التي نراها، والتي تُثير استهجان العامة.

محنته وجودية

دعا الدكتور عبد المنعم سعيد في “المصري اليوم” المصريين لأن يصلوا من أجل السودان لينجوا من شرور الفتنة والانقسام قائلا، الروابط بين مصر والسودان لا تحتاج مراجعة، وما يصيب السودانيين من أذى يمسنا معنويّا وماديّا؛ وعندما تُصاب الدولة السودانية بانقسام فإن المصريين يضعون أياديهم على قلوبهم. منذ اختيار السودانيين الحر، قيام السودان المستقلة وهي تعاني دورية التغييرات الحادة بين المكون العسكري والمكون المدني، حسب التعبيرات السودانية، سواء وُصفت بالثورة أو الانقلاب. الحصاد في النهاية بعد عقود كان قسمة السودان بين شمالها وجنوبها في دولتين مستقلتين، كل منهما تعاني آلامها الخاصة. آخر دورات التغيير جاءت مبشرة بربيع سوداني في ديسمبر/كانون الأول 2018 مع موجة جديدة من «الربيع العربي» شملت العراق ولبنان والجزائر، كان يُتصور أنها سوف تتعلم الكثير من الموجة الأولى؛ ترفض الفاشية الدينية وتؤكد على الدولة الوطنية المدنية والديمقراطية. خرجت الجماهير والمليونيات ودارت الحوارات والمناقشات والمشاركات والمناظرات، كما يليق بديمقراطية كتلك التي كانت في «أثينا» قبل أكثر من ألفين من الأعوام. انتهى الجمع السوداني بعد الإطاحة بنظام البشير إلى مرحلة انتقالية دوامها ثلاث سنوات. الآن أصبحنا نعيش في الربيع الرابع لما بعد ثورة انقسمت فيها السودان مرة أخرى ليس بين المكونين المدني والعسكري، وإنما بات كل مكون منهما يشكل انقسامه الخاص. المكون المدني الذي يسمى الحرية والتغيير عاش حريته وتغييره، لم يعد هناك فصيل أو عنصر أو قبيلة أو إقليم أو جماعة أو حزب، إلا وحصل على نصيبه من كلام السياسة وحواراتها ومناقشاتها بكل ألوانها ونغماتها. منذ بدأ الحراك السياسي في السودان، قبل أربعة أعوام، والأنظار المصرية التي تابعها الدكتور عبد المنعم سعيد تتطلع إلى ما يجري هناك، أحيانا بأمل أن تخرج الدولة الشقيقة من حالة «التغيير» السائلة إلى حالة الاستقرار على نظام، بأقل قدر ممكن من الخسائر. المسألة السودانية في جوهرها تدور حول هوية السودان، حيث تختفي الدولة الوطنية وراء أردية متعددة من الصوفية الدينية، إلى أشكال متعددة من النزاعات العربية، وفي أوقات خاطفة نجحت الماركسية في الوصول إلى السلطة عندما جرى انقلاب سريع بقيادة هاشم العطا والحزب الشيوعي السوداني عام 1971. وعندما تظهر الدولة الوطنية معترفة بالتعددية الجهوية والمناطقية والدينية والمذهبية، وتضع كل ذلك في حزم ليبرالية دون مشروع وطني جاد للتغيير فإن هذه تنتهي في قيمها إلى ديمقراطية إجرائية، لا تلبث فيها الأغلبية أن تتشرذم؛ ومع تشرذمها تصاب بالشلل والاستدراج نحو الفوضى، التي لا تجد هناك بدّا من فضها بحكم عسكري من نوع أو آخر. الآن، وللأسف، وصل المرض إلى قلب المنقذ الدائم، فقسمه نصفين، بعدما أسفر الزمن عن فريقين عسكريين كما هو الحال في تقاليد الدول الثيوقراطية، حيث تنقسم القوة المسلحة إلى جيش في ناحية وحرس ثوري، أو دعم سريع في ناحية أخرى، من أجل ضمان استمرار تنظيم سرى ثالث لا يريد هذا ولا ذاك. وعندما يستقر الوفاق على جيش واحد في دولة موحدة، فإن الخارجين عن الوحدة في ظروف استثنائية يرون أن الاندماج يستغرق عشر سنوات لا يُشْتَمّ منها إلا الإصرار على استمرار الانقسام. القضية الآن برمتها ليست في يد العالم الذي يرغب في إنقاذ السودان، وإنما في يد السودانيين، الذين عليهم الاستقرار على دولة وطنية موحدة يكون لها جيش واحد، أو الرغبة في مواءمات على الطريقة الفلسطينية، تعطي للانقسام الشرعية السياسية أو الدينية؛ أو انقسامات على الطريقة السودانية، التي تمهد لانقسامات أكثر عمقا ودموية.

وطن الدموع

لا شيء يؤلم كما قال محمد أمين في “المصري اليوم” مثل الوطن، خاصة إذا كنت تشعر بالعجز والفشل لنجدة الوطن.. شاهدت على إحدى الشاشات دموع مريم بنت الصادق المهدي، لم تنطق بكلمة.. إنه الشعور بالعجز أمام وطن يتم تدميره، وحرقه. وشاهدت على شاشة أخرى دموع أحد أساتذة الجامعة تسأله المذيعة عن رأيه في ما يجري في السودان، فلم ينطق بكلمة لكنه راح يبكي دون صوت، حتى اعتذرت المذيعة وبكت وذهبت إلى فاصل. تذكرت نحيب أحد التوانسة ليلة هروب زين العابدين بن علي، وهو يقول بن علي هرب.. كان يصرخ وكأنه يخشى على الوطن وكأنه يسأل: من يدير البلاد الآن؟ هكذا أبناء العرب يبكون أوطانهم ولا يعرفون أين المصير؟ على الشاشات صور أسر ترحل، تحمل حقائبها وأطفالها وتمضي لا تعرف أين تذهب.. رائحة الموت والجثث في كل مكان وإطلاق النار يتجدد رغم الهدنة والسودان يضيع.. وللأسف الكل يهتف باسم الله ويردد: الله أكبر. كل يظن أنه على حق وأنه سينتصر.. وكل فريق معه الفضائيات التي تناصره وكلهم يرقص على جثة السودان، ولا نعرف الحقيقة، والكتابة في ظل هذه الغيوم كأنك تمشي في حقول الشوك. لا أحد في الأطراف المتصارعة والمتحاربة يحترم الهدنة التي منحت للسودانيين في العيد، والشعب يحزم حقائبه ويترك السودان لمن يتحاربون على ثروات السودان، ولم يتمالك السياسيون أنفسهم من البكاء على الشاشات، وقالوا نعتذر أننا لم نستطع نصرة السودان. الذين تهدمت بيوتهم يبكون، ليس على البيت الخاص، وإنما على الوطن.. والبيت هو الوطن الأول وهو الرمز.. هم الآن لا يعرفون هذا ولا ذاك، لكن يهمهم الوطن الذي يضيع من بين أيديهم ويتسرب مثل كل الأوطان التي انهارت وطواها التاريخ. الله وحده يعلم متى تنتهى هذه الأزمة.. دول كثيرة بدأت ولم تنته الحرب فيها إلا بالقضاء على الوطن وتشرد المواطنين، ولكم في سوريا المثل.. اللهم احفظ السودان وأهله واحقن دماءهم.. السودان في حروب منذ سنوات ولا يستطيع بلد في العالم أن يصمد هكذا بلا عمل ولا إنتاج. تعلمنا في مدارسنا أن السودان جزء منا، أي أننا جسد واحد، شمال الوادي وجنوب الوادي، فإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

أيام عصيبة

هل قرأتم ما ذكرته «مجموعة الأزمات الدولية» مؤخرا عن تقديرها لاحتمالات تطور الأوضاع الحالية في السودان؟ أجاب الدكتور أسامة الغزالي حرب في «الأهرام»: أولا تلك «المجموعة» هي منظمة دولية بحثية مهمة، غير حكومية، تأسست في عام 1995 من شخصيات بارزة، سياسيين ودبلوماسيين سابقين وأساتذة جامعيين، إلخ. وهي تنشر منذ ذلك الوقت تقارير مهمة عن (الإسلام، العنف والإصلاح، الطاقة، الإرهاب، نشر الديمقراطية، إلخ من قضايا تشغل اهتمام العالم الغربي بالذات). وقد درجت هذه المنظمة على متابعة الأحداث في السودان بانتظام، فماذا قالت عما يجري اليوم هناك؟ قالت إن السودان يتجه نحو حرب أهلية مدمرة، ما لم يتوقف فورا القتال الدائر بين الجيش والدعم السريع. ونصحت المنظمة الجهات السودانية الفاعلة، والجهات الخارجية، ممن تربطها علاقات مع عبدالفتاح البرهان، وحمدان دقلو «حميدتي»، بأن تطالبهما بوقف إطلاق النار. وقالت إن القتال خلّف مئات القتلى، وحاصر الآلاف، وتوقعت أن يكون عدد القتلى أكبر بكثير مما أعلن. ومع أن «مجموعة الأزمات الدولية» رجحت أن ينتصر الجيش على الدعم السريع في الخرطوم، إلا أنها ذكرت أن تلك النتيجة ليست مؤكدة بالضرورة، وأنه إذا استطاع الجيش تأمين الخرطوم، وانسحب حميدتي إلى دارفور، فمن الممكن ـ وفق تقدير المجموعة الدولية ـ أن تتبعها حرب أهلية. هذا كلام خطير للغاية ومثير للقلق. وأضيف أنا هنا، من متابعتي الدقيقة للأحوال هناك، أن تفسير وفهم ما يجري الآن من مواجهات بين قوات الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع، يعود إلى أنها ـ من الناحية العسكرية- مواجهة بين قوة نظامية تقليدية، أي الجيش السوداني، وقوة غير نظامية، أقرب في قدراتها ومهاراتها إلى أساليب حرب العصابات، بما في ذلك حرب عصابات المدن، وهي قوات الدعم السريع، وذلك استنتاج يتماشى مع ما ذكرته مجموعة الأزمات الدولية. نحن إذن إزاء احتمال مخيف، يتمثل في نشوب حرب أهلية ضارية جنوب بلادنا، تستوجب بذل كل الجهود للحيلولة دون حدوثها، واستئصال أسبابها.
ليست عابرة

الأزمة الراهنة في السودان الشقيق من وجهة نظر عماد الدين حسين في “الشروق” ليست مجرد أزمة عابرة، تنتهي نهاية سريعة كما يحلم أنصار كل فريق. عدد كبير من المتابعين في العالم العربي يتعاملون مع كثير من الأحداث باعتبارها مباريات كؤوس، لا بد أن تنتهي بفوز فريق، وهزيمة آخر، بل البعض يتزيد ويتشدد ويتعامل مع الأزمات باعتبارها مباريات ملاكمة ويتمنى أن تنتهي بالضربة القاضية، وليست حتى بالنقاط. هذا النوع من الناس ينسى ويتناسى أن غالبية هذه الأزمات المشابهة لم تنته بالسرعة التي يتمنونها، وبعضها مستمر منذ عقود طويلة، وأغلب الظن أن بعضها سوف يظل مستمرا لوقت لا يعلمه إلا الله، طالما أن الأسباب الموضوعية التي أدت وقادت إليها، ما تزال مستمرة. خطورة هذا النوع من التفكير أنه شديد السطحية، ولا يريد أن يعرف أو يدرك الحقائق والوقائع والبيئة والظروف، التي قادت إلى اشتعال أزمة معينة. هو تفكير يريد أن تنتهي الأزمة بالصورة التي يتمناها، ومثلما يفعل طفل صغير مع لعبة، يريدها بكل السبل، وإذا لم ينجح فليس أمامه إلا الصراخ. هؤلاء المستعجلون لو تأملوا وتدبروا وقرأوا ودرسوا العديد من الأزمات المشتعلة منذ فترة طويلة في منطقتنا لتريثوا كثيرا وتوقفوا عن الانفعال والشد العصبي، حينما أقرأ تعليقات لهذا النوع من المتابعين العرب لبعض أزماتهم، أتأكد أن هذا مرض عربي بامتياز. نوعية التعليقات تتحدث عن ليس فقط الانتصار على الخصم، بل ضرورة سحقه من الوجود تماما. وهذا هو عين العقل الأحادي الذي لا يرى أحدا آخر في جواره. فى حين أن الأزمات الإنسانية الكبرى صحيح أن فيها فائزا ومهزوما، ولكن ليس فيها إطلاقا الضربة القاضية، لأنها لو كانت موجودة لاختفى العديد من شعوب العالم من الوجود تماما، حينما انهزمت أمام دول وأمم أخرى، لكن الواقع يقول إنها انهزمت، لكن معظمها تمكن من الوقوف على قدميه مرة أخرى وانتصر لاحقا.

لعله خير

صندوق النقد الدولي ومسؤولوه يشعرون بالإحباط تجاه برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري بسبب بطء وتيرة ما يعتبره الصندوق ومسؤولوه إصلاحات، تابع محمود عبد العظيم في “الوفد”: هذا ما صدر رسميا عن الصندوق خلال اجتماعات الربيع التي استضافتها العاصمة الأمريكية واشنطن في الأسبوع الماضي تبريرا لعدم إجراء المراجعة الدورية الأولى التي كان من المفترض أن تتم منتصف مارس/آذار الماضي تمهيدا لصرف الشريحة الجديدة من قرض الثلاثة مليارات دولار المتفق عليها بين الطرفين. إحباط الصندوق قد يكون مبررا من الناحية النظرية، لكن من الناحية العملية والواقع على الأرض يجعل صانع القرار الاقتصادي في مصر يفكر ألف مرة قبل الإقدام على تنفيذ ما يطلبه الصندوق، لأن الأزمة تزداد تعقيدا كل يوم وتشابكا مع أحداث مفاجئة وغير متوقعة وآخرها الصراع الاستراتيجي الذي تفجر قبل أيام في السودان بين لاعبين دوليين وإقليميين، وهو صراع سوف يلقي ظلالة دون شك على طبيعة الروابط الاقتصادية بين مصر وبقية الدول المنخرطة في الأزمة السودانية. كل هذه التطورات المتسارعة والمفاجأة تجعل صناعة القرار الاقتصادي مسألة حساسة وفي غاية الصعوبة، وبصراحة أنا شخصيا أتفهم كثيرا حالة التردد والحيرة التي تعانيها دوائر صنع القرار الاقتصادي، خاصة في البنك المركزي ووزارة المالية، وألتمس الأعذار لمسؤولي البنك والوزارة لأن الأمور لم تعد بالسهولة التي يتصورها ويطلبها الصندوق. هل الخفض الجديد للجنيه الذي يطلبه الصندوق مسألة سهلة في ظل هذا التضخم الفاحش ،وصراخ الناس من نار الأسعار. هل لدى الناس قدرة على تحمل المزيد عندما يستيقظون غدا، أو بعد غد على سعر دولار في حدود 35 جنيها أو أكثر؟ أما النقطة الثانية وهى المتعلقة بطلب الصندوق بالإسراع ببيع الشركات الحكومية، وتفعيل برنامج الطروحات فقد فعلت الحكومة ما عليها وحددت أسماء الشركات المطروحة للبيع، لكن المشترين لم يأتوا ويبدو أنهم لن يأتوا في المستقبل القريب، فهؤلاء أيضا ينتظرون خفضا جديدا للجنيه حتى يتم الشراء بأسعار أقل، فهل ذلك يخدم المصلحة الوطنية؟

لن يحل المشكلة

اعترف محمود عبد العظيم بالحقائق التي تهرب منها الحكومة: نحن نبيع لأننا في حاجة إلى سيولة دولارية، فلماذا يضغط علينا الصندوق كي نبيع بأسعار بخسة لا تتناسب مع القيمة الحقيقية لهذه الشركات والأصول الممتازة وفقا لأي معيار اقتصادي.. وما هي مصلحة الصندوق في ذلك.. ولماذا يفترض أن تخضع الحكومة المصرية لهذا الضغط والابتزاز من صندوق النقد الدولي، فإذا لم تفعل ما يريده يقول مسؤولوه إنهم يشعرون بالإحباط. يا سادة الوضع الاقتصادي في مصر يتطلب معالجة أخرى غير وصفة الصندوق ويتطلب أيادي راغبة في المساعدة فعليا، بدلا من أيد راغبة في انتهاز الفرص، وقبل كل ذلك وبعده نكون نحن أصحاب المشكلة واضحين وصريحين مع أنفسنا وراغبين في مساعدة أنفسنا وحل مشكلتنا بأيدينا، وأن ننسى ولو مؤقتا فكرة طلب المساعدات الخارجية لأن كل مساعدة مشروطة فلا يوجد طعام مجاني. يا سادة التخفيض الجديد للجنيه لن يحل المشكلة، بل سيفاقم الغلاء، والاستمرار في رفع أسعار الفائدة لن يكبح جماح التضخم، بل سيصنع ركودا يكتوي بناره الجميع، وبيع الشركات العامة بأسعار بخسة لا يقبله ضمير وطني، ومن ثم يجب أن يكون الحل بأيدينا نحن ونكون مستعدين لدفع ثمن هذا الحل، أما الاستمرار داخل هذه الدائرة المفرغة، فمن شأنه أن يضيّع علينا الفرص ويطيل أمد الأزمة ويضاعف خسائرها، ويشيع اليأس في النفوس. فلا تهتموا كثيرا بإحباط الصندوق وابحثوا عن حل للمشكلة بعيدا عن ذلك الصندوق المحبط.

فائزون لسنا منهم

توقعات صندوق النقد الدولي عن آفاق النمو، والمخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي والتي يحدثها مرتين سنويا ينتظرها المهتمون بملف الاقتصاد، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي لتأثير كل منهما في الآخر خاصة الاقتصاديات المتقدمة مثل الولايات المتحدة والصين، فكلاهما كما اوضح محمد صابرين في “الأهرام” قاطرة لنمو الاقتصاد العالمي. من هنا فإن التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي الصادر منذ أيام مهم لأنه حمل رسائل عديدة، أولها أن تعافي الاقتصاد العالمي من أزمتي جائحة كوفيد – 19 وحرب أوكرانيا، لا يزال على المسار الصحيح. وأن هناك تعافيا قويا لاقتصاد الصين، مع تراجع الاضطرابات في سلاسل الإمداد، بينما الاختلالات في أسواق الطاقة والغذاء الناجمة عن الحرب، تواصل انحسارها. وفي الوقت نفسه، فإن تشديد السياسة النقدية من قِبَل البنوك المركزية بدأ يؤتي ثماره، حيث تعود معدلات التضخم إلى مستويات ما قبل الأزمة. والثاني تباطؤ النشاط الاقتصادي في بعض الاقتصادات المتقدمة، خاصة منطقة اليورو والمملكة المتحدة، وبالعكس هناك نمو متسارع لكثير في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، ليصل متوسطها إلى 4.5% في 2023 مقابل 2.8% في 2022، والثالثة أن عدم استقرار أداء بعض البنوك العالمية يذكر بأن التعافي لا يزال هشا، وإن كانت من العلامات المشجعة أن النشاط الاقتصادي يُبدي دلائل على صلابته مع احتفاظ أسواق العمل بقوتها في معظم الاقتصادات المتقدمة. وفي المرحلة الراهنة من دورة تشديد السياسات النقدية، كان المتوقع أن يتراجع الناتج والتوظيف، ولكن العكس هو ما حدث. وآخر الرسائل أن الأكثر مدعاة للقلق أن التشديد الحاد للسياسة النقدية على مدار الاثني عشر شهرا الماضية بدأ يؤدي إلى ظهور آثار جانبية خطيرة على القطاع المالي. ولا شك في أن هذه التطورات العالمية ستنعكس على اقتصادنا، لكنها كما تتيح فرص، تؤكد صواب رهاننا على الشرق.

ديون واشنطن

هل تستطيع أمريكا سداد ديونها؟ سؤال مباغت سعى جلال عارف للإجابة عليه في “الأخبار”: قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة في أمريكا، احتاطت إدارة الرئيس بايدن من فوز يحتمل أن يكون كاسحا للجمهوريين، يمكنهم من السيطرة على المجلسين التشريعيين ومن تعطيل أي قرارات أو قوانين حاسمة تريدها الإدارة الأمريكية.. ولهذا قامت إدارة بايدن بتمرير العديد من القرارات قبل الانتخابات، وعلى سبيل المثال وفّرت أكبر قدر من الميزانية لاستمرار الحرب في أوكرانيا. نتيجة الانتخابات جاءت طيبة بالنسبة للديمقراطيين، لكنها أعطت للجمهوريين أغلبية ببضعة مقاعد في مجلس النواب، بينما ذهب مجلس الشيوخ للديمقراطيين. وبهذه الأغلبية البسيطة تقف أمريكا الآن على حافة أزمة مالية خطيرة. ديون أمريكا بلغت الآن الحد الأقصى الذي لا يمكن للإدارة أن تتجاوزه إلا بموافقة الهيئة التشريعية وهو 31.4 تريليون دولار، إدارة بايدن طلبت رفع الحد الأقصى لتتمكن من مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي، لكن الجمهوريين في مجلس النواب لم يوافقوا حتى الآن ودخلوا في صراع مع الإدارة، لا بد من أن ينتهي مع بداية يوليو/تموز المقبل باتفاق جديد وإلا وجدت أمريكا نفسها أمام أزمة خطيرة تتعثر فيها عن سداد ديونها، وهو وضع يمكن أن يلحق أضرارا فادحة في الاقتصاد الأمريكي، الذي سيفقد حينها الكثير من ثقة العالم، ويلحق الضرر الكبير بالدولار، وما زال الخلاف قائما.. الجمهوريون يشترطون للموافقة على رفع سقف الدين المسموح به للإدارة، أن تقوم بخفض ملموس في النفقات الحكومية، بينما إدارة بايدن ترفض ذلك وتقول، إن التخفيض سيؤثر في برامج اقتصادية واجتماعية تمس ملايين الأسر الأمريكية، وتحمل الجمهوريين المسؤولية عما يمكن أن يحدث من أضرار إذا عطلوا رفع سقف الاقتراض حتى يوليو المقبل. آخر عرض من الجمهوريين يوافق على رفع سقف الديون بنحو 1.5 تريليون دولار، لكنه يضع شروطا منها عودة الإنفاق الحكومي إلى مستوى العام الماضي، على ألا يزيد سنويا بأكثر من 1%، ما يعني أن رفع سقف الديون سيكون «مع وقف التنفيذ»، الاقتراح يمكن للجمهوريين تمريره في مجلس النواب، لكن مجلس الشيوخ سيرفضه. وأمام أمريكا شهران للتوصل لحل، وإلا فسنرى أقوى اقتصاد في العالم يواجه مشكلة في سداد ديونه.

مخاوفهم مشروعة

تزدادُ الدلائل على أن أعدادا لا بأس بها من قادة الحزب الديمقراطي وأعضائه وناخبيه ليسوا متحمسين لإعادة ترشيح الرئيس بايدن في انتخابات 2024، وفق ما أوضح الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام”: يعتقدُ كثيرُ منهم أن قدرته على التحرك خلال الحملة الانتخابية محدودة، بحكم تقدمه في العمر، ومستوى لياقته البدنية. وإذا أُضيفت إليهما حالتُه الذهنية المختلفُ عليها، ربما تكونُ مخاوفُهم في محلها. ويخشى بعضُهم ألاَّ يكمل بايدن، إن فاز، فترته الرئاسية الثانية، التي سيبدؤها في عمر الثانية والثمانين. وأكثر ما يخافونه أن تؤول الرئاسة إلى كمالا هاريس، إذا بقيت نائبة للرئيس، إذ يرون أن أداءها مُخيَّبُ للآمال في العامين الماضيين. ولكن من يفضَّلون مرشحا آخر أسرى تقليدٍ يقضي بإعادة ترشيح الرئيس لولايةٍ ثانية، ما لم يعلن عدم رغبته. ولا يبدو أن بايدن يُدركُ الواقع جيدا على نحوٍ يدفعُه لأن يعتق حزبه من أسر هذا التقليد، مثلما لا يوجدُ ما يدلُ على إمكان تشكل كتلةٍ حرجةٍ داخل الحزب تدعو إلى الانعتاق منه. وربما يُضعفُ العجزُ عن هذا الانعتاق فرصة الحفاظ على البيت الأبيض، إلا إذا ازداد الانقسامُ بين الجمهوريين بسبب إصرار الرئيس السابق ترامب على الترشح. وتُكّرسُ إعادة ترشيح بايدن الجمود في الحزب الديمقراطي، والسياسة الداخلية الأمريكية، وتحول دون صعود جيلٍ جديد، ووضع حدٍ لإعادة تدوير نخبةٍ ضيقةٍ عجوز. فلا يوجدُ بين قادة الصف الأول من يمكنُ الاطمئنان إلى قدرته على خوض معركةٍ قوية، مثل هيلاري كلينتون أو جون كيري أو آل جور في التيار التقليدي، وبيرني ساندرز أو اليزابيث وارين في تيار اليسار. ولهذا يُفترضُ أن تتجه الأنظار، حال الانعتاق من أسر بايدن، إلى جيلٍ جديدٍ يوجدُ أهم رموزه في قيادة بعض الولايات، مثل جافين نيوسوم حاكم كاليفورنيا، الذي يتمتعُ بشعبيةٍ واسعةٍ في أكبر ولايةٍ من حيث عدد السكان، وجريتشن ويتمر حاكمة ميتشغان التي صعد نجمُها أخيرا. ولكن أحدا لن يفكر فيهما، أو في غيرهما، من دون الانعتاق من أسر بايدن الذي قد يستطيعُ تقليل مخاطر إعادة ترشيحه عن طريق اختيار نائبةٍ أخرى تحظى بثقةٍ أكبر من هاريس.

روعة الدفء

تؤكد أبحاث علم النفس وكتابات المتخصصين ممن اهتمت باقتفاء أثرهم خديجة حمودة كما أشارت في “الوطن”، أن مسألة حضور الآخر في حياة الإنسان هي من قبيل حكم الضرورة، حيث دافع علماء الاجتماع عن فكرة أن الكائنات الإنسانية اجتماعية بطبعها، ولديهم ميل طبيعي للحياة مع بعضهم، وإلى أن ينظموا أنفسهم كجماعات ودول وأسر واتحادات وبذلك يكتسبون إنسانيتهم ويحققونها في المجتمع، كما أن الرغبة في إقامة العلاقات هي ميل متأصل في الطبيعة الإنسانية وعليه لا يمكن للإنسان أن ينمو ويتطور، إن لم يشبع هذه الحاجة. وقد ذكر الفيلسوف الألمانى جورج فادماير، أن جميع الفلاسفة على مرّ العصور ناقشوا العلاقات والصداقات، وأكد أن أول من صاغ وأوضح أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه كان أرسطو في كتابه “السياسة” حيث تناول الموضوع بإيضاح وتحليل واعترف أن طبيعة الإنسان التي تشده بقوة إلى قومه وإلى بنى جنسه تدفعه لعلاقات ضرورية، إلا أنه أحيانا قد تكون لها عواقب وخيمة، ويخشى أن يؤذيه هذا التواصل باعتباره آفة العلاقات وهذا ما يوحى بوجود معضلة، إذ كيف نجمع بين رغباتنا في إقامة العلاقات مع احتمال وقوع الأذى علينا منها. وحول تلك المعادلة الصعبة خرج الفيلسوف شوبنهاور بنظرية تسمى «حالة القنافذ في الليالي الباردة»، حيث يحاول استجداء رمزية تختصر الكثير من الشرح والتحليل في العلاقات المتشابكة بين البشر وعلاقات القرب والبعد، ووضع صيغة لهذه العلاقة بوصف الحالة التي تعيشها مجموعة قنافذ في الليالي المطيرة الباردة، إذ يسعى كل واحد منها ليصبح على مقربة من الآخر، من أجل تبادل الحرارة خلال الطقس البارد، ولكن وخز الإبر والشوك الذي يكسو جسد القنافذ يدفعها للعودة مرة أخرى للعراء تحت لسع البرد، وهكذا كلما لسعها البرد هرعت إلى روعة الدفء، الذي يصيبها بالألم وكأن القانون الذي يحكم علاقات القنافذ في ما بينها يتبادله البرد والدفء والوخز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية