حتى الأمس القريب، لم يكن الملف السوري في أولويات الإدارة الأمريكية. منذ أن غلبت حالة الجمود على الحرب في سوريا، عززت واشنطن إمساكها لشرايين الاقتصاد للدولة بسيطرتها على ثلاثة موارد رئيسية هي: الثروات النفطية، والغذائية، والمائية، المتمركزة في منطقة الجزيرة الواقعة في شمال شرق سوريا، حيث يتركز وجودها العسكري ونفوذها. وأرفقتها بجملة قوانين عقوبات لتضييق الخناق على نظام بشار الأسد المطلوب منه أن ينخرط في الحل السياسي لإنهاء النزاع الذي شكَّل القرار الأممي 2254 الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2015 مرجعتيه الدولية.
قبل التدخل العسكري الروسي في أيلول/سبتمبر2015، كان نظام الأسد على وشك السقوط رغم الدعم الذي قدَّمه الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التي تدور في فلكه، وفي مقدمها «حزب الله»، ولكن بعد الانخراط الروسي واستعادته السيطرة على جزء من مناطق المعارضة، بات يُراهن على عامل الوقت وتغيير الظروف الإقليمية والدولية لإحكام قبضته مجدداً على الأراضي السورية من دون أن يكون عليه تقديم أي تنازلات سياسية يمكن أن تؤول إلى إصلاحات بنيوية في النظام وعملية انتقال للحكم يخسر فيها موقعه.
ولمنع سقوطه من بوابة العقوبات والحصار الاقتصادي والمالي، ذهب النظام إلى استخدام كل الوسائل غير المشروعة. في مناطق النزاع، يتعزَّز اقتصاد الحرب، وتنمو التجارات الممنوعة بفعل ضعف الدولة وأجهزتها وجيشها والانفلات الذي يعمُّ، وتلجأ الجماعات المسلحة إلى تجارة المخدرات والتهريب عبر الحدود من أجل تمويل ذاتها. لكن في سوريا، ليست تلك الجماعات لوحدها مَن تقوم بهذه المهمة، بل النظام هو من يقود تلك العملية، بحيث حوَّل سوريا إلى «دولة مخدرات» وإلى «جمهورية كبتاغون» مع انتشار صناعة حبوب الكبتاغون بشكل كبير في مناطق سيطرة النظام بتمويل ودعم وتغطية وحماية من الجيش السوري وفرقه المتنوعة، من الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، وهي الأقوى والأشرس في هذا المجال، إلى الحرس الجمهوري والفرقة الثالثة المدرعة. الحديث هنا لا يدور عن مجموعات ميليشياوية أو مهرّبين ينشطون على الحدود، بل عن عملية متكاملة تُستخدم فيها مقدرات الدولة وأجهزتها لتأمين سلاسل الإنتاج من استيراد المواد الأولية إلى التصنيع، والتعليب، والتسويق، والنقل، على مستويات عالية من الخبرة، والقدرة، والإمكانات اللوجستية والأمنية والإدارية، وكل ما تحتاجه تلك المخدرات من صناعة وتجارة.
شكَّلت المخدرات مصدراً لتمويل النظام وحاشيته. باتت سوريا مركز إنتاج «الكبتاغون» وتصديره عبر الحدود إلى دول الجوار والخليج العربي وأوروبا. تُستخدم الحدود البرية اللبنانية، والأردنية، والعراقية، كما ميناء اللاذقية الأبرز، في عمليات الشحن البحري وكذلك مرفأ بيروت. أضحى «الكبتاغون» جزءاً من الحرب التي يشنها «محور إيران» على الخليج، ولا سيما على المملكة العربية السعودية. ودخلت «حرب المخدرات» ضمن قواعد الاشتباك. والسياسة المعتمدة، سواء أكان في عمليات التهريب البرية أم البحرية، أن إفلات شحنة واحدة من أصل عشر شحنات يُعدُّ نجاحاً، ولا سيما أن تصنيع هذه الحبوب المخدرة مُتدني الكلفة، فيما مردوده – إن وصل إلى الدول المستهدفة – مرتفع، بحيث تُعوِّض شحنة واحدة خسارة ما يمكن اكتشافه.
ما عاد «الكبتاغون»، كما كان يُصوَّر سابقاً على أنه «حبّة جهادية» مرتبطة بـ«التنظيمات الإسلامية»، بل أصبح في سوريا عنواناً لتمويل مراكز القوّة في النظام الحالي، من مدنيين وعسكريين وتجّار ومافيات وحاشية وعائلة وميليشيات. على الأقل هذا ما يُمكن استنتاجه سياسياً من «قانون الكبتاغون» الذي أقرَّه الكونغرس الأمريكي من ضمن قانون موازنة وزارة الدفاع، والذي يُتنظر أن يُوقّعه الرئيس جو بايدن. وهو قانون مُلزم للإدارة التي عليها أن تضع، في غضون 180 يوماً، استراتيجية لوقف إنتاج المخدرات والإتجار بها، وتفكيك الشبكات المرتبطة بنظام الأسد.
هذا القانون من شأنه أن يُعيد الملف السوري إلى طاولة الإدارة من بوابة ضغط الكونغرس على الدوائر الحكومية الأمريكية للتعاون والتنسيق مع وكالة مكافحة المخدرات وأجهزة الاستخبارات الأمريكية ووزارات الخارجية والعدل لتضييق الخناق المالي على نظام الأسد، وهو ما قد يصبُّ في مصلحة إنهاء النزاع في سوريا. في رأي، مراقبين، إنه سيدفع إلى التعاون الأمني – الاستخباراتي – التقني بين أجهزة الولايات المتحدة والدول الحليفة المتضررة في المنطقة، وفي مقدمها الأردن الذي يتعرَّض لـ«غزوات كبتاغونية» على حدوده مع سوريا تُستخدم فيها «الطائرات المسيّرة»، إضافة إلى عمليات إغواء لعناصر الأجهزة الأمنية والجمركية وأبناء المنطقة الحدودية، وشتى الفنون والأساليب لتمرير الشحنات.
لا يزال من المبكر الجزم بالاتجاه الذي ستسلكه إدارة بايدن في التعامل مع القانون، وما إذا كانت ستستفيد منه لمزيد من الانخراط في الملف السوري بحيث تضع استراتيجية متشددة أم أنها ستعمد إلى التملص من مراميه السياسية والتي أرادتها الهيئة التشريعية، إذ من المفارقة أن يكون الكونغرس يدرس منذ أشهر مثل هذا القانون التي يضع سوريا يطلق عليها وصف «دولة المخدرات»، فيما يغيب اسمها عن تقرير وزارة الخارجية لجهة البلدان المنتجة أو المصدرة للمخدرات.
ما هو أكيد أن النظام السوري يوظف ملف المخدرات ليس فقط لتأمين موارد مالية له بل أيضاً في إطار سياسته لإرهاق دول الجوار وإغراقها بالأزمات بما يجعل استعادة النظام السوري لأمن الحدود مطلباً ملحاً ما يشق طريق المقبولية والتعويم للنظام. ولكن السؤال الذي سيطرح هو هل ما إذا كان ممكناً مع «قانون الكبتاغون» إن تبنته فعلياً الإدارة الأمريكية الحديث عن إمكانية الضغط على الأسد لتحسين سلوكه أو أعادة تأهيله وتعويمه أم أننا قد نكون أمام تحولات جديدة على المسرح السوري؟!