تعني الأسطورة في معناها العام، تلك القصص والحكايات التي تتعارض مع الواقع، بعد أن انبنت على الخوارق، قصد إعطاء تفسير وتبرير لهذا الوجود، أثناء حديثها عن منشأ ومصير الإنسان.
إن الأسطورة، كما تقول الأبحاث الإثنولوجية، هي صياغة يراد بها التعبير عن دائرة من دوائر الحقيقة، لأنها تحكي كشفا متساميا على البشر.. كشفا وقع في فجر الزمن القدسي للبدايات. يقول فتوح محمد أحمد: «والأسطورة في الأصل هي الجزء الناطق في الشعائر أو الطقوس البدائية Rituals وهي بمعناها الأعم حكاية مجهولة المؤلف تتحدث عن الأصل والعلة والقدر، ويفسر بها المجتمع ظواهر الكون والإنسان تفسيرا لا يخلو من نزعة تربوية». وما دامت الأسطورة هي انعكاس للاشعور الجمعي، أريد بها نمذجة الواقع البشري، فإنها قابلة للتكرار في أي لحظة زمنية، على اعتبار أنها تشكل طرازا للسلوكيات البشرية.
وقد انبهر الأدباء، والشعراء بالخصوص، بهذه البنية الخيالية، وبدأ الاهتمام بها منذ المرحلة الرومانسية، لما تحركه شاعرية الأسطورة في مشاعر الآخرين، على اعتبار أنها خطاب موجه للجماعة، بما يعيش في وجدانها العام. فالشعر كما أسلفنا في جوهره، يأخذ بعدا معرفيا، ويحتل مكانة مهمة في منظومة الكشف المعرفي، لذا فهو يتوسل بمجموعة من القيم الجمالية بالأساس، كالصورة الشعرية، والرمز الشعري، والأسطورة التي من شأنها أن تعود به إلى النماذج الأصلية والعليا، والتي تعتبر وجها من أوجه الحقيقة.
وعلى هذا الأساس، ينبغي أن لا ننظر إلى هذا التوظيف الأسطوري، في الشعر، بما هو صيانة لتلك المضامين القديمة للأسطورة، وعلينا أن نؤمن، كذلك، بأن النقدَ الأسطوري الذي اعتقد، في يوم من الأيام، أنه يقدم وسيلة وإجراء نقديا ناجعا لاستخراج رؤياوية الأسطورة وملامحها الجمالية في آن واحد، ومن ثم تشريح الأدب تشريحا علميا، مسألةٌ قادت أصحابها في كثير من الأحيان إلى أحكام القيمة التي لا علاقة لها البتة بجوهر الأدب؛ لأن الأسطورة في نهاية المطاف، ليست أصل الأدب، وإنما هي نسق رمزي تطور بمحاذاة اللغة. يقول الناقد المغربي عبد الله راجع بهذا الخصوص: «إن تصور النص الأدبي باعتباره إبرازا وكشفا لرموز تهجع في اللاوعي الإنساني يفقد النص الأدبي فرديته من جهة ويسمح بأنماط من التأويل قد تضرب في متاهات بعيدة من جهة ثانية، كما يهلل الدور الذي تلعبه بقية المكونات الأساسية للنص الأدبي من معمار وإيقاع ولغة وغيرها» ( القصيدة المغربية المعاصرة)
لقد أفاد الشعر الحديث، بالخصوص من الأسطورة لدواع فنية بحتة، وبشكل تحكمه حرارة التجربة وواقعها، ذلك إن التجربة الشعورية، هي التي تستدعي الرمز الأسطوري، وعلى الشاعر – في هذه العملية- ألا يقحم هذا الرمز في سياق النص، أو يفرضه عليه فرضا، إذا ما أراد التفوق في عمله هذا. يقول أحدهم في هذا الإطار: «وهذا كله مما يعزى بالقول إن استعمال الأساطير في الشعر هو أن الأداة التي ينهضان عليها ويتشكلان منها، هي الخيال. وهذا التوظيف المتشابه للخيال أنتج لغة متشابهة هي في كل منها لغة مجنحة تومئ ولا توضح، وتوحي بالدلالة ولا تقبض عليها» (عبد الرحمن محمد القعود: «الإبهام في شعر الحداثة»).
الأسطورة والواقع، وبذلك يكون الشاعر الخلاق، هو من يستطيع تفجير نسق أسطوري ما، وكذا نسفه نسفا، قصد إخضاعه لتجربته الشعرية، في العلاقة، طبعا، ما بين الفني والجمالي، من جهة، والمعطى- الواقعي من جهة أخرى.
على الشاعر، وهو يوظف الأسطورة، أن يبتعد عن التقريرية والمباشرة، وأن يُلبس التجربة الشعرية، صورا رمزية خاضعة بالضرورة للسياق الدلالي. والفرق بين الرمز والأسطورة، فرق شفاف؛ واللقاء بينهما لقاء أصيل ومطلوب في الكثير من الأحيان، لأن الأسطورة رمز من بعض نواحيه، وبما أنها بناء رمزي قبل كل شيء، أي أنها نسيج من الرموز المتجاوبة، فإن استخدامها ينبغي أن يخضع «لمقاييس محددة، شأنه في هذا شأن سائر الوسائل الفنية الأخرى التي استحدثتها القصيدة الحديثة مثل الصور، أو الرموز غير الأسطورية أو التضمينات بأسلوبها الحديث وما إلى ذلك، بل إن طبيعة الاستخدام الفني للأسطورة إنما هي مزيج من هذه الوسائل جميعا» (علي عبد المعطي البطل: «الرمز الأسطوري في شعر بدر شاكر السياب). هو (الرمز الأسطوري) كذلك، بالنظر إلى المنطق الذي يحكمه، والذي يناقض تماما المنطق الرياضي، والفكري الفلسفي، ويتجاوزه إلى منطق الحدوس كما يقول نصر عاطف جودة: «أعني أن هذا الرمز نابع من الحدس الذي يلوذ باللحظة الحاضرة ويستقر في التجربة المباشرة مقتنصا من خلالها انطباعا كليا مشوبا بالانفعال. إن هذه الرمزية الأسطورية وقد أخذت تنشئ معانيها ودلالاتها على نحو خاص يختلف عن المعاني التي يركبها الفكر المنطقي، بالإضافة إلى أن هذا الرمز قائم على التكثيف والإدماج وصهر الأفكار المتماثلة ومزج المعاني المتشابهة حيث تندمج الحدود والفوارق» (الرمز الشعري عند الصوفية).
وفي دراستها للبنية الأسطورية التي تحكمت في بنية الشعر العربي الحديث، اكتشفت الناقدة ريتا عوض أن أسطورة الموت والانبعاث تسيطر وبشكل كبير جدا على الحضور الأسطوري، في هذا المتن الشعري، من خلال انتشار إله الخصب الذي يموت وينبعث باستمرار داخل نصوص المتن الشعري العربي الحديث، بالإضافة إلى أساطير أخرى تثبت بنية «الموت والانبعاث» كأسطورة بروميثيوس، وسيزيف، وأوديب، وجوكستا، والسندباد، وعشتروت (أسطورة الموت والانبعاث في الشعر الحديث). مع تجربة الشعر الحر، إذن، بدأنا نلفي وعيا كبيرا من لدن الشعراء بالأسطورة، بوصفها أفقا ممكنا للكتابة. فبدأ الرهان على الأسطورة ينمو مع مرور الوقت، إلى أن أصبحنا نواجه نمطا شعريا جديدا نعت نقديا بالقصيدة/الأسطورة. إن الكتابة بالأسطورة، في شعرنا العربي، هو استخدام مباشر للرمز الأسطوري، لكن بشكل مغاير تماما للتوظيف البسيط.. شكل يسعى إلى العمق الجمالي وإلى الخلق، لا الاقتفاء والتكرار، حتى يصل المستوى المطلوب «في إدراك حقيقة الأشياء، وهو ذلك المستوى الأرقى عند الشاعر» (أحمد الطريسي أعراب: «الرؤية والفن»). وهو ما نلفيه الآن في بعض التجارب الشعرية العربية الراهنة، مثلما هو الحال في تجربة الشاعر المغربي صلاح بوسريف، حيث أصبح الوعي بالأسطورة لديه كبيرا، بحيث أصبحت أعماله الشعرية (في مثل هذه التجارب نتحدث عن العمل وليس القصيدة أو النص أو الديوان) تقوم أساسا على الأسطورة بنوع من التحاور والنقد والمساءلة المعرفية العميقة، بما يفرض قارئا متخصصا له القدرة على الغوص في غياهب هذا الجب الشعري.
وعلى هذا الأساس، فإن الشاعر المتميز، هو من يعمد، في هذه الحالة، إلى أسطرة الواقع بشكل يتأسس على أنقاض أسطورة سابقة، مانحا بذلك هذا الواقع، عناصر أسطورية كان قد استقاها من الأسطورة الحقيقية، وذلك في قالب أسطوري جديد، يخرج من العلاقة القائمة ما بين الأسطورة والواقع، وبذلك يكون الشاعر الخلاق، هو من يستطيع تفجير نسق أسطوري ما، وكذا نسفه نسفا، قصد إخضاعه لتجربته الشعرية، في العلاقة، طبعا، ما بين الفني والجمالي، من جهة، والمعطى- الواقعي من جهة أخرى. إن الشاعر الجدير بهذه التوصيف، هو من يستخدم الأسطورة لتجسيد رؤاه الخاصة تجاه الكون والإنسان والحياة، فيكسب القصيدة، بذلك، عمقا أكبر، وينقل التجربة من مستواها الشخصي إلى مستواها الإنساني، كما يقول الناقد محمد عزام.
شاعر وناقد من المغرب