رام الله ـ «القدس العربي»: وقف الطفلان محمد وأحمد ابني الأسيرة المقدسية فدوى حماد قبل أيام أمام سجن الدامون الإسرائيلي الذي يضم 32 أسيرة فلسطينية.
كانت وقفة لا ترتبط بمشوار الزيارات الشهري الذي يسمح لطفل واحد فقط أن يلتقي أمه ولمدة 10 دقائق، إنما كانت تعبيرا عن رغبة عارمة لدى الطفلين في تقديم الورد لوالدتهم، التي تقضي حكما يبلغ 10 أعوام، بمناسبة عيد الأم الذي صادف 21 اذار/مارس.
صرخ الطفلان اللذان حملا بالونات بنفسجية إلى جانب الورد أيضا، لكن لا الأم سمعت صوتهما، ولا السجان، الذي رصدهم عبر أبراجه العسكرية، سمح لهما بالعبور لأحضان والدتهم المشتاقة.
قال الطفلان: «حملنا هدية للماما بس صعب تدخل».
ويبدو المشهد البسيط والاعتيادي تكثيفا قويا ودالا على حجم المعاناة التي تمر بها الأسيرات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية اللواتي وبحسب نادي الأسير فإن الاحتلال يواصل اعتقال 32 أسيرة فلسطينية بينهن طفلة وهي نفوذ حمّاد (15 عامًا) من القدس، وأقدمهن الأسيرة ميسون موسى من بيت لحم، والمحكومة بالسّجن لمدة 15 عامًا، وهي معتقلة منذ شهر حزيران/يونيو عام 2015.
ومن بين الأسيرات 17 أسيرة صدر بحقّهن أحكامًا لفترات متفاوتة، أعلاها لمدة 16 عامًا، بحقّ الأسيرتين شروق دويات من القدس، وشاتيلا أبو عياد من الأراضي المحتلة عام 1948، وأسيرة واحدة تواجه الاعتقال الإداريّ، وهي الأسيرة شروق البدن، ومن بينهن كذلك 11 أمّا وهنّ: إسراء جعابيص، وأماني الحشيم، وفدوى حمادة، وإيمان الأعور، وختام السعافين، وشذى عودة، وشروق البدن، وفاطمة عليان، وسعدية فرج الله، وعطاف جرادات، وياسمين شعبان.
تعبير عن حالة فردية
وتواجه الأسيرات ظروفاً حياتية صعبة في سجن «الدامون» منها: وجود كاميرات في ساحة الفورة، وارتفاع نسبة الرطوبة في الغرف خلال فترة الشتاء، كما وتضطر الأسيرات استخدام الأغطية لإغلاق الحمامات، وتتعمد إدارة السجن قطع التيار الكهربائي المتكرر عليهن، عدا عن «البوسطة» التي تُشكّل رحلة عذاب إضافية لهن، خاصة اللواتي يُعانين من أمراض، والأهم سياسة المماطلة في تقديم العلاج اللازم لهن، وتحديداً المُصابات.
الباحثة في مجال شؤون الأسرى أماني السراحنة تتحدث عن خصوصية التجربة التي تعيشها الأسيرات الفلسطينيات في هذه المرحلة فتقول: «عند الحديث عن الأسيرات الفلسطينيات بعد عام 2015 نجد أنهن يعكسن تحولات كبيرة على مستوى المواجهة مع الاحتلال، فبعد هذا العام أصبحت المواجهة فردية، وبالتالي نَدر أن نجد أسيرة معتقلة على خلفية تنظيمية أو حزبية باستثناء بعض المعتقلات القادمات من الحركة الطلابية في الجامعات».
وتضيف سراحنة: «معظم الأسيرات قبل هذا التاريخ وتحديدا في العقود الأولى للاحتلال أي في فترة سبعينات إلى تسعينات القرن الماضي كان وجودهن في السجن جزءا من حالة تنظيمية ونضالية عامة، بمعنى أن نضالهن يعتبر مرتبطا بالتنظيمات السياسية حيث يعتقلن على خلفية فعل نضالي جمعي وهو أمر يفتقد في هذه المرحلة».
وتتابع: «للأسف التحديات التي تواجهها الأسيرات اليوم تعتبر أكبر بكثير مما كن يواجهن سابقا بفعل غياب التنظيم والفعل الجمعي على مستوى فلسطين».
وتؤكد سراحنة على أنه رغم ذلك هناك حاضنة مجتمعية بفعل الوعي وتغير نظرة المجتمع للأسيرة وهو ما يعزز حالة التعاطف والإسناد مع الفتيات المعتقلات.
السجن لتدمير الجسد
الباحثة نور بدر، ترى في الاعتقال الممارس من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني عملية مبنية على منطق إقصاء الجسد الذي يمثل عائقاً أمام استكمال المشروع الصهيوني ببقائه وصموده في أرضه، ثم كجسد مقاوم يعمل على خلق القلق الوجودي لهذا المشروع.
وتؤكد بدر إن الاستعمار أنتج أشكالا متباينة من أنماط تدمير الجسد، حيث يعتبر وضع الجسد المقاوم داخل معسكرات الاعتقال أحد أنماط التدمير التي مارستها السلطة الاستعمارية بشرعية سيادتها على مقصورات هذا الفضاء.
وتضيف بدر: «تعمل طاقة الموت اليومية داخل السجن عبر مجموع من السياسات القائمة بالأساس على التعذيب الجسدي والتعذيب النفسي، وتمتلك فيه السلطة الاستعمارية السيادة المطلقة على المكان أي السجن، وعلى الأجساد أي الأسيرات، كسلطة تكاد تكون ذات أًول إلهية بتعبير جورج أغامبين».
وتشدد سراحنة، التي تعمل في دائرة الإعلام مع جمعية نادي الأسير الفلسطيني، على أن ظروف اعتقال الأسيرات أصبحت أكثر صعوبة، كما أن التحديات أصبحت أصعب على صعيد المواجهة، فماكنة السجن طورت الكثير من أدواتها تجاه الأسيرات، فهناك أدوات وإن كانت ثابتة لكن فيها تغيرات بحاجة لقراءة موسعة لمعرفتها وإدراكها والكشف عن تأثيرها على الأسيرات تحديدا.
وتؤكد هناك تعذيب بجميع أشالكه وفي كل فترة أو مرحلة، تعذيب في التحقيق أو في فترة الاعتقال الأولى. وكذلك تعذيب في فترة السجن
وتؤكد سراحنة أنه بعد عام 2019 عمل الاحتلال على استعادة تعذيب الأسيرات، حيث بتنا نسمع في روايات الأسيرات قصصا تشبه رواية الأسيرات في فترة السبعينات والثمانينات.
خصوصية الأسيرات
وعن خصوصية استهدف النساء في سياق الاحتلال وسياساته العامة تؤكد بدر مؤلفة كتاب «هندسة الاضطهاد: سياسات التحكم بالأجساد الصامتة» إن ما يقصده المحقق عندما يقول لإحدى المعتقلات بأننا سوف نقوم بدبلجة صور فاضحة لك، ثم نشرها على الفيسبوك حتى يعرف الناس حقيقتها، يشير إلى جنسانية الجسد، فعندما نتحدث عن جسد الأسيرة، فإننا نتحدث عن جنس الجسد، جسد «الأنثى» هذا الجسد الذي يجري رسم عنف السلطة الاستعمارية عليه عبر جنسنته كـ»جسد أنثى» منتج عبر مجموع من التصورات الاجتماعية والمعتقدات، أو بمفهوم جوديث بتلر بكونه «علامة ثقافية».
وتتابع قائلة: «إن السلطة التي تدور في البنية الاجتماعية داخل السجن ترتكز على تأنيث الجسد أي جنسنته عبر هذه التصورات الثقافية وذلك لإخضاعه، ومحاولة إخضاعه تتم من خلال تلك التصورات المنتجة اجتماعيًا ضمن سياق محدد».
وبحسب بدر فإن: «المحور الثاني من خصوصية استهداف الأسيرات مرتبط بعلاقة الأمومة التي يمكن النظر لها من جانبين، الأول: «حلم» الأمومة، فقد عبرت بعض الأسيرات عندما قابلتهن عن أن فكرة تكوين عائلة وإنجاب الأطفال تصعب شيئاً فشيئاً كلما قضت المعتقلة فترة أطول في السجن، فالسنوات التي من المفترض أن تنجب فيها المرأة، هي ذات السنين التي تقضيها داخل السجن.
أما الجانب الثاني فهو مرتبط باعتقال امرأة لديها عائلة وأطفال، حيث تشرح الباحثة بدر أنه عندما تحدثت الي الأسيرات فإنهن تحدثن لها عن مدى الصعوبة الكبيرة والألم الذي يلحق بالمعتقلة من جراء غيابها عن أطفالها، وعدم تمكنها من رؤيتهم، واحتضانهم، سماع صوتهم، بكائهم، لعبهم، كل هذه التفاصيل تصبح في داخل المعتقل، حلماً لدى المعتقلة للحصول عليه.
تستشهد بدر برواية الأسيرة (آ. ر) «حين اعتقالها كان لها ولدين وبنت» الألم الذي لحق بها من جراء تركها لأطفالها، فأصبحت فكرة المساس بأي شيء متعلق بهم هي فكرة تثير غضبها، وهذا يظهر في روايتها، عندما تقول: «في الزنازين مثلاً كنت بحثل القهوة أكتب أسماء الأولاد على الجدران بإصبعي فداء وفادي وساجي، أكيد كأم ما بروحوا من بالك، بس في الوقت نفسه ما بدك يكونوا نقطة ضعفك، أكتب أسامي لولاد على الجدران، لدرجة مرة نقلوني على زنزانة ثانية، بيني وبين نفسي، ولكم يا كلاب رجعوني على الزنزانة الي فيها ولادي، يعني صارت الزنزانة الي مكتوب أسماء ولادين وكأن ولادي موجودين فيها».
الأمومة أصعب القضايا
وتؤكد بدر إن الأمومة في داخل السجن هي من أصعب القضايا التي تمر على المعتقلات الأمهات، فالمرأة عندما تدخل السجن قد تترك ابنها أو ابنتها طفلاً، وعندما تخرج سيكون قد كبر بالعمر، وربما أصبح شاباً، الشيء الصعب هنا أن المعتقلة لا تدرك ابنها وهو يكبر، ونبرة صوته تتغير، واحتياجاته تختلف، ربما تلحظ ذلك من خلال صوته على الراديو، أو شكله على الصور، ما يحدث داخل السجن أن إدارة السجن تسمح للأم المعتقلة برؤية ابن واحد لها كل شهر مدة عشر دقائق، وإذا كان للأم أكثر من ابن فستشاهدهم وتلمسهم على مدار أشهر بحسب عددهم، مدة عشر دقائق وينتزع هذا الطفل، إنها مثل رمي شرارة بحقل حشيش، هو احتراق داخلي للأم المعتقلة لا يتوقف أبداً، تحاول كل أم إخفاءه قدر الإمكان، إلا أنه في لحظات معينة يتجاوز صمته، ويخرج ببكاء بصوت عالي.
نظرة بطولة ومهام كبيرة
وتشير بدر إلى إن المجتمع ينظر إلى المعتقلة بشكل عام نظرة البطولة، ولكن هذا الجزء الإيجابي ينعكس عليه من خلال وضع المعتقلة في قالب كبير بمهام كبيرة قد تصل حدّ الاستغلال في كثير من حالات ضمن الحالة النضالية العامة.
وتتابع: «المعتقلة بعيداً عن البطولة تمر بحالة انتكاسة حقيقية بعد خروجها من المعتقل، هي بحاجة لأن تتجاوز هذه الانتكاسة، تجاوزها يكون بهذا التمرد، ولكن هذا التمرد يجب ألا يكون على حساب الألم، فعلياً لا أحد يستطيع نسيان الألم، يجب أن نعترف بأن الألم موجود، ولكن ما يحدث أن الألم هو الذي يولد الطموح، ويسير معه كدافع».
وتشدد بدر على ما يغيب في معالجة مسألة الأسيرات كحالة نضالية وكحالة إنسانية هو التعامل مع الشعور الإنساني، فالثقافة المحلية والقيم الاجتماعية تضع المعتقلات أسوة بالمعتقلين في بوتقه كبيرة، بوتقة بداخلها كل قيم البطولة والشجاعة، فتضع هذه القيم فوق قيم الإنسانية، هؤلاء المعتقلات لديهن مشاعر، وشوق وحب، إنهن لسن أنبياء ولا آلهة، إنهن يبكين ويتألمن، ولكنهن يحاولن إخفاء الألم، إنهن يتلهفن لأشياء بسيطة، يتلهفن لحضن أبناءهن، لرؤية أهاليهن، الذهاب إلى الدكان، الوقوف على الشباك، الخروج من البيت، يتلهفن لتلك التفاصيل التي تعتبر في الحياة اليومية جزءاً غير ملفت من الحياة.
وتضيف: «في الحالة النضالية، تجاوز الخطاب القائم على تقسيم الأدوار، الذي يرتكز على أن المرأة الأم، والزوجة، والأخت، وإعطاءها دور التابع، إلى الارتكاز على النضال الوطني الذي يلعبه كل من المرأة والرجل كعمل تشاركي ضد الاستعمار الذي يستهدفهم بعملية إبادة سريعة من خلال الحروب والمجازر، وإبادة بطيئة من خلال الحرمان اليومي، كالحرمان من العمل، العلاج، السفر…الخ.
وتشدد سراحنة أن الاحتلال يستهدف الأسيرات عبر أدوات معقدة جدا ومركبة، قد تكون واضحة من اعتقال وتحقيق وتعذيب وحرمان من العائلة ومن العلاج والأطفال، هنا يتحول كل حق للأسير إلى أداة تنكيل بمجرد ان تطالب الأسيرة بحقها، فمثلا يتحول حق زيارة أطفالها لها إلى وسيلة تنكيل عبر الحرمان، وهو أمر ينعكس على كل الحقوق.
وتؤكد أن ما تواجهه الأسيرات أكبر من الأسرى على صعيد سياسات الاحتلال التي تعتبر بمثابة بنية كبيرة من العنف أو على صعيد المجتمع.
وتشدد سراحنة أن كل ما يظهر من تحديات وصعوبات في سياق الحياة الاجتماعية مرتبط بقوة ببنية العنف التي أساسها وأسسها الاحتلال.
وترى سراحنة أن التحديات الكبيرة التي تعاني منها الأسيرة يتطلب جهدا أكبر من الوعي والكثير من مسارات المعالجة وتحديدا في مرحلة ما بعد الإفراج، فالأسيرة أمام ماكينة السجن القاتلة بحاجة إلى ماكينة (حضن) اسناد مضاعف، وأكبر بكثير مما هو الحال عندما تكون في المعتقل.