الأسئلة المؤرقة في مراجعات الجماعة الإسلامية
منتصر حمادةالأسئلة المؤرقة في مراجعات الجماعة الإسلامية الإسلام وتهذيب الحروب هو عنوان أحدث مؤلفات الجماعة الإسلامية المصرية ، لمؤلفه عصام درباله المحكوم عليه بالسجن المؤبد في قضية اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات. ويندرج الكتاب الذي اطلعنا علي بعض حيثياته علي صفحات يومية الشرق الأوسط ضمن سلسلة تصحيح المفاهيم ، والتي أصدرتها الجماعة الإسلامية عقب مبادرتها بوقف العنف التي أطلقتها عام 1997.جديد آخر مؤلفات الجماعة كون الاجتهادات الفقهية الواردة فيه تتقاطع بشكل مُلفَت وجلّي مع آراء وفتاوي مشايخ الجزيرة العربية، وخاصة اجتهادات فقهاء المملكة العربية السعودية اتجاه أزمة حرب الخليج الثانية، التي عصفت بالمنطقة بعد الغزو العراقي للكويت، بكل تبعاتها الاستراتيجية المؤلمة التي نعاين بعضا من نتائجها اليوم.يوجد علي رأس هذه الاجتهادات المأزق الفقهي الذي سقط فيه فقهاء المنطقة من الحضور العسكري الأجنبي (الأمريكي) في الجزيرة العربية، حيث اعتبرت الجماعة في كتابها هذا أن الموقف الشرعي للسعودية كان سليما للغاية، في إحالة طبعا إلي فتوي الشيخ ابن باز (رحمه الله) والتي رخصت فقهيا لحضور القوات الأجنبية في تلك الفترة الحرجة.ضمن العناوين النارية الواردة في الإسلام وتهذيب الحروب ، يهمنا سرد اللائحة التالية:ـ استعانة المملكة العربية السعودية بالقوات الأمريكية في حرب تحرير الكويت سنة 1990 كانت موقفا صحيحا وجاءت مستندة علي أسس شرعية صحيحة، وحسابات واقعية سديدة .ـ موقف المملكة العربية السعودية من الالتزام بتطبيق الشريعة موقف متميز علي مستوي دول العالم الإسلامي قل نظيره، وهو ما يستوجب دعمه والحفاظ عليه .ـ النظام السعودي لا يوجد له نظير في تطبيق أحكام الشريعة في عالمنا اليوم .ـ استراتيجية تنظيم القاعدة أسهمت في توحد معظم العالم ضد ما وصف بـ الخطر الإسلامي ، كما أدت إلي انهيار أفغانستان .ـ استراتيجية تنظيم القاعدة والجبهة الإسلامية العالمية الخاصة بمحاربة كل العالم علي خلفية الصراع مع أمريكا يجب أن تتغير، فالعالم الإسلامي اليوم في حالة تتوجب جهاد الدفع والدفاع لإجهاد الطلب وتجبيه الأعداء .ـ اعتبار أن أمريكا تقود حربا صليبية ضد المسلمين غير صحيح، لأن الواقع كان ينبئ أنه لم يكن هناك مثل هذه الحرب .ـ السياسات الأمريكية الظالمة.. لا تبرر قتل المدنيين الأبرياء .ـ القاعدة شوهت صورة الإسلام، ووضعته في قفص الاتهام .ـ خطف وتفجير الطائرات ينطوي علي ترويع وقتل من لا يجوز ترويعه أو قتله، وذلك لوجود ركاب من المسلمين بالطائرة أو وجود أطفال أو نساء أو شيوخ من غير المسلمين، لا يجوز قتلهم حتي في حالة الحرب، بالإضافة إلي احتمال قتل من لا يصح قتله إذا ما ارتطمت الطائرة بهدف مدني لا يعرف الخاطف من فيه .ـ الفتوي الصادرة عن الجبهة العالمية لمحاربة الصليبيين واليهود بقيادة أسامة بن لادن في سنة 1998 والداعية إلي قتل الأمريكيين سواء من العسكريين أو المدنيين في أي مكان في العالم، لا تقل شهرة وخطورة عن تلك التي جاءت لإسباغ الشرعية علي ما قررته ونفذته الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر من قتل النساء والأطفال .بَدَهي أن مراجعات الجماعة تقوم بالدرجة الأولي علي تفنيد أدبيات تنظيم القاعدة بالاعتماد علي اجتهادات فقهية بالدرجة الأولي تتأسس علي الاستشهاد المرجعي المؤسس من الكتاب (القرآن الكريم) والسنة النبوية.وإذا كانت الأنظمة العربية والغربية معنية بالتصدي الأمني والاستخباراتي لأسامة بن لادن ومن معه، فإن أهمية مراجعات الجماعة تكمن أساسا في الاشتغال علي الجانب الفقهي/التأصيلي في الحرب الكونية المفتوحة بين تنظيم القاعدة والإدارة الأمريكية.نحن لا نؤاخذ علي رموز الجماعة عقد صفقة مع النظام المصري أو غيره بخصوص تولي مهام النقد الفقهي لأدبيات تنظيم القاعدة ، (هناك كتاب في هذا الصدد للكاتب المصري عبد الرحيم علي، يحمل عنوان الصفقة: المخاطرة في صفقة الحكومة وجماعات العنف )، ولكن، تشاء المصادفات أن تتقاطع هذه المراجعات مع الذي كان مفروضا أن يصدر عن فقهاء المؤسسات العربية الحاكمة، والذي للأسف لم يتجاوز سقف التنديد الفقهي المتواضع، أو التنديد الذي لا يقدم أو يؤخر في معرض تفكيك أدبيات جماعة ابن لادن.بمعني أدق، ما فشل فيه فقهاء المؤسسات العربية والإسلامية يصدر الآن ـ ومنذ 1997 للمفارقة ـ عن رموز الجماعة الإسلامية ، مع فارق تحيين أدبيات الجماعة مع أحداث الساعة، (تذكروا أن الكتاب الأخير صدر بعد تصريحات أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في شريط فيديو بثته فضائية الجزيرة يوم 5/8/2006، وجاء فيها أن بعض زعماء الجماعة الإسلامية في مصر، انضموا إلي تنظيم القاعدة ).علي أن هناك أسئلة مُؤَرِّقة ومُحرِجة لا نجد لها أثرا مُلفِتا في أغلب القراءات المُنوِّهة بكنه ودلالات مراجعات الجماعة الإسلامية ، وخاصة القراءات الصادرة عن الأقلام المقربة من دوائر صنع القرار السياسي داخل وخارج الوطن العربي والعالم الإسلامي:ـ يتعلق الاستفسار الأول برأي فقهاء ومشايخ الحركات الإسلامية في ربوع العالم الإسلامي من كنه مراجعات الجماعة.لا نتحدث عن موقف فقهاء ومشايخ الجماعات الإسلامية الجهادية (تنظيم القاعدة نموذجا والتيارات الموالية له فكريا وتنظيما)، ولا بالأحري فقهاء ومشايخ الحركات الإسلامية الدعوية (نموذج جماعات الدعوة والتبليغ )، وإنما فقهاء ومشايخ ما يصطلح عليه بجماعات الإسلام السياسي ، أو الجماعات والحركات الإسلامية المنخرطة في اللعبة السياسية، وفي مقدمتها التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين .ما رأي هؤلاء بالضبط من مراجعات الجماعة، بعيدا عن منطق و روح الشماتة التي ميزت ردود بعض رموز الإخوان المسلمين في مصر بُعيَدَ صدور أولي المراجعات، وهي قطعا روح لا تعبر عن توجه صحيح لتيار وطني عاني هو الآخر من تضييق السلطات والأخذ بالشبهات . (كما أشار إلي ذلك مجدي شندي في مبحث نور البصيرة يضيء ليل الجماعة الإسلامية في مصر . نقلا عن موقع مراجعات .ـ نأتي لسؤال ثاني مؤرق هو الآخر، وعلي غرار السؤال المحرج الذي سقطت فيه أغلب الحركات الإسلامية المنخرطة في اللعبة السياسية، عندما يبزغ استفسار مقلق عما تبقي من هذه الحركات بعد قبولها بقواعد اللعبة السياسية وتقليديها لتصدير مبادرات سياسية لا تختلف بشكل جلي مع مبادرات باقي أحزاب الساعة ذات اليمين وذات اليسار، نتساءل أيضا عما تبقي فعلا من الجماعة الإسلامية ، وهو سؤال نطرحه تحديدا علي رموز الجماعة، حتي نكون صرحاء أكثر، بالنظر إلي إصرار القيادات علي تمرير اجتهادات فقهية تقف في الاتجاه المعاكس للأدبيات المرجعية اللصيقة بما كان يُعرَف سابقا بـ الجماعة الإسلامية المصرية ، من قبيل ميثاق العمل الإسلامي والذي ألفه ناجح إبراهيم وعاصم عبد الماجد وعصام درباله وكتاب حتمية المواجهة لمؤلفه كرم زهدي، دون الحديث عن النهل الجلي من أدبيات الشهيد سيد قطب ( معالم في الطريق علي الخصوص)، أو أعمال أبي الأعلي المودودي وابن تيميه. لقد انتقلنا من ميثاق العمل الإسلامي و حتمية المواجهة و معالم في الطريق ، نحو استراتيجية وتفجيرات القاعدة: الأخطاء والأخطار وكتاب نهر الذكريات: المراجعات الفقهية للجماعة الإسلامية ثم سلسلة تصحيح المفاهيم، وتضم أربعة كتب: مبادرة إنهاء العنف: رؤية شرعية ونظرة واقعية ، حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين ، تسليط الأضواء علي ما وقع في الجهاد من أخطاء ، النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين .انتقلنا مثلا، من تكفير أنور السادات، إلي اعتباره شهيدا، ومن التأصيل الشرعي لعدم جواز الاستعانة بالقوات الأمريكية في حرب الخليج الثانية (عند أتباع ابن لادن)، نحو الإقرار العلني الوازن بأن استعانة المملكة العربية السعودية بالقوات الأمريكية في حرب تحرير الكويت سنة 1990 كانت موقفا صحيحا وجاءت مستندة علي أسس شرعية صحيحة، وحسابات واقعية سديدة .نقرأ لمنتصر الزيات، في مقاله المانفستوي والمؤسس لمشروع المراجعات ، وجاء تحت عنوان مراجعات لا تراجعات ، أن أولي الدعائم التي يتساند إليها مشروعنا الفكري مراجعات هي الإيمان المطلق بضرورة التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية وتطبيقها نصا وروحا، وأنه لا ينبغي الخجل من تلك الهوية أو التنازل عن بعضها لصالح غيرها من الشرائع الأرضية أو الوضعية أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمها لقوم يوقنون … و الدعامة الثانية التي يعتمد عليها مشروع الإحياء الإسلامي الذي نتبناه اعتماده بشكل واضح للمرجعية الشرعية، فنثبت كل ما اصطلحت عليه الأمة وتلقته بالقبول والرضا من مصادر التشريع والفقه الإسلامي الراجح .لا نشكك قط في نوايا منتصر الزيات، فهو من خيرة أبناء هذه الجماعة، أو ما تبقي منها، (انظر كتابه المُمتِع الجماعة الإسلامية: رؤية من الداخل ، والصادر عن دار مصر المحروسة. القاهرة. 2005)، ولكن، انطلاقا من نفس مبدأ الإيمان المطلق بضرورة التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية وتطبيقها نصا وروحا ، أفتي أبو الحسن الماربي (وهو للمفارقة الدالة، أحد المطلوبين للإدارة الأمريكية بتهم الإرهاب) بعدم جواز ترشيح شخص آخر غير الرئيس اليمني الحالي علي عبد الله صالح باعتباره ولي للأمر ، ولا يجوز منافسته علي الإطلاق، و من يخالف هذا الرأي يعتبر مخالفا لمبادئ الإسلام ، وحتي تزداد الأمور تخبطا، نقر في تقارير يمنية رسمية أن علماء الجماعة الإسلامية السلفية قد بايعت علي عبد الله صالح رئيسا باسم علماء الجوف ومأرب.إذا كانت مثل هذه المبادرات تصدر عن رموز الإسلاميين المتشددين أو الجهاديين، فما الذي تبقي فعلا من الحركات الإسلامية الجهادية؟ اللهم إن كان الأسلم لنا ولهم تغيير الإسم، بعد تعديل الرأي والمنهج والمسار.والبقاء بالتأكيد، للأصلح.ہ كاتب من المغرب8