كل مهتم وباحث في تاريخ الفن ومتتبع لأسعار اللوحات التشكيلية، بدون شك، قد يكون طرح على نفسه في لحظة تأمل وتفكير سؤالا محيرا يرقى إلى الألغاز العصية على الفهم: كيف جرى في الماضي تبخيس قيمة لوحات فنية وأحجم الجميع عن اقتنائها، وأصبحت مع مرور الزمن تباع بعشرات الملايين من اليورو وبعضها مئات الملايين؟ هل تطور ذوقنا الفني من الأمس إلى اليوم، أم أن الأمر مجرد لعبة تجارية محكمة تستند إلى خدع في النقد الفني وتحايل في كتابة تاريخ الفن، تضخم القيمة التجارية لأعمال معينة على نحو يفتقر للمنطق؟ قد يجرنا البحث عن الجواب، إذا قمنا بعملية جرد للفن عبر الأزمنة، إلى التشكيك في فصول كثيرة من تاريخ الفن، ومن يكتبه ومن يصنف ويسقط عن وعي ومصلحة أسماء فنانين وإبراز آخرين.
نستحضر جميعا في هذا السياق حالة الفنان الهولندي فنسنت فان خوخ ضمن عشرات الحالات الأخرى كحالة صارخة. لم يتمكن المسكين طيلة حياته سوى من بيع لوحات قليلة، واحدة منها «الكرم الأحمر» اقتنتها فنانة بلجيكية آنا بوش، من باب التعاطف وهي الوحيدة الموثقة حتى الآن، بينما ظلّ عاجزًا عن تسويق باقي أعماله، فعاش حياة بائسة في أقسى صور الفقر والعزلة النفسية. وعلى النقيض تمامًا، أصبح امتلاك لوحة من أعماله اليوم هو حيازة ثروة طائلة، تكفي صاحبها لعيش حياة مرفّهة لقرون، وأصبحت اللوحة التي لا يتعدى قطرها نصف متر تعادل قيمة عشرات الشركات والمعامل.
هذا الوضع الصارخ في التناقض والغرابة يلقي الضوء على التفاوت السوريالي وغير المنطقي بين القيمة التي مُنحت للعمل الفني أثناء حياة الفنان، وتلك التي أُضفيت عليه لاحقًا بفعل عوامل متداخلة ومتشابكة، ليس الفن بمعناه الخالص دائمًا أحدها.
إن حالة الفنان الهولندي، وغيرها من مئات الحالات لفنانين كانوا منبوذين وبعد رحيلهم نالوا شهرة عالمية أو وطنية، تطرح تحدي المصداقية على ماهية ودور النقد الفني. فهل النقد هو الذي يصنع الفنان مع مرور الزمن، ويمنحه «شهادة الإبداع» وشرعية الحضور في سجل التاريخ الفني، أم أصبحت شركات ذات أهداف تجارية هي التي تحدد قيمة اللوحات وينساق الناقد وراءها؟ وهل يتميّز الفنّان التشكيلي، على وجه الخصوص، بهذه العلاقة المعقّدة مع تأجيل الاعتراف، حيث يظل مهمَّشًا أو منسيًّا إلى أن يأتي بعد مماته ورحيله عن عالمنا، ذلك الناقد الملهم، الذي يعيد اكتشافه وينقذه من الغياب والنسيان ويجعل دور البيع والمزادات يزن أكثر من الذهب؟ وقد يلعب عنصر آخر في الشهرة على المستوى الوطني وخاصة في العالم العربي درجة اقترابه من السلطة، خاصة وأن كل سردية وطنية لم تعد تقتصر فقط على البطل التاريخي والروائي الكبير والرياضي اللامع، بل حتى المطرب والفنان التشكيلي. إن هذه التساؤلات تدفعنا إلى تأمل الدور الحاسم الذي يلعبه النقد، لا كمجرد تقييم للعمل، بل كوسيط في صناعة القيمة الفنية ذاتها.
فريدا كاهلو تجاهلها النقد اللاتيني
يختلف مسار الفنان التشكيلي عن الروائي والمخرج السينمائي اختلافًا جوهريًا؛ التشكيلي قد يرحل عن هذا العالم من دون أن يلقى التقدير الذي يستحقه، ليعاد اكتشافه بعد سنوات طويلة، وربما عقود، ويُحتفى بإبداعه متأخرًا. أما الروائي أو المخرج السينمائي، فقد يصعد سريعًا في سُلّم الشهرة والمجد الفني، وأحيانًا منذ العمل الأول، أو خلال فترة زمنية قصيرة جدًا. ومن النادر جدا العثور على فيلم فاشل في الماضي يحظى بالاعتراف لاحقا. لقد حصل مبدعون مثل «الموجة الجديدة» السينمائية في فرنسا على الاعتراف في السنوات الأولى، عكس رواد الانطباعية الذين كان عليهم العيش في البؤس بينما يقطف آخرون ثمار إبداعهم بعد عقود من الزمن.
ولمعرفة أكثر لهذه الثنائية المتناقضة، تسعفنا بعض الأمثلة، تُعد الكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ، مؤلفة سلسلة «هاري بوتر»، مثالًا بارزًا على ذلك؛ إذ حققت شهرة عالمية خلال سنوات قليلة، وهيمنت على سوق الرواية في مختلف أنحاء العالم. وفي المقابل، يقدم لنا الفن التشكيلي حالة مختلفة مع الفنانة فريدا كاهلو؛ فقد تجاهلها النقد اللاتيني طويلًا ورفض اعتبارها من الروّاد، ولم تعتبرها الناقدة الفنية الكبيرة مارتا ترابا ضمن كبار فناني أمريكا اللاتينية ولا حتى في المكسيك عندما كتبت عن تاريخ الفن في أمريكا اللاتينية. لكن النقاد الأمريكيين اكتشفوها بعد وفاتها بسنوات طويلة، وجعلوا منها رمزًا فنيًا عالميًا خلال الثلاثة عقود الأخيرة. إنها، بحق، إعادة نسخة «فان خوخ» في ثوب نسائي. فهل الناقدة الكبيرة مارتا ترابا كانت غير عادلة في تصنيفها أم أن النقاد الغربيين المدعومين من دور المزادات يلعبون دورا مبهما في إعلاء قيمة الفنان؟
وعليه، من الذي يجعل اللوحة التشكيلة مرتفعة الثمن بشكل خيالي أحيانا؟ قد يكون الجواب لأن اللوحة وحيدة بينما يمكن إصدار مئات الملايين من النسخ من الرواية ومن الأغنية ومن الفيلم. قد يكون هذا المبرر غير كافي لشرح أسعار اللوحات الغالية. فإذا كانت الرواية يتم طبعها، فاللوحة يمكن إعادة إنتاجها بشكل قد يفوق تقنية وجودة الفنان نفسه، وشهد العالم تزييف لوحات كبار الفنانين بدقة مذهلة. ومن ضمن الفضائح الشهيرة في عالم الفن التشكيلي ما قامت به دار البيع المزادي كنودلر أكثر من 30 لوحة مزيفة منسوبة إلى فنانين تعبيريين تجريديين كبار مثل مارك روثكو وويليم دي كونينغ وجاكسون بولوك وبارنيت نيوما بقيمة 65 مليون دولار. وأغلقت سنة 2011 حتى لا يتضح أنها قامت بتزييف مئات اللوحات. لم يرصد الناقد الفني هذا التزييف ولا مؤرخ الفن بل الكيميائي الذي أخضع مواد اللوحات المزيفة للبحث والتحقيق.
منطق تضخيم سعر عمل فني
قد يتحجج البعض بعوامل أخرى مثل السياق التاريخي للوحة، ندرة الأعمال الفنية لفنان معين، وتقييم النقاد للعمل الفني. بدون تبخيس لأعمال فنانين كبار، هنا يحضر منطق تضخيم سعر أعمال فنية معينة دون غيرها لأسباب تجارية محضة، وهنا يلعب بعض النقاد دورا هاما للغاية. ونتساءل جميعا، ماذا لو اقتطعنا جزءا من صخرة مغارة ألتميرا وأخذنا ذلك الرسم الذي يبرز اصطياد الإنسان للحيوان، وكانت أولى محاولات التعبير الفني في تاريخ الإنسانية، أو اقتطعنا جزءا من رسوم فرعونية أو من بلاد الرافدين، كم ستساوي هذه الأعمال. نتحدث عن سياقات تاريخية استثنائية في تاريخ البشرية وعن مؤسسي فن التعبير بالألوان، بدون شك المنطق التاريخي والفني والندرة سيجعلان سعرها عشرات المرات أكثر من أسعار لوحات بيكاسو أو فان خوخ. كما أن غالبية الرسوم الجدرانية حافظت على النسخة الأصلية لها، احتاجت فقط لمسح الغبار، في حين لوحات الفنانين خضعت للترميم والصيانة لتفادي إتلافها بسبب عوامل الزمن مثل الرطوبة والعفن، وكل عملية من هذا النوع تفقد العمل الأصلي قيمته.
لنكمل تمرين الخيال الفني في شقه المرتبط بالتساؤل النقدي: لنتخيّل فناناً مغموراً، يكتب عنه بعض النقاد في المجلة الفنية الأمريكية «آرت نيوز» أو في الملحق الثقافي والفني لـ«نيويورك تايمز» بأنه «بيكاسو الجديد» أو «رامبرانت القرن 21». لا شك أن هذا الثناء سيجعل من لوحاته كنزاً ثميناً لمن يمتلكها، وترتفع قيمتها المالية مع مرور الوقت وستصبح اللوحات مثل منجم المعادن النادرة وليس فقط النفط.
نبقى في تاريخ الفن، تُعدّ الأعمال الانطباعية اليوم من بين الأغلى في العالم، غير أننا، إذا عدنا إلى ما قبل الانطباعيين الفرنسيين، نجد أن الرسام الإسباني ماريانو فورتوني قد أنجز لوحات انطباعية خالصة. ومع ذلك، فإن متوسط سعر لوحاته لا يتجاوز 200 ألف يورو. وتشير الناقدة الأمريكية كاثلين فوستر إلى أن الولايات المتحدة تعرّفت على الانطباعية في القرن التاسع عشر أولاً من خلال أعمال فورتوني، لا من خلال لوحات الفرنسيين. فماذا لو أعاد بعض مؤرخي الفن النظر في نسب بداية الانطباعية، وأعادوا الفضل في انطلاقتها إلى فورتوني بدلاً من المدرسة الفرنسية؟ كم كان سيبلغ حينها سعر أعمال هذا الفنان؟ لا شك أن قيمتها كانت ستصل إلى عشرات الملايين من اليوروهات.
تشير الأسعار الخيالية للوحات الفنية إلى لا عقلانية النقد التشكيلي، وعدم استناده إلى معايير واضحة كما هو الحال في النقد الأدبي أو السينمائي. ويزيد من هذا الغموض استمرار الفن التشكيلي كفن نخبوي، لا يزال محصوراً في دوائر ضيقة جعلت منه عملة مالية نادرة، وازداد الأمر قتامة حين غدت اللوحات الفنية ميدانًا لتبييض الأموال ومجالا يتباهى عبره الأثرياء الجدد. تكشف هذه الأسعار الخيالية للوحات الفنية افتقاد مؤرخي الفن والنقاد للصراخ بأعلى صوت أن الأسعار الخيالية للوحات هي أقرب للمؤامرة المالية منها للروح الحقيقية للفن. ينبغي إعادة النظر في تاريخ الفن بمنهجية تُنصف كل فنان وتُقدّر أعماله بعيداً عن لعبة السوق والأسعار. فالقيمة الحقيقية للفن لا يجب أن تُقاس فقط بثمن اللوحة في دور المزادات، ولا أن تُحدد وفقاً لاعتبارات سياسية أو وطنية. فتاريخ الفن، في جوهره، هو سردية متعددة الأصوات الثقافية، ويجب أن يُكتب بروح البحث الحر والإنصاف التاريخي للثقافات بعيدا عن منطق السوق الذي أصبح مهيمنا في العقود الأخيرة.