لندن ـ ‘القدس العربي’: في تقرير لمراسلة مجلة ‘نيوزويك’ جانين دي جيوفاني بعنوان ‘لعبة الجوع’ علقت على الاتفاق المؤقت بين قوات الحكومة وقوات المعارضة في البلدة القديمة في حمص والمحاصرة منذ عدة أشهر، ويسمح لفرق الأمم المتحدة بإجلاء النساء والأطفال من البلدة إن رغبوا في أقرب فرصة. ونقلت عن مصادر في المعارضة السورية في اسطنبول شكها في إمكانية حدوث وقف إطلاق النار ‘فقد كانت هناك الكثير من الوعود لإيصال المواد الغذائية بحلول السبت لكن الناس يموتون من الجوع’ حسب ديما موسى، المتحدثة باسم ‘اتحاد أحياء حمص’ وهي جماعة ناشطة في المدينة، وقالت إن المواد الغذائية لم تصل للبلدة القديمة منذ شهر كانون الأول (ديسمبر)، وقالت ان الحصار مضى عليه 600 يوم، ‘وتم إدخال بعض المواد الغذائية للبلدة بعد مفاوضات مضنية ولكن لم يحصل المحاصرون على شيء منذئذ’. وقالت إن البلدة تعاني من وضع إنساني مرعب ‘حيث لا يوجد لدى الناس ما يكفي من الطعام بعد استخدامهم كل ما كان لديهم ويأكلون الآن أوراق العشب والأشجار’، مما ادى لموت سبعة أشخاص في البلدة القديمة في الاسابيع القليلة الماضية بسبب الجوع ‘ وللأسف، نتوقع المزيد’ كما تقول موسى.
لعبة قديمة
وتشير جيوفاني إلى أن لعبة التجويع لتركيع الأعداء ليست جديدة ولكنها لم تستخدم في الآونة الأخيرة إلا قليلا. فقد مات عشرات الألاف من المدنيين الألمان بسبب الجوع والأمراض التي يسببها الحصار الإقتصادي الذي مارسته دول الحلفاء على ألمانيا ما بين 1914-1919. كما حاول هتلر، حصار لينينغراد من خلال تجويع سكانها، وفعل الأمر نفسه مع اليهود. ومارس هذه السياسة أيضا ستالين مع الفلاحين الأوكرانيين.
وتقول جيوفاني إن مدينة حمص هي ثالث كبرى المدن السورية وتحولت إلى رمز لمعاناة الشعب السوري ،في الوقت الذي كان فيه برنامج الغذاء العالمي الموزع الرئيسي للطعام في منطقة حمص. وتنقل الكاتبة هنا عن عبير عطفة، المسؤولة البارزة في مكتب الإعلام لبرنامج الغذاء ‘هناك أجزاء من حمص بما فيها البلدة القديمة، لم نكن قادرين على الوصول إليها’، مضيفة أنه لو وصلت القوافل الغذائية فهي تكفي لإطعام 2500 شخص ‘ولدينا كميات كبيرة من الأغذية في مخازننا والتي لا تبعد إلا أميالا عن مدينة حمص المحاصرة’. ويقدر عدد المحاصرين في داخل البلدة القديمة بما بين 3-5 آلاف شخص، مع انه لا تعرف نسبة المقاتلين للمدنيين. وقبل الحرب كان يسكن الأحياء المحاصرة في حمص مزيج من المسلمين السنة والمسيحيين. وبحسب جولييت طعمة من منظمة الطفولة العالمية (اليونيسيف) ‘ ما نعرفه هو أن هناك 1100 طفل محاصرون في البلدة القديمة بحمص’. وأعلنت اليونسيف أنها قدمت للحكومة السورية في الإسبوع الماضي قائمة بالاحتياجات الطارئة التي يجب توزيعها وتضم حقنا لمرض الشلل (بوليو) وملابس شتوية ومواد لتصفية المياه وتعقيمها’.
الحكومة تتهم
وتعبر الحكومة السورية عن قلقها من إمكانية وصول المساعدات الإنسانية للمقاتلين الذين تقوم بتحميلهم مسؤولية الجوع ونقص الأغذية التي يعاني منها سكان البلدة القديمة. وتنقل في هذا السياق عن ريم حداد، المتحدثة باسم وزارة الإعلام السورية في دمشق ‘كانت سورية دائما دولة منتجة للقمح ولديها كميات زائدة منه، وللأسف ففي المناطق التي يوجد فيها المقاتلون لا يستطيع المزارعون زراعة أو حصاد محاصيلهم من القمح’، مضيفة أن القمح ‘يسرق ويباع عبر الحدود’، وتقول أيضا إن المقاتلين لا يسمحون للمدنيين بالخروج من مناطقهم ‘لأنهم بحاجة إلى دروع بشرية، وعندما تصل المواد الغذائية يأخذها المقاتلون ولا يوزعونها على الناس’. وتقول حداد ‘في الصور التي يظهر المقاتلون عادة ما يكونوا بصحة جيدة، فقط المدنيون هم الذين يعانون ولا يسمح لهم بالحصول على الطعام’، وهو ما ينفيه المقاتلون جملة وتفصيلا. وتعلق جيوفاني قائلة ‘مهما كانت الأسباب عن عدم وصول الطعام والمواد الأخرى، فالحياة صعبة بالنسبة للمدنيين الذين يعانون من القصف المتواصل، نقص الكهرباء وغياب الاتصالات مع العالم الخارجي وأحيانا مع الناس في نفس الشارع أو الذي يليه، ولا يقدم وقف إطلاق النار أي نوع من الطمانينة اوأنه سيتم احترامها، وهناك شعور دائم بالعزلة والصدمة’. وتشير إلى ان الأنفاق استخدمت في بداية الحرب لتهريب المواد الغذائية، ولكن مع تطور المعارك والقصف المكثف على البلدة القديمة ‘تناقص عدد الأنفاق بسبب تراجع المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة’. ومن هنا يرى الناشطون أن محادثات جنيف-2 محاولة مثيرة للسخرية من السياسيين أنهم يريدون عمل شيء ما لرفع المعاناة عن السوريين في الوقت الذي لم يتحقق فيه شيء على الأرض حتى اطعام الجياع.
البحث في القمامة
وتنقل عن رامي الذي يعيش في البلدة القديمة ‘عندما أشعر بالجوع، أخرج وأحاول البحث عن بيت مهجور فربما تكون عائلة هربت منه خلفت موادغذائية، وأبحث عن مواد غذائية معلبة وقديمة، مثل الزبال ولكني أقوم بهذا’، وفي الحقيقة لا يعثر على كنزه من المواد المعلبة بل على حشائش يستخدمها لحساء المساء. ويضيف أن ‘تناول الأعشاب لا يشبع، نحن نجوع وحتى الموت’. ويرى رامي أن منع وصول الطعام للمدينة القديمة عملية محسوبة من النظام ‘فالطعام هو الحرب’، و ‘هو طريقة أخرى للقتال، إنهم يحاولون تركيعنا ودفعنا للاستسلام’ ، و ‘لا يوجد الكثير من الكلاب أو القطط في حمص وإلا لكانت ذبحت وطبخت من زمن بعيد’.
سلاح الدمار الشامل
وعلقت الكاتبة في صحيفة ‘واشنطن بوست’ آن أبيلباوم في مقال للرأي على ما سمته ‘سلاح الأسد للدمار الشامل: التجويع’. وقالت فيه إن الخيال العام في أفلام الرعب يدور حول الفيروسات المبرمجة والطائرات المتحطمة في الهواء واجهزة الكمبيوتر الغريبة، فيما تخشى فيه الحكومات من خطر الأسلحة النووية والبيولوجية وغيرها، لكن هناك سلاح اخر فعال وله أثر أسلحة الدمار الشامل، وهو سلاح قديم ولا يحتاج لتقنية عالية أو ذخيرة حية. في الحقيقة سلاح التجويع هو سلاح قديم يعود للقرون المظلمة في أوروبا عندما كانت الجيوش تحاصر المدن المسورة وتمنع دخول الطعام لها، وتنتظر فيما يصاب قاطنو المدينة بالهزال والضعف، وتتساقط أسنانهم ويفقدون شعرهم، ولا يكون أمامهم مفر إلا الإستسلام أو الموت. وتذكر الكاتبة بأساليب النازية التي قام جنودها بإغلاق الغيتوهات اليهودية، وما فعله ستالين والذي قتل الملايين بدون استخدام حتى اي سلاح دمار شامل. وفي هذه الأيام تقول الكاتبة إن ‘الموت عبر التجويع’ يبدو مثل شريط إخباري قديم، لكن الأمر ليس كذلك ‘اليوم وفي القرن الحادي والعشرين، يقوم ديكتاتور سوريا بشار الأسد باستخدامه، في الوقت الذي يتساوم المجتمع الدولي حول اسلحته الكيميائية’. وتضيف أن الأسد يتبع مثال القرون الوسطى ومن سبقوه في القرن العشرين بتجويع السكان عن قصد وحتى الموت.
وتقول ‘لأن الأسد يقول إنه لا يريد إطعام المقاتلين تقف قوافل الطعام خارج مدينة حمص الآن التي يعيش فيها عدد غير معروف من السكان لم تصلهم منذ أسابيع موادا غذائية’، والأثر كان مثل ما حدث للغيتوهات اليهودية وما فعله ستالين في أوكرانيا. وفي الوقت نفسه الذي تعاني فيه حمص المحاصرة من الجوع هناك 20 ألف شخص يعيشون في مخيم اليرموك قرب دمشق ويعانون من الضعف بسبب الجوع ويفقدون أسنانهم وشعورهم. وتذكر أنه أثناء المجاعة في أوكرانيا في الثلاثينات من القرن الماضي’أكل الناس الحشرات وأوراق العشب للبقاء أحياء، وفي مخيم اليرموك، يأكل الناس القطط والكلاب وأوراق العشب’. ويقول شاهد أن بعض الناس يعيشون على الماء ‘في بعض الأحيان نفعل هكذا، نشرب الماء مع السكر أو الملح ثم نذهب للنوم’. وتحذر من الأسوأ في حال استمرت الحرب لأن سياسة التجويع ستتواصل وتصبح أكثر تعقيدا، فانتقاما وردا على حصار حمص قام المقاتلون بفرض الحصار على عدد من القرى الشيعية حول حلب. وتقول إن سلاح التجويع مفيد للطرفين لأنه لا يثير قلقا دوليا.فقط عدد من الوزراء الأجانب شجبوا هذا الإسلوب لكن لا يوجد هناك أي حملة دولية أو تغطية إعلامية واسعة، ولم تؤد إلى نقاش حول التدخل الإنساني، ولهذا السبب يستمر النظام في سياسته، ولكن لا يعني أنها اقل فتكا من السلاح العادي. ولم يتدخل العالم عندما استخدم الأسد السلاح الكيميائية في الغوطة الشرقية فهل سيتدخل مع انتشار سلاح التجويع. وفي هذا الإطار ينتقد أليستر بيرت المسؤول السابق في الخارجية قرار البرلمان البريطاني عدم تشريع الضربة العسكرية ضد نظام الأسد.
آثار عدم التدخل
ويقول في مقاله الذي نشرته صحيفه ‘الغارديان’ مضت ستة شهور على تصويت مجلس العموم البريطاني ضد مشروع قرار تقدم به رئيس الوزراء ديفيد كاميرون من أجل المشاركة في حملة عسكرية لضرب نظام الرئيس السوري بشار الأسد. والقرار وإن كان مدفوعا بالتجربة المرة في العراق وأفغانستان إلا أن بيرت، وزير الدولة لشؤون الخارجية في الفترة ما بين 2010-2013 يعتقد أن التصويت كان خطأ ولا تزال أثاره واضحة على المشهد السوري. وبدأ بيرت بالإشارة إلى الهجوم الكيميائية على الغوطة الشرقية قرب دمشق في آب / أغسطس والذي كان مدعاة للتصويت على التدخل العسكري. ويقول بيرت إن الصور المروعة التي ظهرت من الحادث كانت مدعاة للتفكير ‘ولو للحظة أن عملا عسكريا، بدون وضع جنود على الأرض كان يمكن اتخاذه لإظهار أن هناك خطوطا حمراء لن يسمح العالم المتحضر بتجاوزها’. وضمن هذه الرؤية قدم كاميرون مشروعه للبرلمان الذي طالب فيه برد إنساني ‘قد يقتضي عملا عسكريا قانونيا ومناسبا ومركزا على حماية الأرواح ومنع استخدام جديد للسلاح الكيميائية’.
حيلة
ويعلق بيرت أن البرلمان قرر التصويت ضد المشروع، وكان جزءا من سلسلة أحداث انتهت بقبول سورية التخلي عن سلاحها الكيميائية. وبدا الإتفاق في حينه وكأنه انتصار دبلوماسي خاصة عندما اعقبته جولة ثانية من المحادثات التي اطلق عليها جنيف-2 . وبعيدا عن هذا يرى بيرت أن الاتفاق الكيميائية كان ‘حيلة’. وفي الوقت الذي ‘لا أشك فيه أن سورية بدون أسلحة كيميائية أفضل منها بوجودها، ولا اشك أن محادثات جنيف تعتبر تقدما بطريقة ما، ولكن ماذا تحقق نتيجة لهذا الإتفاق؟’ يتساءل بيرت. ويجيب أنه لم يكن في صالح السورييين او الإنتفاضة، فقد انتقلت روسيا للمقعد الأمامي وهي التي أقنعت الأسد لتدمير أسلحته، فيما استمر في لعبته وهجماته الشرسة، قصف وتعذيب واغتيال للمعارضة، فيما نالت رواية النظام باعتباره حصنا ضد الجهاديين على اعتراف ما، ولا تزال الأسلحة الكيميائية في سوريا ولم تخرج منها. أي أنه لم يتحقق أي شيء من الاتفاق. وكل هذا كما يرى الكاتب من آثار التصويت في البرلمان البريطاني الذي يعتبر الأول ضد رئيس وزراء بريطاني منذ عام 1782. ومن آثار التصويت أنه وضع قيودا على ما يمكن لبريطانيا فعله في الخارج بدون موافقة من البرلمان. فمنذ غزو العراق عام 2003 عملت الحكومة والبرلمان بناء على اتفاق يقوم من خلاله البرلمان بالتصويت لنشر القوات. وتم التصويت على ليبيا ولكن ليس على دعم القوات الفرنسية في مالي. ويرى بيرت أن الحالة السورية مختلفة. فالتصويت كان مبدئيا بوعد بتصويت آخر ولم يكن هناك أي حديث عن نشر للقوات على الأرض، ومع ذلك قرر البرلمان رفض المشروع. ووجه حديث بيرت عن الموضوع وعلاقته بسورية هي قراءة آثاره على مستقبل أي تدخل بريطاني في الخارج، فهل منع قرار البرلمان الحكومة من تقديم الدعم اللوجيستي والأمني للمعارضة وهل هو خاص بسورية؟.
إعادة النظر
ويشير هنا إلى أن بعض زملائه في البرلمان يرون ضرورة التصويت على محاولة المعارضة، إن حدثت، شراء أسلحة من بريطانيا. مما يعني أن بريطانيا وضعت نفسها من دون قصد في ورطة، لأن تدخل البرلمان في الشؤون الخارجية يضع قيودا على قدرة الحكومة على عقد تفاهمات أو معاهدات مع الحلفاء. فإن كان كل قرار يقتضي موافقة نصف البرلمان زائد واحد فهذا يعني استحالة التحضير للعمليات الاستراتيجية مقدما. ويضرب مثلا بالقول إنه في حالة قامت إيران بتهديد مصالح بريطانيا عبر ضرب الدول الحليفة لها في الخليج، فهل ستقرر الحكومة ووزارة الخارجية التدخل أم النواب في المقاعد الخلفية؟
ومع اعتراف الكاتب بأن العملية الديمقراطية تقتضي الاستشارة والمحاسبة لكن السلطات التنفيذية بحاجة لمساحة تكون قادرة من خلالها على اتخاذ قرارات غير شعبية تعتقد أنها تصب في المصلحة العامة. وعاجلا أم آجلا ستواجه الحكومة والبرلمان بفحص جديد حول التعاون والسياسة الخارجية.