الأسواق الشعبية داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان شرايين الأمل تمنح الحياة للفقراء

عبد معروف 
حجم الخط
0

عرفت المخيمات الفلسطينية منذ نشأتها بقدراتها على بناء نظام تكافل اجتماعي واقتصادي متين يعتمد بالشكل الأساسي على المشاركة المجتمعية والاقتصادية كوسيلة لتوزيع الموارد والإنتاج داخل المخيمات وخارجها، إذ تم العمل ولسنوات طويلة على عدة نماذج، ما إن بدأت تدفع عجلة الاقتصاد المخيماتي في كل مرة إلى الأمام، حتى آلت الأوضاع السياسية إلى الحد من صيرورتها واستدامتها.
واعتبرت تجربة معامل «صامد» التي أنشاتها منظمة التحرير الفلسطينية إحدى أهم التجارب التي ساهمت في تعزيز صمود اللاجئين الفلسطينيين داخل مخيماتهم في لبنان، إبان التحديات الناجمة عن الحروب المتعددة، إذ كانت كل وحدة لمجمع صامد تنتج العديد من السلع التي يتم تسويقها وبيعها في الأسواق اللبنانية ما يعزز الاقتصاد المخيماتي، بالإضافة إلى قدرة كل وحدة على استيعاب المئات من العمال في المخيمات الفلسطينية، ما يقلل من حالة البطالة ويؤمن مصدر رزق لعائلات مئات العمال في كل مخيم.
ويعتقد المتخصص في الشؤون الاقتصادية فارس النعماني أن تجربة معامل صامد رائدة في مجال الإنتاج داخل المخيمات، ويؤكد لـ«القدس العربي» أنه نظام هام ومدهش من التكافل المجتمعي في هذه التجربة، إذ كان للمرأة دورا هاما في إدارة جزء من وحدات صامد عبر مشاغل خياطة الألبسة الجاهزة، ما كان يجعل من الوحدات خلية نحل تعمل يوميا على صناعة العديد من المنتجات بأيادي رجال ونساء مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وبيعها في أسواق المخيمات والأسواق اللبنانية.
وتشكلت في الفترات السابقة وبشكل عفوي في البدايات، «الأسواق المخيماتية» التي تعتمد على التجارة الحرة كركيزة لتحريك العجلة الاقتصادية داخل المخيم الفلسطيني في لبنان لا سيما في مخيمات نهر البارد وصبرا وشاتيلا وعين الحلوة، هذه المخيمات التي أخذت من التجارة جسر عبور نحو الخلاص من برامج الاعتماد على المساعدات المحلية والدولية لتحسين حياتها.
فيما شقت مخيمات أخرى طريقها نحو نوع آخر من المشاركة الاقتصادية والإنتاج الاقتصادي، تركزت داخل مخيمات البص والرشيدية والبرج الشمالي القريبة من مدينة صور جنوب لبنان، على الزراعة عبر استثمار العديد من الأراضي الزراعية المحيطة بالمخيمات، وزراعتها وبيع المحصول في الأسواق اللبنانية، ما يشير إلى تأثر المخيمات بنطاقها الجغرافي المحيط من ناحية الذهنية الاقتصادية.
جميع التجارب الإنتاجية بإيجابياتها سواء من ناحية التعاونيات الاقتصادية أو التكافل المجتمعي المبني على الاستدامي والخروج من قمقم الطفيلية والتخلي عن سياسة الاعتماد على المساعدات باتجاه التنمية الإنتاجية والاقتصادية واعتماد المجتمع على ذاته، ووجود المخطط التنموي الجاد، من شأنه تمكين الاقتصاد داخل المخيمات، وإشراك كافة الفئات في التجارب التنموية الناجحة، أما خلق مناخ التعصب والتطرف فسيؤدي إلى اختراق المجتمع الفلسطيني وضرب التماسك المجتمعي المخيماتي عبر محاولة زج المخيمات في عدة صراعات من شأنها توتير الأوضاع داخل المخيمات، وبعد ما يقارب عقود طويلة من اللجوء الفلسطيني إلى لبنان، وريثما يعود اللاجئ إلى وطنه، لمن الضروري أن يعيد الجيل الحالي النظر في التجارب السابقة اجتماعيا واقتصاديا والبناء عليها وتطويرها في سبيل تحصين المخيمات أمام التحديات الوطنية والإنسانية والاجتماعية التي يتعرض لها في لبنان.

سوق مخيم صبرا وشاتيلا

يعد سوق مخيم صبرا وشاتيلا الشعبي شريانا مهما بالنسبة لسكان العاصمة اللبنانية بيروت، والمناطق القريبة منها، حيث يسهل السوق عيشهم ويدر مردودا جيدا للتجارة في ظل الأوضاع الصعبة ليؤمن حياة متواضعة رغم الأزمة الاقتصادية الحادة ورغم منع اللاجئين الفلسطينيين من مزاولة الكثير من الحقوق الملحة والأولية للإنسان كحق العمل، علما أن كل المحلات التجارية الموجودة في سوق صبرا وشاتيلا ليست ملكا للعاملين فيها، بل هي بعقود اتفاق إيجار، وصبرا هي الشريان الحيوي الاقتصادي الذي يعيل سكان المنطقة.
يؤكد أصحاب محلات تجارية في صبرا خلال لقاء مع «القدس العربي» أن حشودا من اللبنانيين والفلسطينيين والنازحين السوريين يترددون يوميا إلى سوق صبرا وشاتيلا الشعبي لشراء احتياجاتهم، بسبب الأسعار المنخفضة للبضائع، والتعامل الودي مع الزبائن، إلى جانب أن جميع المحلات بمختلف أنواع بضائعها تصطف إلى جانب بعضها ويشهد السوق ازدحاما كبيرا خلال ساعات النهار.
ويقاطع أصحاب المحلات بعضهم ليشرح أحدهم قائلا، «يمتد سوق صبرا وشاتيلا من بناية مستشفى غزة إلى مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا، محلات تجارية تعرض للبيع مختلف البضائع والمواد».
السوق الشعبي في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا لا يختلف كثيرا عن السوق الشعبي في نهر البارد شمال لبنان وصبرا وشاتيلا قرب بيروت.
عين الحلوة مخيم يطمح للأفضل دائما هو بقعة كباقي البقاع في الأرض، له حياته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
يعد السوق الشعبي وسط مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا اللبنانية، مصدرا مهما من مصادر الدخل الاقتصادي في المخيم، إلى جانب أموال المغتربين، وأموال «الأونروا» ومساعدات ورواتب الفصائل والمؤسسات الفلسطينية.
ويمثل السوق الشعبي عصب الحياة والشريان الاقتصادي الحيوي لمخيم عين الحلوة ويضم 170 محلا تجاريا و125 عربة لبيع البضائع والملبوسات والأحذية والخضار والفواكه، وذلك بحسب الإحصائية التي قدمتها لجنة تجار السوق التي تأسست عام 2011 إثر الضغط السكاني الكبير في المخيم وزيادة حاجاته الاقتصادية والاجتماعية.
والبضاعة في سوق مخيم عين الحلوة، من أفضل البضائع سعرا في منطقة صيدا، وجنوب لبنان، كما يعتبر السوق الشعبي في عين الحلوة هو الأول في محافظة جنوب لبنان.
تزداد الحركة الاقتصادية في عين الحلوة منتصف الشهر تبعا لرواتب الفصائل الفلسطينية ومساعدات «الأونروا» للنازحين واللاجئين الفلسطينيين وتنخفض غالبا بعد عدة أيام بشكل تدريجي، لكنها لا تتوقف. وأشار منسق لجنة تجار السوق الشعبي في عين الحلوة سامي عبد الوهاب لـ«القدس العربي» إلى أن الحركة التجارية في عين الحلوة نشيطة في حال توفر أمن واستقرار، فـ»الاقتصاد من الأمن ، والأمن من الاقتصاد».
وأضاف، السوق الشعبي في مخيم الحلوة هو من أهم الأسواق الشعبية في لبنان، وفي إطار السوق الشعبي هناك سوق الخضار الرئيسي الذي يشهد حركة بيع نشطة وداخل هذا السوق أيضا هناك بضائع مختلفة، مثل الألبسة والمواد الغذائية واللحوم والدواجن.
ويعتقد عبد الوهاب، أن ما يشهده لبنان من حالة اقتصادية صعبة ومتردية، طبعا في ظل أوضاع أمنية وسياسية هشة، انعكس بشكل واسع على الأوضاع داخل المخيمات وأيضا على السوق الشعبي في عين الحلوة، لكن يبقى هناك عامل إيجابي داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وهو رواتب فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والمساعدات المالية التي تقدمها الفصائل بالعملة الأجنبية وهذا ما ينعكس إيجابا وحركة نشطة في الأسواق داخل المخيمات.
وأكد عبد الوهاب، أن العامل الأساسي في نشاط حركة السوق داخل المخيمات يعود إلى الأسعار المنافسة، فالأسعار في الأسواق الشعبية داخل المخيمات والأسعار في المحلات بسيطة ومتواضعة مقارنة بالأسعار في المناطق اللبنانية.
وختم قائلا، لا شك أن حركة الأسواق خلال السنوات الماضية تراجعت كثيرا بسبب الأحداث الأمنية التي يشهدها المخيم بين الفترة والأخرى، إلى جانب الانهيار المالي والاقتصادي الذي تعرض له لبنان وارتفاع نسبة الفقر والبطالة كلها ساهمت في تراجع حركة السوق.
أما عن المشاكل التي يعاني منها السوق فقد ذكرها سامي عبد الوهاب وهي حالة الفوضى وسوء التنظيم والأحداث والاشتباكات الأمنية بين الفترة والأخرى، مما يحد من الحركة الاقتصادية في السوق، لذلك هناك الكثير من رواد السوق الشعبي في عين الحلوة هم من خارج المخيم، لكن الحقيقة فقد تراجع عددهم بسبب الظروف الأمنية والانهيار المالي الذي يتعرض له لبنان.
وقد نشأت فكرة تشكيل لجنة تجار سوق مخيم عين الحلوة، من أجل محاربة المواد الفاسدة التي تباع أحيانا في السوق، ومن أجل توحيد وتنظيم الجهود والعمل على وضع نقاط توجيهية واحدة داخل السوق.
وقامت اللجنة بالتعاون مع المرجعيات السياسية والأمنية الفلسطينية داخل مخيم عين الحلوة بمنع دخول المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية وغير معروفة المصدر.
وأطلقت لجنة السوق مشاريع إنمائية من أجل تطوير ونظافة السوق، كخيمة سوق الخضار للحد من السيول والبرد في فصل الشتاء، ما يجعل المتجول في السوق يتحرك براحة واسعة ومن خلال الخيمة يمكن المحافظة على المواد التي قد تتعرض إلى الاتلاف والغرق.
ثم تمكنت اللجنة من إطلاق مشروع إنارة وتهوية السوق ما زاد الحركة الاقتصادية وزاد من نشاط الباعة والحركة التجارية.
أمام ارتفاع أسعار المواد الغذائية والتموينية والحاجات الإنسانية وارتفاع نسبة الفقر والعوز في لبنان، شكلت الأسواق الشعبية داخل المخيمات الفلسطينية وخاصة في صبرا وشاتيلا ونهر البارد وعين الحلوة، مكانا لحشود واسعة من الفقراء اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين الذين يترددون إلى الأسواق لشراء البضائع والمواد الغذائية رخيصة الثمن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية