الأسد باق في السلطة.. حاكم دويلة معزولة ومنبوذة مثل كوريا الشمالية

حجم الخط
10

لندن ـ ‘القدس العربي’ في المعركة الدائرة الآن في سوريا والعراق، يقول تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’ أنه يقاتل على ثلاث جبهات في سوريا والعراق ولبنان.ففي العراق تقول القوات التابعة للحكومة في بغداد إنها تحاول السيطرة على مدينة الفلوجة التي سقطت بيد مقاتلين من القاعدة وأبناء القبائل، وفي سوريا تقاتل الدولة للحفاظ على مكتسباتها وما بنته من قوة على الأرض أمام جماعات سورية إسلامية.
وما ساعد مقاتلي ‘داعش’ على تحقيق إنجازاتهم في الماضي هو الحدود السائبة أو المفتوحة بين العراق وسوريا حيث كان بإمكانهم التنقل بسهولة بين مناطق شمال سوريا والأنبار السنية، وشمال العراق خاصة منطقة الموصل.

داعش والعراق

وترى صحيفة ‘غارديان’ دفع الجهاديين أدى إلى تحويل طبيعة الإنتفاضة السورية في شمال سوريا إلى نزاع طائفي النزعة مما أدى إلى إعادة احياء التمرد داخل العراق وتوسيع عدسته.
ويقول مارتن شولوف إن ‘تدفق المقاتلين في مناطق الأنبار، حيث تقع الفلوجة والرمادي وفي مناطق أخرى حول بغداد التي لا تزال الإنقسامات الطائفية حاضرة فيها كإرث من الحرب الطائفية في الفترة ما بين 2005-2007’.
ويعاني ‘داعش’ من تهديد حقيقي الآن في سوريا والعراق التي فتحت فيها جبهة أخرى. ويقول التقرير إن حكومة نوري المالكي تحاول عقد تحالفات مع العشائر القوية في الأنبار والمنقسمة بين دعم الجيش ودعم مقاتلي القاعدة.
ونقلت عن متحدث باسم المالكي قوله ‘نريد المساعدة من الأمريكيين، ونريد فقط الدعم اللوجيستي ونحتاج منهم أي- الأمريكيين- تزويدنا بالسلاح، وكنا نريد التدخل من قبل لكن لم تكن لدينا الأسلحة الكافية’. وأضاف ‘من الصعب جدا السيطرة على الحدود بسبب الوضع في سوريا وهناك دول تدعم القاعدة بالسلاح والمواد اللوجيستية’.
وعبر صالح المطلك، نائب رئيس الوزراء عن أمله بانتهاء المواجهة وعدم تدخل الجيش وفي حالة تدخل الأخير ‘فلن ينسى أحد هذا، السنة والشيعة’.
وقال إن ‘الحدود بين العراق وسوريا المفتوحة بسبب الفساد الإداري والمالي والذي يساعد القاعدة على التنسيق بين العراق وسوريا’.
وأضاف أن ‘العراقيين لن يرضوا بالإنزلاق مرة أخرى نحو الحرب الأهلية ولكن إن لم يقم السياسيون العراقيون بالتعامل مع الوضع الطائفي بالطريقة المناسبة فكل شيء ممكن’. وقال إن الأمريكيين جلبوا الكثير من المال والسلاح وأسهموا في خلق العديد من الميليشيات وأن ‘القيادة العراقية تقودها سياسات الكراهية وحب الإنتقام’.
ونقلت الصحيفة عن النائب عزت شهبندر قوله إن الوضع الآن في الأنبار هو دليل على أن القاعدة تنقل أفرادا لها من داخل سوريا لمساعدة المقاتلين في العراق. وأشار إلى أن الحدود مفتوحة بسبب الوضع الحالي في سوريا وهشاشة الوضع الأمني في المحافظات المجاورة لسوريا مثل الموصل والأنبار.

تحديات لأوباما

وتطرح عودة القاعدة في ثوب الدولة الإسلامية في العراق ثم الدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’ تحديات جديدة على الإدارة الأمريكية التي اعتبرت القاعدة ‘ميتة’ في العراق أو ‘خبرا من الماضي’.
وكان وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، قد أشار في تصريحات له يوم الأحد عن دعم أمريكا لجهود الحكومة في مواجهة القاعدة التي وصف مقاتليها بـ ‘أخطر اللاعبين في المنطقة’ واستبعد إرسال قوات برية لمساعدة الجيش العراقي. وأكد كيري أن المواجهة هي ‘شأن عراقي خاص’، فنحن ‘لا نفكر بالعودة ولأن نفكر بوضع قوات برية، هذه معركتهم وسنقدم لهم الدعم’.
وأشارت صحيفة ‘واشنطن بوست’ إلى انتقادات لما تقوم به القوات العراقية حول الفلوجة حيث نقلت عن صحافي من المنطقة قوله إن الجيش العراقي كان يقصف مواقع للمقاتلين لكنه أصاب المناطق المدنية.
وقال ‘لقد عاد الوضع لما كان عليه عام 2004’ مشيرا إلى الحرب التي شنتها القوات الأمريكية على المدينة في ذلك العام وأضاف ‘قبل عام 2004 كانت هناك مقبرة واحدة في الفلوجة، وبعده أصبح فيها أربع مقابر’ والآن ‘يخشى أن يصبح عددها ثماني مقابر’. وتشير الصحيفة أن سيطرة المقاتلين على الفلوجة أدى لانتقادات من مشرعين في الكونغرس لإدارة أوباما التي قررت الإنسحاب من العراق عام 2011 بدون توقيع الإتفاقية الأمنية التي كان بموجبها سيحتفظ بعدة آلاف من الأمريكيين لأغراض التدريب ومكافحة الإرهاب، لكن البرلمان العراقي رفض المصادقة عليها بسبب قضية حصانة الجنود الأمريكيين من المحاكمة أمام المحاكم العراقية.
وتساءل جون ماكين النائب الجمهوري عن ولاية أريزونا عن ‘تضحيات’ الجنود الأمريكيين الذين قاتلوا لجلب ‘السلام’ للفلوجة.

ماذا سيحدث؟

وفي الوقت الذي تتعرض فيه القاعدة لضغوط واسعة على أكثر من جبهة إلا أن ‘ما سينتج عنه الوضع هو انسحاب تكتيكي وليس هزيمة’ كما يقول تشارلس ليستر من معهد بروكينغز- الدوحة.
ولا يعني هذا خروجا للقاعدة بل يتوقع ليستر بقاء القاعدة في سوريا لوقت طويل وإن بإطار مختلف، فشعور الدولة بالعزلة عن بقية الجماعات المقاتلة سيقودها إلى ‘تصرفات أكثر قساوة ووحشية مما كانت عليه في السابق. وواجه مقاتلو القاعدة تحالفا من جيش المجاهدين وجبهة ثوار سوريا التي تضم فصائل مرتبطة بهيئة أركان الجيش الحر قد شنوا هجمات على مواقع لداعش واستطاعوا تعزيز مواقعهم في المناطق المحررة شمال سوريا.
ونقلت صحيفة ‘لوس أنجليس تايمز’ عن أبو بكر، من شبكة ‘شام’ للأخبار أن المقاتلين حققوا تقدما كبيرا ضد داعش ‘في هذه المرحلة من النزاع’، ونقل عن مقاتل اسمه مهندس أبو حمزة، قال إن بعض المؤسسات التي كانت تحت سيطرة داعش سلمت لجبهة النصرة. وقال ناشط من اعزاز أن الناس لم يعودوا بقادرين على تحمل تصرفات داعش ‘بعد كل هذه الإختطافات والإعتقالات والهجمات’.
وأضاف الناشط واسمه محمد حسنو ‘شعر الناس بالغضب عليهم ولكنهم كانوا مترددين لمواجهتهم لأن الأولوية كانت مواجهة النظام’.
ونقلت أيضا مخاوف عدد من مقاتلي داعش الأجانب او ‘المهاجرين’من الذهاب لمناطق خشية تعرضهم لهجمات وأكد مقاتل تركي ـ هولندي ‘في هذا الوقت هناك بعض المناطق تعتبر خطيرة على المهاجرين بسبب القتال بين داعش وجيش المجاهدين’.
وتقول الصحيفة إن انسحاب داعش من عدد من المواقع القوية التي كانت تحتلها في السابق أثر على الوضع الميداني في الشمال حيث استفادت قوات الحكومة وشنت هجمات على حلب وإدلب ومعرة النعمان.

عن مصير الأسد

وهذا يقود للتساؤل ما هو وضع النظام نتيجة لانتقال المعركة بين المقاتلين أنفسهم أو ‘الثورة الثانية’، فيما بات الغرب يركز على الجهاديين أكثر من القاعدة.
هذا التساؤل حاول تقرير في صحيفة ‘كريستيان ساينس مونيتور’ الإجابة عليه. فقد كتب نيكولاس بلانفورد قائلا إن الثورة التي بدأت عام 2011 للإطاحة بنظام الأسد بنفس الطريقة التي تم التخلص فيها من رؤساء تونس ومصر واليمن وليبيا، لكن مضى على هذه التظاهرات 3 تقريبا ولا يزال الأسد يسكن في القصر الجمهوري ويطل منه على دمشق التي أصبحت تحمل آثار الحرب.
ويقول الكاتب إن قوة النظام وتفرق المعارضة وصعود الجهاديين جعلت الكثيرين في الغرب يتحدثون عن أمر لم يكن ورادا في ذهنهم وهو إمكانية انتصار الأسد ونجاته تظل أفضل من نظام للقاعدة يحل محله في دمشق.
وأشار الكاتب لتصريحات برايان كروكر، السفير الأمريكي السابق في سوريا والعراق وأفغانستان وما كتبه في ‘نيويورك تايمز’ الشهر الماضي.
ولكن يزيد صايغ من مركز كارنيجي- الشرق الأوسط يقول ‘لا يمكن للأسد الإنتصار مع أنه قد يبقى في الحكم’، ويشير صايغ إلى أن جيش النظام منهك ولا يمكنه التقدم على كل الجبهات ‘ويمكنه تحقيق تقدم في منطقة واحدة وفي وقت معين مع مواجهته خطر خسارة مناطق أخرى… ولن تعود الأوضاع لما كانت عليه قبل 2011’.

عوامل البقاء

ويقول كاتب التقرير إن بقاء الأسد في الحكم يعتمد على ثلاثة عوامل، الأول متعلق بالمعارضة وحالة الفوضى التي تعيشها، سواء كانت معارضة الداخل والخارج، أما الثاني فمتعلق بالدعم الخارجي الروسي والإيراني للنظام، والثالث يتعلق بتماسك النظام الذي لم يظهر حتى الآن أية ملامح من التفكك.
ويتحدث الكاتب هنا عن الطريقة التي تعامل فيها الأسد مع التظاهرات التي أدت لعسكرة الإنتفاضة وإشعال حرب طائفية.
وفي ظل الوضع الحالي ومع قلق الغرب حول تحول سوريا لملجأ آمن للجهاديين لم يعد الأسد ينظر إليه على أنه الخيار الأسوأ. ويشير إلى ما قاله مايكل هايدن المدير السابق للسي أي إيه أمام مؤتمر بداية كانون الأول/ديسمبر الماضي أن انتصار الأسد هو ‘أحسن من ثلاث خيارات قبيحة ممكنة الحدوث’. اما الخياران الآخران اللذان تحدث عنهما فهما استمرار الحرب الطائفية بين السنة والشيعة، مما يعني تدمير ما تبقى من البلد، وزعزعة استقرار البلد والمنطقة وتعزيز التطرف والراديكالية.
وهذه الأخيرة كانت نتاجا للسياسات التي اتبعها الأسد، فنقاد آراء كروكر وهايدن يحملون الأسد مسؤولية انتشار التطرف داخل جماعات المعارضة.
ويقول فردريك هوف، الباحث في مركز رفيق الحريري في المجلس الأطلنطي إن ‘وجود نظام الأسد وأساليبه التي استخدمها هي التي أدت لظهور المتطرفين الإسلاميين في سوريا، فهو الذي أشعل النار في البلاد ويقدم نفسه على أنه الاطفائية’.
ويرى هوف الذي عمل في إدارة أوباما كمنسق مع المعارضة السورية أن الغرب لعب دورا في ظهور نزعات التشدد داخلها لأنه ‘فشل بطريقة بائسة بدعم معارضي النظام الحقيقيين’. ويرى الكاتب أن النزوع نحو التشدد كان في جزء منه سببه قسوة النظام ووحشيته وفي جزء آخر محاولة الجماعات المقاتلة إثارة انتباه الممولين والأثرياء العرب.
ويتحدث عن الجماعات المتعددة التي كان آخرها الجبهة الإسلامية وجيش المجاهدين ومحاولة السعودية لإنشاء جيش للمعارضة قوامه 45-60 ألف مقاتل.

لن ينتصر

ويرى الكاتب أن الجيش السوري المتعب لن يكون قادرا على هزيمة المعارضة حتى لو شجع الغرب تكتيكيا هزيمة الإسلاميين.
وينقل عن جوشوا لانديز، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما قوله ‘أعتقد أن النظام لا يزال في جوهره ضعيفا’، ‘فالأسد لم يكن قادرا على هزيمة المعارضة التي ظلت ضعيفة ووتتقاتل فيما بينها، ولم يحقق الكثير من التقدم، ونحن نرى الذروة التي يمكنه الوصول إليها في الوقت الحالي’.
أما بالنسبة للعامل الثاني عن بقاء النظام ومتعلق بدعم الحلفاء الإيرانيين والروس والذي كان دعمهم ضروري لبقاء الأسد، مثل دعم حزب الله والحرس الثوري الجمهوري، لكن هذا الدعم لن يبقى للأبد. ويرى أندرو تابلر من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن ‘الأسد كان قادرا على تحقيق انتصارات بدعم من حزب الله، ولن تظل الجماعة الشيعية منتشرة في سوريا للأبد’. وفي الوقت الذي يرى فيه محللون أن الأرتباط الروسي ـ الإيراني بالأسد ليس طويلا لكن لا توجد إشارات عن تغيير قريب في سياستهما نحو النظام.
أما العامل الثالث فمتعلق ببنية النظام الذي انشق عدد من مسؤوليه الكبار لكن جوهر النظام لا يزال متماسكا ومتحدا مما يجعل من الصعوبة بمكان التخلص من الأسد عبر انقلاب.
ويقول لانديز إن ‘فكرة انقلاب تتخلص من الجزء السيء في النظام خاطئة لأن الشر ليس هو الأسد بل النظام الذي أخرجه’.

المستقبل كئيب

وينهي بلانفورد تحليله لفرص بقاء الأسد بالحديث عن مستقبله وقد يكون حاكما على دويلة تشمل غرب وبعض جنوب سوريا، وتمتد من دمشق- حماة- حمص واللاذقية.
وفي غياب اتفاق وقف إطلاق نار يظل السؤال قائما حول المدة التي سيصمد فيها النظام. ويرى هنا أن أقصى ما يمكن أن يحققه الأسد هو اتفاق لوقف النار يعزز وضع التقسيم في البلاد، على الرغم من عدم تخلي نظام دمشق عن فكرة النصر.
ويرى الكاتب أنه في حالة اتحدت الجماعات القتالة والجبهة الإسلامية وبدعم مالي وعسكري من السعودية فقد تشكل تهديدا على سيطرة الأسد على غرب سوريا.
ويظل تحقيق وقف إطلاق النار والتفاوض حول تسوية رهنا بوجود معارضة متماسكة قادرة على توقيع وتنفيذ الإتفاقيات كما يقول صايغ. ويرى الأخير أن اتفاقا توقعه مجموعة الدول الخمس الأعضاء إضافة لايران يمكن أن يغير المعادلة على الأرض.
ويختم الكاتب بالقول إن التقسيم الفعلي يتعزز مما يترك الأسد حاكما إسميا على دمشق والمناطق التي تقع حولها ولكنه لا يزال يعتمد بشكل كبير على روسيا وإيران في بقائه. ويشير لانديز أن الأسد سيظل في عزلة ومنبوذا مثل كوريا الشمالية، فحتى لو تم التوصل لوقف إطلاق النار فالغرب لن يطبع العلاقات مع الأسد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية