الأسرى الفلسطينيون بعد استشهاد الشيخ بين فرص الحرية واستمرار الخذلان

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: لا جدال في أن حكاية الشيخ خضر عدنان هي «نهاية رجل شجاع» لكنها نهاية مأساوية ومفزعة، الجانب المخيف في هذه النهاية لا يرتبط بالشيخ إنما بالأسرى الآلاف الذين ما زالوا في السجون الإسرائيلية، فهؤلاء هم الذين يعيشون المأساة والفزع مع نهاية الشيخ التي حمل خلال حياته كما كبيرا من البطولة بصفته مقاتلا شرسا وباحثا أصيلا عن الحرية.

أما كلمات زوجته، رندة موسى بعد ساعات قليلة على خبر استشهاده، فما زالت ترن في الأفق، لقد وقفت أمام باب منزلها وتحملت خبر استشهاده وانتقدت بشدة الفصائل الفلسطينية والجهات القانونية والمقاومة الفلسطينية ومنها الفصيل الذي انتمى زوجها إليه، وجهت نقدا حادا في أكثر اللحظات عاطفية، ولا نقول ذلك للتقليل من قيمة النقد الذي قالته، بل لكونها جسدت عمليا أعلى مراحل حالة العجز التي وصل الفلسطينيون إليها، وفي أكبر وأطول لحظات الخذلان التي عاشها زوجها الذي استشهد وحيدا في زنازين الاحتلال في سجن الرملة رغم أنها أكدت أنه خضر عدنان «بين الشهادة والشهادة» مرارا وتكرارا.
وقالت بما يشبه العتب الشديد: «يبدو أنه لا أحد يصدق أنه يموت إلا إذا مات».

تعميق ثقافة «لا»

المحامي المقدسي محمد عليان، المتحدث باسم حملة استعادة جثامين الشهداء، لخص حكاية الأسير الشهيد الشيخ بثلاث كلمات: «تركناه.. فخذلناه.. فقتلوه».
وفي معرض تعبيره عن مأزق الفعل الفلسطيني رغم الخطر الشديد على حياة الأسرى، بعد استشهاد الشيخ وقبله فاستخدم أربع كلمات لتلخيص الموقف: «وقفنا (وقفات احتجاجية).. هتفنا.. وتصورنا.. وغادرنا».
وأضاف من وحي الوقفات الاحتجاجية بعد رحيل الشيخ أنه ليس المهم كم كان عدد المشاركين في الوقفة الاحتجاجية، وليس المهم من الذين شاركوا في الوقفات، وليس المهم من كان يقف في الصف الأول، غير أن المهم كنا نتحدث لبعضنا البعض عن أننا غير قادرين على عمل أي شيء حقيقي».
وتابع: «لقد فرطنا في خضر عدنان وفي الأسرى كلهم، وفي جثامين الشهداء..».
وأضاف عليان: «جميع المشاركين في وقفات الاحتجاج والتنديد كانوا يحملون طاقة سلبية، الجميع كانوا يبكون وحيارى، ماذا سنقول لزوجة الشهيد خضر عدنان؟ ما هي رسالتنا الحقيقية فيما لو ظهرنا على وسائل الإعلام؟ بصراحة لا أحد يعرف، لا أحد قادر على فهم حالة عجزنا وقلة حيلتنا، الوقفات، حمل اليافطات المنددة والمطالبة، الهتاف، ومن ثم نغادر، طيب وبعدين؟ لا أحد يعرف أين نحن ذاهبون».
ويختم: «صحيح أن هناك غضبا، صحيح أن هناك حزنا شديدا، لكن لا توجد استراتيجية للعمل المنظم، ليست هناك قيادة تحلل وتخطط وتنفذ، ليس هناك اتفاق على أي خطوات منظمة، ليس هناك توافق بين الأطراف، ليس هناك أي أفق».
وأضاف: «رسالة خضر عدنان يجب أن تكون أعمق من مجرد وقفة وشعار وهتاف، رسالته تعميق ثقافة اللا، وهي الثقافة التي يمكنها أن تنقلنا من مرحلة يا لعجزنا، إلى مرحلة يا لقوتنا».

استراتيجية موحدة وجامعة

وحسب الأسير المحرر عصمت منصور فإن سياسات الاحتلال بحق الأسرى تجاوزت كل ما أقدمت عليه الحكومات الإسرائيلية السابقة، فهناك تحريض وشيطنة بحق الأسرى ومضاعفة سياسة التنكيل بهم، فيما إيتمار بن غفير، وهو المسؤول المباشر عن ملف الأسرى قدم سياساته بحقهم وهي ضمن مسارين، الأول: المسار القانوني الذي شرعن فيه قانون الإعدام، واتخذ قوانين تتشدد في الإجراءات والعقوبات بحق الأسرى، والمسار الثاني مرتبط بالسيطرة على شروط حياتهم داخل السجون.
ووصف منصور حالة التصعيد بحق الأسرى بأنها متواصلة وممنهجة وخطيرة، «فنحن إزاء حكومة جمهورها معادي ويتغذى وينتعش ويزداد دعمه لقادته كلما أمعنوا بالتنكيل بحق الأسرى في ظل تعبئته بخطاب شيطنة، وهذا أولا، أما ثانيا فليست هناك محاولات كي تدفع هذه الحكومة ثمن جراء سياساتها، فهذه السياسات لا تتحول إلى ثمن وكلفة إعلامية وقانونية وميدانية». وأضاف: «فقط عندما هدد الأسرى بالإضراب مثلما حصل في رمضان الماضي، تراجع الاحتلال، لكنه تراجع مؤقت ما لبث أن عاد الاحتلال مجددا لحملته بحق الأسرى، فهناك سياسة أكثر عداء للأسرى، فيما هم في وضع صعب، هناك عشرات الأسرى بوضع صحي صعب جدا، كما أن هناك أسرى ممن قضوا بالسجن 30 عاما، فيما المئات منهم بحالة صحية سيئة، ويترافق ذلك مع انسداد في الأفق السياسي، وهو ما يصعب الوضع أمامهم».
ويرى منصور أنه يمكن العمل على استثمار حكاية الشيخ عدنان الذي يعتبر بحق رمزا للحرية والصمود ولكسر قرارات السجن الإداري التي فرضت ضده، فهو رمز وطني رفض الاعتقال الإداري وواجهة بجسده، لقد رفض فكرة أن يتم الزج بالأسرى لسنوات بالاعتقال بدون لوائح اتهام، وبدون أحكام وبدون أن يعرف الأسير موعد الإفراج عنه وأن يخضع لتقارير سرية وبمزاجية الاحتلال، فأعلن إضرابه الأول 2012 الذي استمر لشهرين محولا قضية الإضراب لقضية رأي عام عالمي، حيث أوصل قضية الإضراب الإداري لكل وسائل الإعلام.
وأضاف: «للأسف لم يتم البناء والاستفادة من هذا الزخم الذي أسسه عدنان، وتكرر الأمر إلى أن وصلنا لمرحلة دفع الاحتلال فيها الشيخ للاستشهاد، فنحن أمام جريمة واغتيال مباشر لكسر عدنان وهذا أولا، وكسر فكرة الإضراب وإفشال الأسلوب النضالي وإعادة صورة الردع لأمنهم حيث أصبح الإعدام على موضع التشريع والتنفيذ، وعلى رأس أولويات الحكومة الإسرائيلية».
وعن المطلوب حسب منصور فإن هذه الكلمة هي السؤال الذي يدور في ذهن كل أسير داخل السجون، ماذا نفعل كي نوقف القتل والإعدام البطيء بحق الأسرى داخل السجون؟
وتابع: «عدنان رفع في عام 2012 قضية الاعتقال الإداري لأعلى مستوى، ومع إعدام واغتيال عدنان في السجن مضربا فإنه يرفع مطلب حرية الأسرى وعلاجهم وإنقاذ حياتهم والتجاوب مع مطالبهم لأعلى مستوى من الاهتمام أيضا».
ورأي منصور أنه من هذه اللحظة التي يختلط فيها الحزن مع التصميم على تحرير الأسرى، على الفلسطينيين أن يشتقوا استراتيجية موحدة وجامعة، ليس عليهم البحث عن ردود فعل فردية أو عاطفية أو ارتجالية، بل عليهم صياغة استراتيجية وطنية تضع مطلب تحرير الأسرى على الطاولة، واستغلال السقف الذي رفعه خضر عدنان ضمن خطة يتعامل معها الجميع، السلطة ومؤسسات الأسرى، والمؤسسات القانونية ووسائل الإعلام، والفصائل والأحزاب، وأهالي الأسرى.
وشدد أن مطلب وضع الجهود معا في استراتيجية وطنية ليس فقط لأن عدنان استشهد، وليس فقط لأن ناصر أبو حميد سبقه بالاستشهاد قبل فترة قصيرة، أو أن الأسير وليد دقة مهدد بالموت بفعل المرض، بل لأن الأسرى يتعرضون لسياسة الموت البطيء فيما كل السياسات الفلسطينية السابقة بقيت عاجزة عن منحهم الحرية، وكل ذلك يترافق مع حكومة تتحدث عن أهدافها نهارا وجهارا المتمثلة في تركيع الأسرى وقتلهم وإعدامهم، «فلا مجال للانتظار، فالاستراتيجية مطلب ملح وبحاجة لمن يحملها وهي مسؤولية الجميع».
وحسب الكاتب زاهر أبو حمدة فإن ما حصل مع الشيخ عدنان هو درس كبير يجب أن يتلقفه الجميع، فقضية الأسرى ليست تفصيلاً بسيطاً في المشوار النضالي الطويل، وما حصل يمكن أن يتكرر.
وتابع أبو حمدة في مقال حمل عنوان «خضر عدنان والكثير من الخذلان» أنه من الخطورة في مكان أن يفقد الأسرى ثقتهم بالفصائل خارج السجن.
ورأى أن أصعب ما شعر به الشيخ قبل استشهاده يوازي ما شعر به أهله وأبناؤه التسعة، وهو الخذلان، فالإحساس يكون أقوى إذا نبع من شخص سخر حياته نصرة للأسرى وخدمة للناس، وحين احتاجهم لم يجدهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية