الأساطير‭ ‬والخرافة‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭… ‬غواية‭ ‬بيع‭ ‬الأوهام‭ ‬لجمهور‭ ‬الدرجة‭ ‬الثالثة‭!‬

حجم الخط
0

لعبت‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬على‭ ‬الحكايات‭ ‬والأساطير‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأفلام،‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الركود‭ ‬لتعويض‭ ‬النقص‭ ‬الجماهيري‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬العرض،‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬رواج‭ ‬النوع‭ ‬السينمائي‭ ‬الرديء‭ ‬لجمهور‭ ‬الدرجة‭ ‬الثالثة،‭ ‬وقد‭ ‬شاعت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬حتى‭ ‬مثلت‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬ومضمونها،‭ ‬صنفا‭ ‬من‭ ‬صنوف‭ ‬الإنتاج‭ ‬السينمائي‭ ‬يُقبل‭ ‬عليه‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التسلية‭ ‬وتضييع‭ ‬الوقت‭.‬

وبتكرار‭ ‬التجارب‭ ‬أدرك‭ ‬المنتجون‭ ‬التجار‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البضاعة‭ ‬لها‭ ‬سوق‭ ‬ومستهلك‭ ‬وقوة‭ ‬شرائية‭ ‬تفوق‭ ‬في‭ ‬توزيعها‭ ‬أفلام‭ ‬الجوائز‭ ‬والمهرجانات،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬التركيز‭ ‬عليها‭ ‬فترات‭ ‬ليست‭ ‬قصيرة،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬نجوماً‭ ‬كبار‭ ‬قدموها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬جاد‭ ‬من‭ ‬المعالجة‭ ‬بوصفها‭ ‬حالات‭ ‬واقعية‭ ‬موجودة‭ ‬بالفعل‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها،‭ ‬وربما‭ ‬جاءت‭ ‬التجـــارب‭ ‬الأهم‭ ‬لبلورة‭ ‬الظاهرة‭ ‬متمثله‭ ‬في‭ ‬فيلمين‭ ‬مهمين‭ ‬هما،‭ ‬‮«‬الإنس‭ ‬والجـــن‮»‬‭ ‬لعــادل‭ ‬إمام‭ ‬ويسرا‭ ‬و«البيضة‭ ‬والحجـــر‮»‬‭ ‬لأحمد‭ ‬زكـــي‭ ‬ومعالي‭ ‬زايد،‭ ‬فالأول‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬صُلـــب‭ ‬الموضوع‭ ‬وجسد‭ ‬الصورة‭ ‬الشيطانية‭ ‬في‭ ‬ملامح‭ ‬الإنسان‭ ‬المتــيم‭ ‬بالبطلة‭ ‬والمنتمي‭ ‬للجن‭ ‬الأحمر‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬السيناريو‭.‬

وبالقطع‭ ‬تضمنت‭ ‬الحدوتة‭ ‬الصراع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الشخصية‭ ‬الجنيه‭ ‬والشخصية‭ ‬الإنسية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الرغبة‭ ‬المحمومة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬البطل‭ ‬لامتلاك‭ ‬البطلة‭ ‬الجميلة،‭ ‬التي‭ ‬أسرته‭ ‬بسحرها‭ ‬فترك‭ ‬عالمه‭ ‬الميتافيزيقي‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬ودارت‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الصراع‭ ‬الرئيسي‭ ‬تفاصيل‭ ‬جانبيه‭ ‬للشخصيات‭ ‬المساعدة،‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬القوة‭ ‬الخفية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬قبل‭ ‬لهم‭ ‬بطغيانها‭ ‬وشرها‭ ‬متسلحين‭ ‬بالقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬والآيات‭ ‬المنجيات‭ ‬من‭ ‬المس‭ ‬الشيطاني،‭ ‬وقد‭ ‬حسم‭ ‬المخرج‭ ‬محمد‭ ‬راضي‭ ‬القضية‭ ‬حسماً‭ ‬نهائياً‭ ‬بانتصار‭ ‬الخير‭ ‬على‭ ‬الشر‭ ‬وحرق‭ ‬الجن‭ ‬المتسلط‭ ‬على‭ ‬البطلة،‭ ‬مختتماً‭ ‬أحداث‭ ‬الفيلم‭ ‬بتلاوة‭ ‬المعوذتين‭ ‬كنايه‭ ‬عن‭ ‬الحل‭ ‬الناجع‭ ‬للمشكلة‭ ‬الصعبة‭ ‬والمستحيلة‭.‬

فيلم البيضة والحجر: الجهل مقوم أساسي في شيوع  الخرافة وبقائها كحالة خارجة على المنطق العقلي

وفي‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬البيضة‭ ‬والحجر‮»‬‭ ‬تترجم‭ ‬الأحداث‭ ‬دلالات‭ ‬الجهل‭ ‬كمقوم‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬شيوع‭ ‬الظاهرة‭ ‬الخرافية‭ ‬وبقائها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬العصور‭ ‬كحالة‭ ‬خارجة‭ ‬على‭ ‬المنطق‭ ‬العقلي،‭ ‬وكذلك‭ ‬استغلال‭ ‬الدجالين‭ ‬للضعف‭ ‬الإنساني،‭ ‬ومحاولة‭ ‬استثمار‭ ‬جهل‭ ‬العامة‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬المربح‭ ‬مادياً،‭ ‬ولم‭ ‬تستثن‭ ‬الأحداث‭ ‬المجتمعات‭ ‬الراقية‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الخرافة،‭ ‬بل‭ ‬شملتها‭ ‬بما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬وقوع‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الأزمات‭ ‬النفسية،‭ ‬التي‭ ‬تسلمهم‭ ‬لعصابات‭ ‬النصب‭ ‬والاحتيال،‭ ‬بعدما‭ ‬تستبد‭ ‬بهم‭ ‬الأفكار‭ ‬الهدامة‭ ‬ويصبحون‭ ‬أسرى‭ ‬لوهم‭ ‬السيطرة‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬غير‭ ‬المرئية،‭ ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬أحمد‭ ‬زكي‭ ‬لعب‭ ‬الدور‭ ‬باقتدار‭ ‬شديد‭ ‬وقدم‭ ‬شخصية‭ ‬المحتال‭ ‬بشكل‭ ‬ساخر،‭ ‬فأضاف‭ ‬أداؤه‭ ‬المتقن‭ ‬أبعاداً‭ ‬جوهرية‭ ‬للحالة‭ ‬كصفات‭ ‬الظرف‭ ‬وخفة‭ ‬الظل‭ ‬والذكاء‭ ‬الحاد‭ ‬لمن‭ ‬يتعايشون‭ ‬من‭ ‬الخرافة‭ ‬ويحترفون‭ ‬صناعتها،‭ ‬وبدورها‭ ‬كانت‭ ‬معالي‭ ‬زايد‭ ‬عنصراً‭ ‬انقيادياً‭ ‬داعماً‭ ‬للفكرة‭ ‬العامة‭ ‬ومدلولها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الممثلة‭ ‬للتفاعل‭ ‬النسائي‭ ‬الفج‭ ‬مع‭ ‬دواعي‭ ‬المشكلة،‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬التعليمية،‭ ‬الثقافية،‭ ‬الإنسانية‭ ‬بكل‭ ‬مستوياتها‭ ‬التأثيرية،‭ ‬وقد‭ ‬أجادت‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬النموذج‭ ‬الصارخ‭ ‬لجهل‭ ‬المرأة‭ ‬الشعبية‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬شرك‭ ‬السحر‭ ‬والشعوذة‭ ‬والتغييب‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬الفيلمان‭ ‬المشار‭ ‬إليهما‭ ‬هما‭ ‬الوحيدين‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬التصدي‭ ‬السينمائي‭ ‬للخرافة‭ ‬والأسطورة،‭ ‬بل‭ ‬سبقتهما‭ ‬ولحقتهما‭ ‬أفلام‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬سفير‭ ‬جهنم‮»‬‭ ‬ليوسف‭ ‬وهبي‭ ‬كتجربة‭ ‬رائده‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬وهو‭ ‬المستلهم‭ ‬من‭ ‬أسطورة‭ ‬فاوست‭ ‬العالمية‭ ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬حاكتها‭ ‬أفلام‭ ‬عديدة‭ ‬ترجمت‭ ‬القصة‭ ‬وقدمتها‭ ‬بتنويعات‭ ‬مختلفة،‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬الريس‭ ‬عمر‭ ‬حرب‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أخرجه‭ ‬خالد‭ ‬يوسف‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬وقام‭ ‬ببطولته‭ ‬هاني‭ ‬سلامة‭ ‬وخالد‭ ‬صالح،‭ ‬حيث‭ ‬قدم‭ ‬الأخير‭ ‬الشخصية‭ ‬الشيطانية‭ ‬بتصرف‭ ‬مغاير‭ ‬للمألوف‭ ‬والمعتاد،‭ ‬إذ‭ ‬ربط‭ ‬الحالة‭ ‬السحرية‭ ‬بالمفاهيم‭ ‬العصرية‭ ‬وأجواء‭ ‬الفساد‭ ‬والليالي‭ ‬الحمر،‭ ‬وصفقات‭ ‬الموت‭ ‬والابتزاز‭ ‬والرشاوى‭ ‬والشهوات‭ ‬والملذات‭ ‬ومراهنات‭ ‬القمار‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬أوجه‭ ‬الانحراف‭ ‬المعلنة‭ ‬والخفية،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتعرية‭ ‬المجتمع‭ ‬السفلي‭ ‬المستتر‭ ‬تحت‭ ‬السطح‭ ‬اللامع‭ ‬لحياة‭ ‬الوجهاء‭ ‬وعلية‭ ‬القوم،‭ ‬وهو‭ ‬توظيف‭ ‬حداثي‭ ‬جديد‭ ‬للفكرة‭ ‬القديمة‭ ‬الجانحة‭ ‬إلى‭ ‬الغموض‭ ‬والتركيب‭ ‬والأجواء‭ ‬اللامعقولة‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية