محمد عفيف الحسينيالرصاص يزخ منه الموت، يخترق الزهرَ الربيعي وخيال النوافذ؛ يعرف كيف ينطلق، وأين يستقر. نصفه فولاذ، ونصفه نحاس، وفي وسطه البارود الرحيم، يشبه الكحل المطحون الملعون، يشبه الشبيحة على سطح القمر.
الرصاص عيار يفجّر الدمَ من رقبة الوعول الجميلة الشابة، فتتهاوى على رصيف الحياة؛ تتذكر أنها كانت عطشى للمرور في الحياة.
الدبابات تشبه التماسيح الأمهات، الكبيرة، التي تفترس حتى الهواء. هي هذه الملائكة الحديدية الثقيلة. التي تهدر على تراب بلدي، وتهوم بعماء على الفجر والعشب الطري. ترش الحديد، وتترك أثراً أرجوانياً من الألم على الأمهات. هي التماسيح تلتهم الفرائس في الفجر، وفي بلدي.
الأسلحة النورانيةبمهارة تُصنع، وبمهارة تُغطس في الشحم الثقيل، وتٌحفظ في صناديق الشمولية؛ يبارك لها القتلة؛ لا تنبت عليها الزهور، أو المستحيل، لا تعرف الآلهة ولا الشغف الحياتي. جامدة، مثل ثاني أكسيد الموت، فتقتل، تلك الأسلحة غير النورانية بلدي، بل حامليها القتلة الذين يدوسون عليّ، ويداي وراء ظهري مقيدتان بحديد خشن، مرمي على الأرض، أشم رائحة تلك الرصاصات التي ستخترق روحي.
من اخترع الأسلحة؟.
من اخترع القتلة؟.
الدمتجري الترامات في غوتنبورغ.
تجري النباتات الوديعة.
تجري البطات الفاتنة في البحيرة.
البرونز، الكنائس، الحجر الهادىء، الملك السويدي القديم؛ الذاكرة المحتشدة بالغياب.
اليدان اللتان تلمسان اليأس.
وتجري الأرض كلها في غيابكِ.
يسيل الدم في بلدي.
ويسيل حبي لكِ.
كيف سيرسم جاك بريفير، بلداً؟
ضع الشعبَ كله، في المطحنة. اعجنه مع التوابل الثورية الحارة.
واجنح به إلى الترهيب والنباتات المسمومة.
ضع له ريشة ريشة من الزعفران السم، الخوف؟
مرّ له بالانشاء.
واتركه ليتخمرَ، أربعين سنة.
ثم يتفجر.
زهرة رينيه شارنبتتْ تلك الزهرة، تحت جنازير الدبابات النازية في باريس، وانطحنتْ في عروة قميص القتل، بعد أكثر من خمسين سنة؛ ومن الشفق حتى الشفق، تتبرعم من جديد بناتُ تلك الزهرة، على أرض قاحلة دون مدائح، سوى أولئك المرميين في الشوارع، جرحى ينزف منهم الدم، مثل زهرة رينيه شار، المباركة.
العصي الكهربائيةتُقطع الشجرة، تزيل عنها الأوراق، تنجرّ بدقة، وتنعّم بورق خاص مرشوش عليه الرمل الناعم، فتصبح أملس وجميلة الهيئة، تشبه الحب، يوضع في أحشائها دينامو صغير، مع الكثير من الديكتاتورية، وبعض الليموندز، لتكون حامضة وعابسة، تشحن بالكهرباء، ثم تنهال على أبناء بلدي.
العصي الكهربائية، هي ليست صناعة وطنية؛ بل مستوردة للأيدي الوطنية: القمع الرباني.
الغاز المسيّل للدموعالألمنيوم معدن لدن، ومريح، للأبواب والشبابيك وإطارات اللوحات، وأيضاً لأسطوانات الغاز المسيل للدموع: فيها أربعة ثقوب في الخلف، وثقب في الأمام، كلها مغلقة بالشمع، لكن الشمع يذوب أثناء انطلاقها من الجحيم الشمولي، ويحتوي الغاز على الفلفل الأسود وأشياء أجهلها، يُطلق بها على المتظاهرين، فتدمع العين والقلب؛ يجب استنشاق البصل، ومسح الوجه بالخل.
أين سيكون البصل المسكين آنذاك؟. وأين الخل الهادىء؟.
يركض المتظاهر الجسور، الذي وضع على وجهه قماشاً، درءاً لهذا البلاء، ويحمل الألمنيوم اللدن، ويرميه بعيداً.
البوط العسكريتجأر الأبقار مع العشب والبرسيم، تمضغ السكينة، تراقب من سيأتي ويذبحها، ترتجف بصمت، تغمض أعينها الحنون الوديعة، وتخر على الأرض شاخبة في دمها، قوائهما مقيدة، وجلدها السميك يُسلخ؛ الجلد الدافىء الذي يفور منه البخار الحار.
تتحول جلودها مع الشب وقشر الرمان والملح إلى البوط العسكري.
يدوس البوط أبناء بلدي.
تبكي تلك الأبقار الهادئة الذبيحة؛ تبكي بلوعة.
المنفى(الزمن على الأرض، وعليها النقوشُ الحزينة، هي نقوش الحياة القليلة للألم، وللحجر الصامت). يقول جاري السويدي على المقعد.
يحزن لأنني لستُ في بلدي.
وأحزن لأنني في بلده، منفي.*** تجري على أرضي الأسلحة، وفي أرضه، أسمع الصوتَ الرخيم لناقوس برج الكنيسة.*** جارتي القندلفت في الكنيسة تقول:
الحجر يُسقط الدكتاتورية، وليست الأسلحة.
الأسلحة تقتل. الجيوشجنودٌ أنهكهم المشي وراء النجوم التي على أكتاف قادتهم الحجريين.
يمضغون الصمتَ والثومَ.
ينامون في العراء.
لا يقتلون.
بل يُقتلون.
هم النجوم الحزينة، مثلي.
كيف يمكن تكوين مدينة؟.
الكهرباء.
الماء.
الحليب.
الأدوية.
المآذن.
الأشجار.
الأحجار القديمة.
الموبايل.
المدرعات.
المخابرات.
الشبيحة.
وتكبيرات الله أكبر، في الشوارع الخائفة المرتعشة الوحيدة الغاوية الجريئة.
هل يمكن جمع كل هذه الأسلحة، لتكون مدينة ‘درعا’؟.
لا يمكن.
ينقص التكوين سلطان باشا الأطرش، عمي الأول.
الزجاحلهذا أحبكِ، مع الكلاب المسعورة، والقطط الهائجة.
على الرمل الناعم في الصيف، على شظايا الزجاج الجارح، مع خف الرياضية السريعة.
وهناك أحبك:
المكان الدليل على نزف قدمي فوق الزجاج الجارح. الرنينينفلق منه الرعبُ؛ الرعب بصفاته الحيوانية والميدانية. أجراسُ يوم الأحد، ليستْ أسلحةً ـ أعشابٌ الله الطرية ترنّ في أعلى البرج.
ماذا لو كانت الأسلحةُ صحوناً ممتلئة بالبامياء دون لحم ودم!
؟.
أو كانت الأسلحة مزهريات، نضع فيها الرنينَ، ونسقيها كل يوم بالحب!
؟.
يا ريت، ويا ريت.
يغني فريد الأطرش لـعامودا، لمدينته درعا، هل اسمها درعا، أم حوران، أم بانياس، أم حمص، أم أسمهان؟.
يا ريت ويا ريت يكون السلاحُ الرنين.
غوتنبورغ السويد، 2011′ شاعر من سورية يقيم في السويد