الأسوأ في مثل حالتي هو تعاطف شخص آخر
عناية جابر الأسوأ في مثل حالتي هو تعاطف شخص آخرالآن الصيف. عملية القتل المتعمدة ضدي. ليس الصيف نفسه الذي ينزل علي الناس. علّي أقسي ينزل، واكثر وحشية. يزفر تحت جلدي فأروبص بحرائق، وهو ليس بصيف بعد، بل مرض في مناخي الشخصي وحمّي طويلة لا تفارقني. الهواء يعرق، يرشح عرقاً، وفي الناس حالة ثمل عامة كما لو من خمر مغشوش. أربع عشرة ساعة من النور التام. ألوان باهرة تصرخ علَّي. الصيف الآن. شمس لاهبة أيضاً لابسة بشرة ذهباً معطرة بالكهرمان. الآن الصيف. الصيف وحده، الذي يحوَّم ويحطَّ علي صرختي وجزعي. الصيف الآن، وأحاول بكل قواي ان احزر ما هو هذا الشيء في طفولتي ربما، الذي يعيق صداقتي الحارة لهذا الفصل، ويجعلني اكرهه.الأسوأ في مثل حالتي الكارهة، هو تعاطف شخص آخر، بنظرة او بكلمة كأن يقول: عن جد الصيف بشع، الشتي أحلي معك حق .يقول هكذا كأن صيفي مثل صيفه. احب ان اشعر ان ما اعانيه غير مفهوم ولا يمكن نقله الي الآخرين. احب كرهي للصيف متفردة، وهلعي منه متماسك وحقيقي. مع ذلك، يحدث لي ان اتحدث مع احدهم عن قذارة الصيف، هكذا ببلاهة، واغضب اذا ما وافقني بهذا الشأن، وأميل احيانا الي ردود قاسية. كأنها حالتي الوحيدة في هذه الحياة وأدافع عنها لمرة اخيرة. في آخر فيلم حضرته، وكان البطل والبطلة يخططان ليوم زفافهما الذي شاءته البطلة صيفيا، وحارا ايضا، لم استطع مثلا، ان اتمالك نفسي عن الاسترسال في الضحك، ثم القرف، ثم خرجت فعلا من صالة السينما قبل انتهاء العرض.الصيف، لماذا؟ من بعيد، بأصابع ساحرة، اسحب تذكارا من ذاكرتي. يدلني ربما، الي خوف عرفته ذات صيف، ذات طفولة، وحبسته في صدري بشجاعة، بل دللته.وصلت من المدرسة. نزلت من باص مزدحم بالطلاب. كنت مرتدية مريولي المدرسي بالطبع، ومرفوعا شعري علي ما تحب امي ان ترفعه، ومرفوعة من شدة رفعه عينيّ، ويجعلها الرفع أوسع، اكثر تألما. كنت عطشي علي عادة الأولاد، ويعودون جميعا من مدارسهم عطاشي، كما لو العطش احد فروضهم المدرسية. حركة واحدة وكنت اغوص في عتمة مدخل البناية لأتسلق الطوابق الخمسة حيث أهلي وأخوتي. يلاقيني أبي حتي الطابق الثاني او قبله بقليل، كيما اذا كان كمن لي ابن حرام، او مسّ شعري (علي ما كان يقول ابي) دمّر هو بسهولة، كمونه كله واقتلع حياته بتهور ساطع. كنت آنس لأبي وهو يمثل جريمته. كنا نقطن حيا لا يخلو من البارات وكان دأب أبي علي المراقبة المستمرة. بيروت كانت هكذا في شقها الغربي من زمان، شارع الحمراء تحديدا وما خلفه من شوارع حتي تصل البحر.أم خليل، وقد بانت شلحتها الحمراء في رقدتها الغفلة عن الطالعين والنازلين علي الدرج، قالت لي حين حاولت مرافقتي الي اولي درجات السلم، بأن ابي قد غادر للتو، وان عمو ابو خليل (زوجها الناطور) يوصلني الي باب البيت علي ما أوصاه أبي.هذا ليس صوتي السردي المحايد الذي يستطيع الي تلك الذكري. هذا جزء من علاقتي الزنخة بالصيف. جزء لا يمكن تذكره من دون كتابته، ولا يمكن نسيانه الا من خلالها. جزء ليس طويلا ولا ثقيلا، لكنه عاجز عن كل تحمل. امسك ابو خليل بيدي، فجفلت. يدي في يد أبي بينهما اتفاق غريب لا ينبع من معرفة متبادلة بالفارق بين حجم ايدينا، بل من الاستخفاف به ايضا. يد ابو خليل مطبقة بشدة علي يدي، فضفاضة وينثال من اصابعه عرق دبق، اسود حتي، يسحبني وراءه ليس علي ما اوصاه ابي، بل بلهفة الوصول حتي عطفة الدرج مسرح ضيق لطفولتي محصور مثل حجر.ابو خليل كلَّه كان ينضح عرقا، وأراءه في تغير الضوء كلما صعدنا درجة، ويلهث ليس كالتعبين. صوت أمي تستعجلني، والحال انني لا اخترع شيئا فقد مسد شعري فحسب، ارتجف وقفل عائدا. لكن نورا ما انكسر دفعة واحدة في اللحظة تلك.ان لحظات الرعب ليست دائما الا قصيرة الأجل. مشاعر لا واقعية اكثر مما هي لحظات رعب. واذ وجدت نفسي مع رجل ضخم يرشح عرقاً ويمسك يدي، فهو تماماً بحسب طفولتي كما لو أساء الَّي.آثار عفونة رمادية بقيت عالقة في يدي. صيف صغير يسكن ما زال تلك اليد، وما كان لطفلة سواي ربما، ان تحسب ما حسبته أنا. لقد شعرته وهذا يكفي، ويكفيني ان أكره عرق الاجساد يولدها الصيف ولا يستحي. خفية عن ابي، اخوتي وأمي استعدت في ذلك الليل لزوجة تلك اليد، وقد عرفت ان سكينتي تعكرت الي الأبد، من جنون يد ابو خليل المدمر، المكتسح لعلاقة يدي بيد أبي الشتائية. كل صيف، احزن دائما. ابدا لم اكن انسي.انا في هذا الصيف، في أوله، اسجل نقاطا علي الذكري تلك، ضربة قاضية، انظر الي الذكري في عينها وافتح نافذة لأول مرة لهذا الهواء الأسمر. الجو حلو. ابو خليل وام خليل ماتا من زمان. الأيام مسلية تبدو فلا اتذكر بعد شيئا. عندي من يعينني علي كل الفصول.0