الأسد وغياب المقاومة في الجولان: العتبي علي الشعب!

حجم الخط
0

الأسد وغياب المقاومة في الجولان: العتبي علي الشعب!

صبحي حديديالأسد وغياب المقاومة في الجولان: العتبي علي الشعب!كان ثمة أسباب وجيهة كافية تجيز للمرء أن يُسقط جانباً أيّ تعليق سجالي جادّ علي خطاب بشار الأسد منتصف هذا الشهر، خصوصاً تلك الفقرات الدرامية ـ أو بالأحري الميلودرامية ـ التي فرّقت بين الرجال وأنصافهم، وبين المنتج الإسرائيلي وكلّ ما عداه. بعض تلك الوجاهة تأتي من حقيقة أنّ مساجلة الأسد، طالت أم قصرت وتعقدت أم بُسّطت، لن تخرج كثيراً عن سؤالين: أين الرجال في الجولان المحتلّ، بل أين كان الرجال خلال 33 يوماً من العربدة البربرية الإسرائيلية في لبنان؟ وبأيّ حقّ يستولي نظام الأسد علي عذابات اللبنانيين ومآسيهم وصمودهم وقتالهم المشرّف، ليحيلها إلي انتصار لنظام لم يكبّد شعبه سوي الهزائم والمجازر والاستبداد والنهب والفساد والجمهورية الوراثية؟بعض الوجاهة يأتي كذلك من حقيقة أنّ رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري ورئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط تكفلا بتوفير استجابات لا تقلّ درامية وميلودرامية، حتي ليصحّ القول إنهما كانا في طليعة محقّقي رغبة الأسد التي باح بها علانية أثناء خطابه: كلما كثرت التعليقات علي شاشات التلفزة، دلّت علي أنّ الخطاب كان جيّداً. وإذا جاز للمرء أن يتفهم الأسباب التي جعلت ردود أفعال الرجلين تجاري الأسد في تلك الجرعة العالية من التراشق اللفظي في الشكل، فإنّ الكثير ممّا احتواه المضمون كان من النوع المتقادم… أكثر حتي من أن يسمح بالقاعدة المعروفة: أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً!ولكن لعلّ جوهر الوجاهة في الامتناع عن أي تعليق سجالي جادّ علي خطاب الأسد هو ما صار المرء يمتلكه من سوابق متكررة حول نكوص الأسد بنفسه، وليس بلسان وزير دعايته أو وزير خارجيته، عن هذه الصيغة أو تلك من المناوشة اللفظية مع العالم الخارجي، بما في ذلك الارتجالات التنظيرية الشهيرة، أثناء الخطب الرئاسية أو خلال الأحاديث الصحافية. تماماً كما فعل مؤخراً في الحوار مع الإعلامي المصري حمدي قنديل، علي فضائية دبي، حين سعي الأسد إلي تشذيب تسعة أعشار ما انطوت عليه كلماته من تصنيف للرجال وللمنتجات!والأسباب الوجيهة التي أجازت الامتناع عن مساجلة الكلمة، ينبغي أن تظلّ هي ذاتها الأسباب التي توجب الامتناع عن استعراض التشذيب، خصوصاً وأنّ هذا الحديث الجديد تضمّن عدداً من الفقرات التي لا تقلّ درامية عن خطبة مؤتمر اتحاد الصحافيين، ولكنها بالفعل تستوجب تعليقاً خاصاً… من أجل كرامة سورية، وكرامة السوريين، وكرامة العقل. وفي نظرنا، ليس نكوص الأسد عن أقواله الساخنة (وهي، للتذكير، أتت جميعها في ارتجالات خارج النصّ المكتوب، الذي كان منضبطاً في العموم رغم القسط المعتاد من التغطية الديماغوجية) أهمّ من ارتداده إلي طراز من الاستغفال الجَمْعي للعباد، مدهش حقاً ومتحرّر من الحدّ الأدني في الالتزام بالمنطق السليم. علي سبيل المثال، يطرح قنديل السؤال التالي (وأنقل ـ بالحرف وبعلامات الوقف ذاتها ـ عن موقع وكالة الأنباء السورية الرسمية، سانا): أليس في سورية غيرة أن حزب الله حقق ما حققه وأن كل السوريين يجب أن تكون لديهم الغيرة أننا لم نستطع أن نحرر الجولان حتي تاريخه بأي وسيلة سواء كان بالجيش أم بالمقاومة… ؟ ويجيب الأسد، علي ثلاث دفعات في الواقع: ـ دفعة أولي تخصّ أبناء سورية والأجيال الجديدة تحديداً: قبل هذه الحرب بعدة أشهر بدأ الحديث في سورية عن موضوع تحرير الجولان ولو انه بديء (هكذا في الأصل!) علي شكل حديث سياسي تثقيفي للأجيال الجديدة التي لا تعرف سوي عملية السلام ولا تعرف شيئاً عن المراحل التي سبقتها.. يسمعون الكثير عن السلام.. ولكن في الحقيقة لا يعرفون الكثير عن التحرير.. فبدأ طرح هذا الموضوع لأن عملية السلام متوقفة.. ماذا ننتظر! لا خيار سوي المقاومة أو الحرب.. إن لم نكن نرغب بالحرب فلنتجه باتجاه المقاومة. هذا حديث بدأ ينتشر.. خاصة مع الذكري الستين لعيد الجلاء في سورية في شهر نيسان الماضي.. هذه الحرب كرست هذه المقولة.. . ـ دفعة ثانية، تخصّ الأسد نفسه كما يلوح: وأنا ذكرتها في الخطاب.. قلت إن تحرير الجولان بأيدينا وبعزيمتنا.. لكن هذه العزيمة بالنسبة لنا كدولة تأخذ الاتجاه السياسي وتأخذ الاتجاه العسكري.. كما قلت بالعودة لموضوع المقاومة هو قرار شعبي لا تستطيع أن تقول دولة ما.. نعم.. سنذهب باتجاه المقاومة.. هذا كلام غير منطقي.. الشعب يتحرك للمقاومة بمعزل عن دولته عندما يقرر هذا الشيء . ـ دفعة ثالثة، تخصّ الجيش السوري، سيّما بعد أن يلحّ قنديل في السؤال: مادمتم إلي هذا الحد معجبين بالمقاومة اللبنانية وتشيدون بها لماذا أو كيف تكون هذه المقاومة في لبنان دليلاً لكم للحصول علي حقوقكم في سورية… كيف ستواجهون الاحتلال الإسرائيلي بالاستفادة من تجربة المقاومة اللبنانية… ؟ وهنا جواب الأسد: كما قلت في البداية الدولة تبني جيشاً.. والجيش من مهامه تحرير الأرض.. حرب 1973 التي خاضتها سورية ومصر بنيت علي هذا الأساس.. لكن الجيش عندما يخوض حرباً يجب أن تكون الأمور محضرة بشكل جيد.. نحن نعرف أن هناك حصاراً شبه كامل.. خاصة في التسعينيات.. علي سورية.. وبالمقابل هناك إمداد كبير لإسرائيل من قبل الولايات المتحدة.. والأسواق الأخري مفتوحة لها وأحياناً بالمجان. هذا يعني بأننا غيرنا مهام الجيش.. هذه من مهامه.. ونحن نسعي بشكل مستمر.. وفي السنوات الأخيرة قطعنا خطوات جيدة باتجاه التحضير.. علي الأقل في المرحلة الأولي للدفاع عن أرضنا لأن إسرائيل بلد توسعي.. وبمرحلة لاحقة إن لم يتحقق السلام.. فعندما تقول اللاحرب واللاسلم سيأتي إما حرب وإما سلم.. فإن لم تتحرك عملية السلام من أجل عودة الحقوق.. فالحرب هي المستقبل الطبيعي في هذه المنطقة.. .ماذا يفهم المرء؟ مقاومة، أم لا مقاومة؟ وهل سيتمّ تحرير الجولان بأيدينا وبعزيمتنا : 1) عن طريق المقاومة الجماهيرية، أمّ 2) الخطب الرئاسية، أم 3) الجيش النظامي الذي تغيّرت مهامه (ولا نعرف ماذا صارت، بعد تجميد الجيش الوطني لصالح الفرق والوحدات الخاصة التي تحفظ أمن النظام، ومارست حصار المدن السورية وقصفها وتنفيذ المجازر بحقّ الشعب)؟ لا هذه ولا تلك ولا أختها الثالثة، لا لشيء إلا لأنّ الشعب السوري لم يتخذ بعد قرار المقاومة كما فعل الشعب اللبناني، والعتبي إذاً علي الشعب وليس علي القائد!نعم، الشعب وحده هو المسؤول عن عدم انبثاق المقاومة في الجولان، وهنا ـ لمَن لا يصدّق هذه الهرطقة ـ إجابة الأسد بالحرف، حين يسأله قنديل عن حدود صبر سورية علي الاحتلال الإسرائيلي: هذا ما ستحدده المرحلة القصيرة المقبلة.. وأنا قلت في هذا الخطاب بشكل واضح بأن الأجيال الحالية ربما تكون آخر أجيال تقبل السلام.. فإذاً سينتهي هذا الصبر مع انتهاء صبر هذه الأجيال. بمعني أن عملية المقاومة هي عملية شعبية.. ليست قرار دولة أن تبدأ بالمقاومة.. فعندها ربما تتجاوز الناس حكوماتها أو دولها وتقوم هي بهذا العمل المقاوم.. فتحرك عملية السلام كما نسمع الآن.. في منطقتنا وفي الغرب.. هناك حديث مكثف عن عملية السلام.. إن تحركت فربما تذهب العملية باتجاه المفاوضات !ماذا يعني التشديد علي أنّ قرار المقاومة هو قرار الشعب وليس الدولة، سوي الركون إلي واحد من تأويلين: أنّ الشعب السوري، أو في الأقلّ الأجيال السابقة منه، غير راغب في تنظيم أيّ شكل من أشكال المقاومة في الجولان، وإلا لكان الناس تجاوزوا الحكومة والدولة كما يقول الأسد، واندفعوا إلي مجدل شمس كما اندفعت المقاومة اللبنانية إلي عيتا الشعب؛ أو، في التأويل الثاني، أنّ الأجيال الراهنة ربما تكون آخر الأجيال القابلة بالسلام، وهي بالتالي الأجيال التي ستأخذ قرار المقاومة بمعزل عن الحكومة والدولة، ولكن لا نعرف متي؟ أين؟ كيف؟أليس مدهشاً هذا الاستغفال للعقول؟ أليس مذهلاً هذا التأثيم لإرادة الشعب السوري، في مختلف أجياله؟ هل يريد الأسد إقناع العباد أنّ نظامه لا يقاوم في الجولان لأنّ الشعب في سورية لم يتخذ قرار المقاومة بعد، وهذا قرار سيادي للشعب وحده وليس للحكومة او الدولة؟ وبهذا المعني، هل من أمل في أن يتخذ الشعب السوري قرار المقاومة في أيّ يوم قريب، أو في أيّ جيل منظور؟ وإذا لم يكن قد اتخذه حتي الآن، منذ احتلال الجولان سنة 1967 وإعادة احتلاله سنة 1973، فهل هذا شعب إنهزامي استسلامي؟ ومن جانب آخر، وبمعزل عن هذه الأسئلة، هل يريد الأسد من الشعب السوري أن يتخذ قرار المقاومة من أجل التحرير أم التحريك: تحرير الجولان المحتلّ، أم تحريك عملية السلام وذهاب العملية باتجاه المفاوضات، كما يقول؟ في هذا الجانب، أكثر من أيّ سياق آخر، يبدو الأسد وكأنه جيّر عذابات اللبنانيين وآلامهم وصمودهم وبسالة مقاتليهم، ليس لصالحهم وعلي سبيل استثمار تضحياتهم سياسياً، بل لصالح النظام السوري وعلي سبيل تحريك المفاوضات وإعادة لملمة ما تقاذفته الرياح من أوراث سياسية استجمعها الأسد الأب طيلة عقود، وبعثرها الأسد الابن في أقلّ من نصف عقد! وفي نهاية المطاف، ما الذي سيجبر الدولة العبرية علي تسليم الأسد أياً من أوراق التفاوض أو المناورة أو تحسين الموقع الإقليمي، هو الذي اقتصر دوره علي الصمت المطبق طيلة 33 يوماً، أو علي تسريب خبر (عن طريق وزير الخارجية الإسباني ميغيل انخيل موراتينوس) حول استعداد دمشق لممارسة الضغط علي حزب الله ، أو إرسال وزير الخارجية وليد المعلّم ـ ذلك المتطوّع الشهير في جيش حسن نصر الله! ـ عن طريق العريضة ـ طرابلس وليس الطريق العسكري الأثير طيّب الذكر؟وبعد هذه الحرب البربرية، والقرار الأممي 1701 وما ينتظر لبنان والمنطقة من قرارات تكميلية لا تقلّ غموضاً وإجحافاً وفحشاء، أيّ هامش يتوفّر راهناً أمام النظام السوري، لاستجماع ما تبقي له من صلات سياسية وعسكرية وأمنية مع حزب الله ، ومقايضتها مع الدولة العبرية والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي؟ وأيّ ثمن يطمع الأسد في الحصول عليه حقاً، وحال النظام اليوم تلوح أسوأ مما كانت عليه في أيّ يوم منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1970، حين استولي الأسد الأب علي السلطة؟ ثمّ… عن أيّ جولان نتحدّث، إذا وقعت معجزة المعجزات وتنازلت الدولة العبرية فوافقت علي إطلاق مسرح تفاوضي سوريّ ـ إسرائيلي من أيّ نوع، تراجيدي أو كوميدي أو تراجيكوميدي؟ هل هو جولان حوارات واي بلانتيشن وشبردزتاون (التي ذمّها الأسد في حديثه مع قنديل، متناسياً أنها تمّت بقرار من أبيه حين كان هو طالباً في الجامعة، وأنّ نائبه الأول فاروق الشرع شارك فيها)؟ أم هو جولان وديعة رابين ، حيث الوعد المغدور والجزرة الذاوية الذابلة؟ أم جولان وساطات اللورد ليفي بين الأسد الأب ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق بنيامين نتنياهو، حين اتضحّ أنّ فتح القناة السورية لم تكن إلا تعمية علي إغلاق القناة الفلسطينية؟ أم، أخيراً، جولان إيهود باراك، حين شاء النظام منح الأولوية القصوي إلي ترتيبات توريث بشار، قبل وعلي حساب أيّ ملفّ آخر؟أيّ جولان؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية