الأسد ونظامه باقيان أو زائلان معا!

حجم الخط
0

مطاع صفديسواء عبّر الإبراهيمي عن فكره الخاص، أو عن الموقف الدولي إزاء مصير الأسد، فالرجل لم يعد بإمكانه مقاومة الحقيقة المطوية تحت لسانه الدبلوماسي. فليس للثورة أن تنقضي هكذا، من دون أن تحقق حدا أدنى من أهدافها، وما كان لشعب سورية أن ينخرط في مسلسل المجازر الأسدية من دون ثقته بإنهاء الوحش الفالت على البشر والحجر في بلاده، ليس هناك من صفقة إقليمية أو دولية قادرة على تغيير صيغة هذه المعادلة الأبدية قانوناً ودستوراً إنسانياً، التي تضع مقابل الجريمة عقابها الملازم لها ليقضي على كل آثارها المدمرة في نظام الحق القائد لروح وعقل كل حضارة راسخة في ذاكرة الكائن الإنساني، منذ أن عاش على هذه الأرض منذ البدء.الثورة هي المحكمة الشعبية المتصدية للجريمة الكلية المستديمة، إنها تجعل نفسها قاضية بأحكام، لا يمكن لأية هيئة أخرى أن تقوم بتنفيذها سواها. إنها المشرعة للعقاب والمسؤولة الأولى والأخيرة عن مشروعية تحقيقه في الواقع العام، بل يمكن القول ان الثورة تتخطى مرحلة التداول والقرار لتغدو عقاباً استباقياً منذ لحظة إعلانها الخروج على إرادة الاستبداد الحاكم. فلا بد للعقاب الاستباقي من متابعة إنجازاته حتى يبلغ حد الإجهار الكامل على موضوعه، الموصوف عادة بعدو الشعب.لا يمكن لمثل هذه الثورة أن تتراجع عن حكم أو عقاب يثبت صاحبه في كل آن بأعماله، أنه يستحقه، وكونه ماضياً في ارتكاب أصناف وكميات الجرائم العليا المصنفة دولياً في خانة العدوان على الإنسانية ذاتها. فالثورة، قائمة ومستديمة باستدامة الجريمة بآثامها المطلقة. لم تعد تراكماً من الماضي، بل هي متمتعة بالحضور الراهن والمتمادي إلى أجل مجهول.إزاء هذه الحقيقة الصارخة تحاول اللعبة الدبلوماسية أن تلغي أو تطمس الحدود القانونية والأخلاقية ما بين وقائعها، ساعيةً إلى توقيف الثورة، تمهيداً لإلغائها ليس كأحداث جارية فحسب، بل كقصة تاريخية تُجرّد وقائعها، وتبقى فاقدة حتى لوثائقها. تريد اللعبة الدبلوماسية أن تجعل الثوار أنفسهم هم الذين يتخذون قرار التوقيف مقابلَ وعود غائمة بجوائز سلطوية معينة تُغدق عليهم من النظام الجديد القادم.كان يمكن لهذه اللعبة أن تستمر فصولاً بما يحيل الثورة وذكراها إلى أثر بعد عيْـن، بينما يبقى النظام القديم وحده جائلاً وصائلاً في ساحات الصراع، فالغرب وقائدته أمريكا قد يغامر بالتخلي نهائياً عن الأسد كشخص، مقابل الاحتفاظ بنظامه، وربما ببعض رجاله ومفاصله الأصلية. والحجة في ذلك هي الخوف من الفوضى المحتملة، أو من وصول (المتشددين) إلى مراكز القوة والسلطة، لكن الخوف الغربي الحقيقي هو من صعود ربيع الشباب نفسه إلى قمة الهرم. فالسلوك المتواطئ والمتردد الذي طبع تصرفات دول الغرب الرئيسة طيلة عمر الثورة السورية، لم يكن تعبيراً عن تردد صدفوي، أو متغيرات سياسية ظرفية. هنالك قرار محسوم سلفاً ضد أية احتمالات ممكنة للربيع الشبابي أنْ يبلغ مركز الرئاسات الأولى في مجتمعات التغيير الثوري. في مصر العظيمة أُجهضت المرحلة الانتقالية ما بعد سقوط الفرعون، وسُفكت دماء كثيرة لشباب ميدان التحرير وتوابعه، فقد بذلت الثورة المضادة أقصى ما لديها من جهود التآمر كيما تلغم كل خطوة إيجابية على طريق تحرير الحكم والدولة من نموذجهما الاستبدادي المظلم. مصر اليوم لا تزال هي عينها من حيث مناعة الدولة ضد كل تعديل في مفهومها أو سلوكها، وقد تم تسليمها، في خاتمة هذه المرحلة الانتقالية، إلى الجماعات الإخوانية والسلفية. فهي الأقدر على حفظ سلطة الاستبداد بدءاً من جذوره الغيبية، إذ تفوز حراسته مجدداً بأعلى حماية ما وراء أرفع سلطان، وهو اسم المقدس نفسه وطقوسه.شباب ‘ميدان التحرير’ لن يحكموا مصر اليوم، وربما غداً كذلك. لكن البديل الإخواني الذي ربح الشوط السلطوي، خسر الكثير من تأييده العفوي لدى الكتل الشعبوية التي خدعها طويلاً بطقسنة التقوى وادّعاءات النزاهة المطلقة في العمل السياسي الجماهيري. ولعل النتيجة الأهم لهذه التحولات، هو تشكّل نوعٍ من حقيقة موضوعية جديدة ملء الحيز العربي العام، وليس المصري أو التونسي فحسب، هو أن المد الغيبي في سياسة الشارع قد بلغ أقصى حدوده الصاعدة، وقد شرع اليوم في التدحرج المتسارع، يصاحب هذا التغيير بروزُ الانقسام البنيوي، بل التاريخي بين الثقافتين السائدتين، انبثاق المجتمع المدني كفعالية مباشرة مقابل رموز الطقسيات الغيبية الجامحة والمتهافتة كالفراش على كراسي السلطنات بكل أنواعها.إذن، يولد المجتمع المدني كفعالية مباشرة على الأرض، لها جمهورها الواسع المتجاوز لحدود النخب الثقافوية السابقة والمعهودة، فالسقوط السياسي والإداري السريع الذي تعانيه الجماعات الإخوانية ومشتقاتها في القطرين: المصري والتونسي تحديداً، يؤذن للمرة الأولى بأن التغيير سوف يصيب بنية المؤسسة الاستبدادية العربية عامة، الداعمة لأنظمة الحكم التسلطية، وتبدو معالمه في ظروف المعارضات المتصاعدة ضد خاطفي الثورتين السباقتين من طليعة الربيع، في القاهرة وتونس. وهو الأمر الأخطر الذي يخشاه رعاة هذه المؤسسة ـ على المستوى القومي الواسع ـ من تكرار هذه الظاهرة في بلاد الشام. ذلك أن ثورة الشام قد تخطت بمراحل كثيرة حالات الوقوع تحت الوصاية من قبل أية فئويات محلية أو سلطات إقليمية، بل دولية. وهي ماضية في اجتراح كل وسائلها التي مُنعت عنها، خاصة منها تزوّدها بالأسلحة العادية، ثم النوعية التي حصلت على بعضها من جيشها السوري نفسه؛ لعلّها أضحت أخيراً هي الثورة الواعية المتشبثة أساساً بما يحمي استقلالها التخطيطي والميداني في وقت واحد. قد ترحب بنوع الأصدقاء الأوفياء لكنها لم تعد تثق بخلفيات الأوصياء المتسابقين على احتوائها.لم يتحرك الغرب وأعوانه إزاء الثورة إلا عندما راحت تخط انتصاراتها اليومية، لقد شبّت عن الطوق إذن، فإذا ما تُركت هكذا لحراكها الجديد المتقدم، فإنها بالغةٌ، هدفَها الأعظم من كل بدّ. هنا يبرز المعنى المريب لنشاط اللعبة الدبلوماسية، ولكن وضَع الأخضر إبراهيمي لها حداً، ربما من دون أن يقصد، ما إن أعلن عن كون الأسد مازال متشبثاً بدوره، وحتى بأولوية هذا الدور في كل مراحل (الحل/التسوية) الذي قد يتفق عليه الدوليون الكبار وأتباعهم من بعض العرب، فالأسد يمارس مناورته الأخيرة مع المجتمع الدولي نفسه، أي خاصة مع الأمريكيين. هؤلاء استخدموا نظامه طيلة أربعين عاماً وأكثر، في كل التحويرات الكبرى التي أودت بثورات المشرق العربي، وقلبت مشاريعها إلى ما يشبه الكوارث التاريخية التي أحالت أحلام النهضة الاستقلالية إلى سهام مسمومة مرتدة إلى صدور طلائعها واحدة بعد الأخرى.يعتقد الأسد أنه يمتلك تراثاً هائلاً من تجارب التعاون الأمني المفصلي مع المخفي والأخطر من استراتيجيات الغرب إزاء المسائل العربية المصيرية، ألم يرث هذا التراث المشؤوم عن أبيه، بل زاد عليه هو بمشاركة فعالة في ما سمي بحروب أمريكا ضد الإرهاب (الإسلاموي)؛ كأنما يقول الأسد للمبعوث الدولي ان النظام ملتحم بأصحابه المنتجين له، فهم القادرون وحدهم على تشغيله واستثماره في تأمين الخدمات السرية والعلنية المطلوبة منه.هل أفسد الأسد في موقفه الرافض ذاك، الصفقة الأمريكية الروسية، وبالتالي لم تعد ثمة مهمة وساطة ينفّذها الإبراهيمي أو أي بديل آخر سيأتي بعده. لكن الأسد من دون أن يدري يثبت الطرح المركزي للثورة، الذي يجعل منه شخصياً رمزاً للنظام، وبالتالي لن يزول إلا بزواله هو ونظامه معاً.هكذا قالت الثورة دائماً..’ مفكر عربي مقيم في باريسqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية