يوسف الصائغ - كمال أبو ديب - وديع سعادة
بلاغة القناع
دأب الشعراء المحدثون على توظيف سيرهم الشخصية، فيما هم يضيئون بؤر تجاربهم الداخلية ضمن ما سُمي بتقنية القناع، فكانوا يعيدون الاعتبار لكتابة الذات ويستثمرونها بطرائق جديدة متنوعة تبعا لنوعية هذه التجربة أو تلك. فالشاعر الحديث بدأ يتطلع إلى تحرير أخيلته من تسلط التراث البياني، عبر ربط قصيدته الحديثة برحم تجربته الشخصية، وتشكيل رؤياها في علاقتها مع أي شخصية أسطورية أو دينية أو تاريخية، قياسا إلى ما تحمله من أبعاد وتجليات تغني تجربته الخاصة، وتتشابك مع مفرداتها النوعية؛ فهو «يتّحد بها، ويتحدث بلسانها، أو يدعها هي تتحدث بلسانه، مُضفيا عليها من ملامحه، ومستعيرا لنفسه من ملامحها، بحيث يصبح الشاعر والشخصية كيانا جديدا» بتعبير علي عشري زايد.
فالقناع لم يعد مجرد تقنية، أو حيلة بلاغية، أو صوتا عابرا في القصيدة، بل صار يُمثل «أنا» الشاعر في تحوله وغيريته، من غير أن يعني أي شكل من أشكال التطابق بينهما. إنه يقوم على مفهوم يعيد بناء علاقة أنا الشاعر بالآخر، فتكون العلاقة مغايرة ومتوترة تبني تشكلها الكينوني من تجارب الأنماط الميثولوجية والأنثروبولوجية المتنوعة التي تعمل، بوعي أو في غفلة من الذات، على تجسيد التصاديات النفسية والفكرية، القائمة بين الأنا والقناع في حالة تماهٍ أو تعارض، أو في حالة تشظٍ إذا ما تعددت الأقنعة في النص الواحد وامتدت أطراف الأنا لتبحث تقمصه وتمثيل آخَرِهِ كِنائيا.
من التناص إلى المونولوغ والحوار الدرامي وتعدد الأصوات وغيرها من عناصر البنية، أخذ أنا الشاعر ينزع بقصيدته إلى بعدها الدرامي، ويُضْفي لَهْجة موضوعية حينا، وشخصية حينا آخر، على تلفظه الشعري الذي يتخفف من الغنائية وينتج من التفاعل بينه وبين مادة القناع كينونة ناشئة تتأسس على رؤيا القصيدة الداخلية. وكُلما تماهى «الأنا» مع هذه الرؤيا، تعددتْ رموزه واكتسى «طابعا لا شخصيا» وفق طبيعة التجربة وسيرورتها، فابتعد عن الأيديولوجيا الـمُعممة لصالح ربـط الذات بـ«الخبرة الكيانية في الحياة» وبـ«كلية التجربة الإنسانية» بتعبير يوسف الخال وأدونيس.
ولا يشمل الطابع الرؤياوي للشعر طريقة التعبير عن المعنى ومستويات إدراكه بشكلٍ يمنح اللغة دلالات ورموزا جديدة غير مألوفة، ويؤثر في الشكل الشعري فنيا، وإنما يتسع لبحث سبل تمثيل الذات الشاعرة والتكنية عنها وعن تجربتها الشخصية في الحياة، وهو ما يصطلح عليه بـ«الأسطورة الشخصية». فالشاعر بات يسبح في «بحار المعرفة السبعة» وينهل من علوم العصر وثقافاته الوافدة من وراء البحر، ويمزج الأسطورة بصوته الشخصي المفرد بشيء من المعاناة والقلق والسخرية ومراوغة الشك والتمرد على واقع الهزيمة. مثلما أخذت تتفتح أمام وعيه وحساسيته طاقاتٌ للكشف جديدة بها يختبر «أناه المحدثة» بتعبير جابر عصفور.
ترحال السندباد
ارتبط كل شاعر بِآخَره من خلال قناع مُحدد يستدعيه حينا، ويبدع فيه حينا آخر، داخل كتابة تمزج بين الغنائي والملحمي، أو هي تنزع إلى الدرامي. والأطرف أن هذا القناع كان يغتني في كل مرة بتحولاته ومفاجآته بسبب رؤياه السندبادية على وجه أخص، والتي كانت لا تنقطع في الزمان والمكان. فعلى سبيل المثال، استطاع بدر شاكر السياب أن يختبر النماذج الأولى لرمزية القناع الذي مثل به عن ماضي حياته وشخصيته المعذبة في طورها الدراماتيكي الأخير، وارتفع به إلى مصاف «الأسطورة الشخصية» لأنا الشاعر حتى صار الشاعر والرمز، في فترته المأساوية خاصة، شيئا واحدا لا يمكن تجزئته بشكل يعكس تلاحما نادرا بين شعره وحياته. واستدعى البياتي أقنعة المتصوفة لفهم تحولات عصره (الخيام، الحلاج، المعري، ابن عربي، السهروردي، الرومي، العطار، حافظ الشيرازي) وابتهر آلامهم ومواقفهم من رحم تمزقات الرؤيا الشخصية التي امتحنت تجربة السفر في الزمن، الزمن الرخو واللانهائي. وقد وجد في موضوعات الاغتراب والمنفى والحنين باعتبارها ثالوث قدره الشعري والأنطولوجي الذي قادته إليه أحوال بلاده السياسية وموقفه الأيديولوجي منها، قوام المادة التي يتشكل منها محتوى القناع. وقد أثمر ترحاله السندبادي بين العواصم العربية والأجنبية (دمشق، بيروت، القاهرة، فيينا، موسكو، مدريد) نصوصا بالغة الثراء عن الاغتراب والمنفى، وضمنها ملامح من سيرته. وإذا كان معظمها يتلبس مفهوما «أُمميا» عن المنفى الذي تغترب فيه شعوب بكاملها تحت قهر السلطة والاستبداد، أو ترزح تحت الاحتلال، وذلك بسبب ميول الشاعر القومية، أو بداعي نزعته الواقعية الاشتراكية التي فرضها عليه «إبستيم» الحقبة.
وبعد أن تخلص من أيديولوجيا الوجدان الجماعي في «الناس في بلادي» (1957) وتَخفف من غلواء الوجودية في أطروحتها العبثية التي تلقي بالعالم في سديم مجهول ومرعب في «أقول لكم» (1961) يطلعنا صلاح عبد الصبور في ديوانه الثالث «أحلام الفارس القديم» (1964) على قصائد من صور الأنا الرائي البسيط، التي تُؤرخ لـ«الدوار الساحق» الذي كان يعيشه الشاعر تحت قسوة الظروف السياسية، في ما هي تصدر عن رؤية صوفية حزينة وشفيفة نظير تألمه ومحنة ضميره وعدم رضاه عن نفسه وعن الكون الذي انحط إلى أسفل صوره، إلا أن الشاعر يكرس شكلا من العزاء الذي يتجلى في الرؤيا النبوئية، التي تلتم بين جوانحها على شهوة الإصلاح بما هي قوة دافعة للاستبصار، ووسيلة للكشف ودليل على الشوق الـمُجاوز والمتفتح إلى التغيير.
وما إِنْ بدأ الشعر العربي يتخفف من مراجع الأيديولوجيا بما تفرضه من مركزية القصيدة الأطروحة ووضوح الصوت السياسي والاجتماعي للشاعر، حتى بدأ المجال يتسع من جديد لقصيدة خفيضة اللهجة ومُتقشفة، حيث أنا الشاعر يتكلمُ ليس زمنه وحداثته فحسب، بل تواريخ تفرده وخطابه السيرذاتي.
واختلق سعدي يوسف شخصية الأخضر بن يوسف ودل به على شخصه عبر اسم العلم؛ إذ أبقى فيه على بعض من اسمه الشخصي (يوسف) وقرنه على سبيل البنوة باسم (الأخضر= لخضر) ذي الأصل الجزائري، وكأنه يرمز به إلى بؤرة منفاه وولادته الشعرية الجديدة في الجزائر، حيث قدم إليها عام 1964 وأقام فيها زمنا. وهو بهذا الاختلاق يريد أن يجعل من قناعــه فضاء لانقسام الأنا إلى وعي وموضوع وحسب، بل أصبح هذا الفضاء مجالا للتعبير عن اصطراع الأنا وتعدده الداخلي، إما في علاقته بوعيه المحدث، أو في علاقته بتمثلات الوعي نفسه.
وعالج خليل حاوي شخصية السندباد في «رحلته الثامنة» كشكلٍ من التكنية عن سفره الداخلي، وما يجد فيه من بحثٍ مُضْنٍ عن المعنى، واستعاد عبد العزيز المقالح شخصية «سيف بن ذي يزن» ووظفها باعتبارها رمزا استعاريا يقدم عبره أطيافا من حزن جيله، فيما استعار أمل دنقل قناع «سبارتاكوس» للدلالة على رفض الذات وتمردها على الواقع الاجتماعي والسخرية منه بكيفية دراماتيكية. وفي «اعترافات مالك بن الريب» يستعيد يوسف الصائغ، قناع الشاعر الأموي ليكشف تجربة الفقد الشخصي بقدر ما الجمعي، حيث انسحق البطل التراجيدي الذي تآكلتْهُ الخطيئة بعد أن «باع الضلالة بالهدى». وجعل محمد علي الرباوي من رمز السندباد كما في ديوانيه «من مكابدات السندباد المغربي» و«قمر أسرير» قناعا له ودالة على أسفاره ومكابداته في ترحاله الدائم. ومن خلال هذا الترحال، يُعبر عن سيرته الحياتية والروحية على نحو يستدعي الحضور الكثيف للأمكنة التي يعيد بناء مستوياته المرجعية ذاتيا، ويؤرخ من خلالها عبور الذات الشاعرة وحياتها الداخلية في تماهيها مع مفردات الفضاء الطبيعي في شرطه الإثنوغرافي والثقافي. بل إنه يريد، مأخوذا بنزعة التجريب وتحت إلحاح القلق الفكري، أن يربط نتاجه الشعري بـ«رؤيا إسلامية» تخرج به من رومانسية واقعية إلى تعبيرية تستضيء بالمرجعية القرآنية بقدر ما تضع مواجيده وشواغله الوجودية موضع سؤال واستبطان وتأمل فكري، مُنشدا إلى المطلق لتحرير الروح من ربقة الجسد وهوى الأغيار، في إيقاع تصاعدي يتلوى أو يدور حتى يتلاشى، ولغة عرفانية تبني على أنقاض واقع ميؤوس منه، عالما تسكن إليها الذات بعد رحلتها السندبادية الخائبة.
يوتوبيا الصوت الفردي
من قناع إلى آخر، كان الشعراء المحدثون يملكون وعيا تاريخيا، وكان مشروعهم الحداثي يتمثل في إعادة كتابة ذواتهم التاريخية وصياغتها ضمن أفق كُلي جديد. فأنا الشاعر، في تجربة الحداثة، ظل ينظر إلى ذاته بوصفها شخصية وجماعية؛ شخصية بمسؤوليتها وأعباء وجودها الفردي، وجماعية مُعممة في تحديد مصيرها واختيار موقفها من المجموع ومعضلاته الرئيسية، ولذلك، فإن القناع لم يأْتِ من فراغ الواقع، ولا من رغبة السيطرة عليه، أو التعالي على همومه ومشكلاته، وإنما جاء نتيجة لـ«معاناة الواقع» التاريخي، واستجابة لـ«وعي متأزم» بهمومه ومشكلاته الفكرية.
وما إِنْ بدأ الشعر العربي يتخفف من مراجع الأيديولوجيا بما تفرضه من مركزية القصيدة الأطروحة ووضوح الصوت السياسي والاجتماعي للشاعر، حتى بدأ المجال يتسع من جديد لقصيدة خفيضة اللهجة ومُتقشفة، حيث أنا الشاعر يتكلمُ ليس زمنه وحداثته فحسب، بل تواريخ تفرده وخطابه السيرذاتي. ومن هنا، أخذ المشروع السيرذاتي داخل القصيدة ينزاح عن التاريخي والمرجعي، فلم يعد يرتبط بواقع ثابت وقار، أو يتطابق كُليا أو شبه كلي مع إحالاته التي كانت تتقيد بالقناع، بل أخذ ينفصل تدريجيا – عما يشدهُ إلى المرجع ويكف عن أن يكون هو نفسه، فما يُنْجز سيرذاتيا لا يتم إلا عبر سيرورة الكتابة ودلاليتها الخاصة فحسب.
خلال هذه الفترة، نشر كمال أبو ديب دراسته اللماحة «جماليات التجاور أو تشابك الفضاءات الإبداعية» (1997) التي وقف فيها على اللحظة الراهنة للشعر، وأبرز أهم تجلياتها التي تتمثل في عودة الذات والصوت الفردي، وفي أن هذه الذات لم تعد تصدر عن وعي للتاريخ، بل ما يعنيها هو زمن الماضي الشخصي الفردي للذات، وقد استتبع ذلك طور آخر من بناء الشاعر المعاصر لأسطورته الشخصية التي أخذت تتاخم اللاشخصي وتتذرع به لإنتاج متخيلها الكتابي الجديد الذي يحتفي بالشذري والمتشظى واللامحدد، كشكل صريح للتكنية عن ضياع الذات، المعنى والتاريخ.
بموازاة مع هذا التحويل الجمالي، بدأ تاريخ جديد من عمل «الأسطورة الشخصية»؛ حيث مالت الذات الكاتبة إلى تدوين جرحها الوجودي وشَخْصنة تجلياته داخل الخطاب الشعري، وفق آليات اشتغاله الخاص. من هنا، صِرْنا لا نتعرفُ على سيرة ذات الشاعر، إلا وفق ما يمليه عليها هذا الخطاب المتوتر بين الواقعي والتخييلي، بين الميتافيزيقي والأنطولوجي، على نحو يُبلبل أي ميثاقٍ قار، من ذات إلى ذات. فالمشروع السيرذاتي صار تحويليا لا يطمئن إلى «ما كان» بل يعود إلى ما «انقطع» في التاريخ الشخصي ويعيد بناءه من جديد؛ بمعنى أن أنا الشاعر الذي لم يعد يتأطر داخل مرجع ثابت، صار ينكتب ذاتا مُتخيلة لا تملك وعيها إلا في اللحظة الحاضرة، وإذا عاد إلى ماضيه الشخصي فلكي تصير السيرة مبدأ ابتكارها الخاص. إنه لا يستعمل وجوده، أو مَقْطعا من حياته، أو يسرد سيرته إلا بقدر ما يُغير فيها حَشْدا من العناصر لدواعٍ لا شخصية وجمالية؛ فسيرة الأنا أكثر من كونها قناعا أو تنكرا، بل هي تحويل ولعب حُر لقوى تخيلية، كما في كتابات معاصرينا؛ من أمثال: وديع سعادة، وصلاح فائق، ومحمد بنطلحة، ومنصف الوهايبي، وقاسم حداد، وشربل داغر، ومبارك وساط، وزليخة أبو ريشة وغيرهم.
كاتب مغربي