الأصداء العربية للفوز الانتخابي للعدالة والتنمية في تركيا

حجم الخط
0

د. بشير موسي نافع

يعتبر فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة واحداً من الأحداث النادرة في تاريخ التجربة الديمقراطية في تركيا الحديثة. فلم يحدث منذ انتخابات 1954، التي خاضها الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندريس، بعد أربع سنوات من فوزه الأول وتشكيله الحكومة، أن استطاع حزب حاكم زيادة عدد أصواته في الانتخابات.

ولم تكن الزيادة التي حققها العدالة والتنمية بالشيء الهين؛ فمن الحصول علي 34 بالمائة من الأصوات في انتخابات 2002، إلي 47 بالمئة في الانتخابات الأخيرة، حيث بلغت نسبة المقترعين 80 بالمئة ممن يحق لهم التصويت. هذا نجاح هائل بكل المقاييس. ولعل واحدة من أبرز سمات هذه الدورة الانتخابية، أن أكثر من نصف أصوات المنطقة الكردية ذهب إلي العدالة والتنمية وليس للمرشحين القوميين الأكراد، المرتبطين بهذا القدر أو ذاك بحزب العمال الكردستاني. وهو ما يشير إلي أن ثقة الأقلية الكردية التركية في سياسات العدالة والتنمية تفوق الثقة في المقاربة القومية الانشقاقية لحزب العمال ومشايعيه. إضافة إلي ذلك، وضعت هذه الدورة الانتخابية نهاية غير احتفالية لأحزاب يمين الوسط، الطريق القويم والوطن الأم، مما يعني أن العدالة والتنمية قد أصبح بالفعل الحزب الأكبر للوسط السياسي التركي.

بعد أشهر من التأزم السياسي البالغ، الذي صاحب ترشح وزير الخارجية عبد الله غول لمنصب الرئاسة، واصطفاف المؤسستين العسكرية والقضائية والنخبة العلمانية معاً لإطاحة العدالة والتنمية، صوت الأتراك بقوة غير مسبوقة للحفاظ علي النظام الديمقراطي، للاستقرار السياسي والاقتصادي، ولنهج العدالة والتنمية التصالحي والوفاقي في التعامل مع الميراث العلماني المرهق للجمهورية التركية. وربما لم تشهد انتخابات برلمانية في المشرق اهتماماً عالمياً كما شهدت هذه الدورة الانتخابية التركية. من واشنطن إلي لندن، ومن الفاتيكان إلي طهران، وقفت العواصم العالمية تترقب نتائج الانتخابات التركية، بعضها كان يأمل بالفعل التخلص مرة وإلي الأبد من حكم هذا الحزب، الذي خلط أوراق علاقة تركيا بماضيها القريب وبالعالم الواسع من حولها. ولكن ما أن تأكد فوز العدالة والتنمية حتي توالت تصريحات الترحيب، لا سيما من العواصم الأوروبية، لتعكس حجم الفوز الذي حققه الحزب وحجم الاضطراب الذي أوقعه في السياسات الخارجية الأوروبية. ولكن صدي لم يسجل بحجم ذلك الذي سجل في العالم العربي، سواء في كتابات المعلقين العرب من كل الخلفيات، أو في استقبال القوي السياسية العربية. المدهش، أن كلا من طرفي السياسة العربية، الإسلاميين وغير الإسلاميين، اتفق علي التقدير الإيجابي للانتخابات التركية ونتائجها.

من وجهة نظر الإسلاميين، يعتبر فوز العدالة والتنمية مؤشراً قاطعاً علي أن من الممكن تأسيس نظام حكم ديمقراطي في المجتمعات الإسلامية تلتزم فيه القوي السياسية الإسلامية بشروط العملية الديمقراطية، وتحتكم للقانون وأصوات الناخبين. لقد تعاملت حكومة العدالة والتنمية الأولي مع الأزمة السياسية للرئاسة من خلال القنوات القانونية والدستورية، ودعت بعد تفاقم الأزمة إلي انتخابات مبكرة وهي غير متيقنة من الفوز. وبالنظر إلي السجل الغريب للعملية الانتخابية في تركيا الحديثة، فقد كانت احتمالات فوز حزب العدالة والتنمية بحجم احتمالات خسارته. وربما اعتقد كثيرون ممن راقبوا سلسلة التظاهرات التي نظمتها القوي السياسية والجمعيات والمنظمات العلمانية، في عدد من أكبر المدن التركية، طوال الشهور القليلة الماضية، أن العدالة والتنمية سيخسر الانتخابات لا محالة. في النهاية، صوت الأتراك لإعادة العدالة والتنمية للحكم علي أساس من سجله خلال الأعوام الأربعة الماضية، وعلي أساس من حملته الانتخابية الإيجابية، وفي مؤشر علي النضج السياسي التركي ورفض خطاب التخويف والإرهاب الذي تبنته الأحزاب العلمانية الراديكالية. بذلك، تعتبر تركيا مثالاً يحتذي علي إمكانية بناء السلم والاستقرار الداخليين، بدمج القوي الإسلامية السياسية في نظام ديمقراطي حقيقي، تكون فيه المرجعية لقانون البلاد وأصوات الناخبين.

من وجهة نظر غير الإسلاميين، أو حتي خصوم الإسلاميين، يقدم فوز العدالة والتنمية أيضاً مثالاً يستحق الاحتذاء عربياً. ما يراه هذا المعسكر الفكري والسياسي أن المشكلة الأكبر أمام المشروع الديمقراطي في المجتمعات العربية هي قوي الإسلام السياسي وليس استبداد نظام الحكم العربي. لأن الإسلاميين هم في بنيتهم الوراثية غير ديمقراطيين، ولأنهم يسعون بالفعل إلي توظيف مرجعية دينية حصرية ومدعاة للوثوب إلي السلطة، (بالطريق الديمقراطي، أو حتي غير الديمقراطي إن أمكن) ومن ثم الانقلاب علي أسس الحكم والدولة، فإن من الخطل السماح لهم باستغلال الديمقراطية لتحقيق أهدافهم وأجنداتهم المستبطنة. الدرس الذي تقدمه الحالة التركية، حالة فوز العدالة والتنمية في دورتين انتخابيتين متتاليتين، ونجاحه في حكم البلاد وسط ترحيب عالمي، أن ليس ثمة مشكلة مع انخراط الإسلاميين في النظام السياسي بشرط تخليهم نهائياً عن أجنداتهم الدينية وقبولهم القاطع بفصل الدين عن الدولة وقواعد العملية الديمقراطية.

تستبطن قراءة كلا الجانبين للحالة التركية الانطلاق من فكرة أن حزب العدالة والتنمية هو في حقيقته حزب إسلامي سياسي، أعاد النظر، بهذه الدرجة أو تلك، ببعض مقولاته. هذه الفرضية هي فرضية خاطئة، شكلاً وموضوعاً، جوهراً ومظهراً. وكنت أكدت علي هذه الموضوعة مراراً في هذا الموقع من “القدس العربي”، وهو ما يكرره قادة العدالة والتنمية في تصريحاتهم، وما أعرفه عن قرب من التجربة التركية، دارساً ومراقباً. بعض من، وليس كل، قادة العدالة والتنمية جاء من خلفية إسلامية سياسية؛ ولكن قرار تشكيل الحزب قبل سنوات ست كان قراراً بالانسلاخ كلية عن الميراث الإسلامي السياسي. برنامج الحزب، خطابه، سياساته، نمط الحكم الذي اتبعه طوال الفترة منذ فوزه في الانتخابات السابقة في خريف 2002، تشير كلها إلي حزب علماني، ليبرالي، محافظ، يقف علي يمين الوسط السياسي التركي، إن صحت مثل هذه التصنيفات. ضمن قيادات الحزب عناصر لا علاقة سابقة لها بحزب الرفاه، الممثل الرئيسي للتيار الإسلامي السياسي في تركيا الثمانينات والتسعينات؛ كما أن عدداً لا يستهان به من مرشحي الحزب في الانتخابات الأخيرة جاء من خلفيات حزبية علمانية راديكالية، بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري، الذي يدعي الوصاية علي الميراث الأتاتوركي.

ما يمثله حزب العدالة والتنمية في هذا الجدل بالغ الاشتباك (في تركيا وغيرها من الدول الإسلامية) بين ما هو علماني وما هو إسلامي ليس صنفاً مبتكراً من الإسلام السياسي، بل استئنافا لمحاولة تركية للمصالحة وإعادة التوازن، أجهضت قبل زهاء نصف القرن. والمقصود هنا هو عدنان مندريس وتجربة الحزب الديمقراطي. وقد أوضح مؤخراً عدد من المؤرخين الأتراك، الذين أعادوا قراءة مرحلة منتصف القرن العشرين من تاريخ تركيا السياسي، أن إفساح المجال للتعددية الحزبية وتشكيل الحزب الديمقراطي في 1945، بقيادة مندريس، الذي كان أحد الشخصيات الرئيسية في حزب الشعب الجمهوري، كان انعكاساً لتقدير كبار رجال الدولة والحزب الجمهوري، ورثة أتاتورك ورفاقه، بأن الاندفاعة العلمانية الراديكالية توشك أن تطيح بروح الأمة التركية وتقوض قدرتها علي العمل والنهوض، وأن مراجعة لسياسات الثلاثينات باتت ضرورية. نظراً لحداثة تكوينه، أخفق الحزب الديمقراطي في انتخابات 1945، ولكنه حقق نجاحاً كاسحاً في الدورة الانتخابية التالية عام 1950. وبكل المعايير، كان برنامج حكم مندريس بسيطاً، ولكنه بالغ الفعالية؛ إذ أن ما تعهده من إصلاحات لم يتجاوز إعادة الآذان باللغة العربية، تخفيف القيود علي الالتزام الديني البحت، بما في ذلك النشاطات الهادئة للطرق الصوفية، توكيد استقلالية الوقف، السماح بالحج بلا قيود، تأسيس مدارس لأئمة المساجد، وهكذا. لم يمس مندريس أسس العلمانية التركية، لم يأسلم القوانين، لم يجعل الشريعة مرجعاً، ولا اقترب من تحالفات تركيا الغربية، بل علي العكس عزز من انخراط تركيا في الاستراتيجية الأطلسية لعالم الحرب الباردة. في 1960، ولأسباب عديدة، انقلب الجيش علي مندريس، حاكمه، وأعدمه، ووضع بالتالي نهاية لمحاولة مصالحة تركيا مع نفسها، بعد أكثر من ربع قرن من حرب الدولة علي دين الأكثرية ومعتقدها وحياتها الروحية. وبذلك، دخلت تركيا حقبة من الاضطراب السياسي، ووضعت أسس الأسطورة التي تقول ان الجيش هو حارس العلمانية وضمانة بقاء الجمهورية.

خلال العقود التالية ازداد الاستقطاب السياسي التركي حدة. من ناحية، شهدت تركيا الحديثة، في اتساق منطقي مع معظم بلدان العالم الإسلامي، ولادة قوة إسلامية سياسية بقيادة المهندس نجم الدين اربكان. ومن ناحية أخري، تكرر تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وأصبح التيار العلماني الراديكالي أكثر فجاجة ولاعقلانية في دفاعه عن الميراث الأتاتوركي، بكل تطرفه ونزعته العدمية. لم تلغ كل إصلاحات مندريس، بل وفي بعض الأحيان أضيف إليها، ولكن نهج المصالحة الداخلية ظل متعثراً، ومرتبكاً، وعرضة لتيارات مد وجزر. ولعل تجربة إربكان وحزب الرفاه في الحكم، بالتحالف مع حزب الوطن الأم، في 1996 ـ 1997، التي أسقطها الجيش فيما يعرف الآن بالانقلاب ما بعد الحداثي، مثلت مفترق طرق. فقد أدرك اردوغان ورفاقه من قادة حزب العدالة والتنمية أن تركيا لا يمكن لها أن تتقدم وتتعامل مع إشكاليات التنمية، وأن تستعيد دورها الذي يؤهله لها موقعها وتاريخها، بدون مصالحة حقيقية وجادة مع الذات. خيارات العدالة والتنمية، تجربته في الحكم، وانتصاره الانتخابي الأخير، لا تقدم حلاً لإشكالية استيعاب التيارات الإسلامية السياسية في الحكم، بما في ذلك التيارات الإسلامية العربية. العدالة والتنمية هو حل من نوع آخر، حل لوضع لم تعان منه أغلب الدول العربية والإسلامية، وضع الدولة العلمانية الراديكالية التي تعتبر خصومتها مع الدين وحربها عليه مبرراً لوجودها. وبالرغم من نجاحاته المتوالية، فإن العدالة والتنمية لم يبدأ بعد، أو لم يسمح له بعد، بالتعامل مع القضايا الشائكة التي وضعت الجمهورية التركية في خصومة مع شعبها. ربما إن نجح الحزب قريباً في حل مشكلة رئاسة الجمهورية المستعصية، يمكن أن يتحرك فعلاً لإصلاح الاستقطاب الحاد في مؤسسات التعليم والقضاء والعدل، وفي العلاقة الشائكة بين المؤسسة العسكرية والسياسة.

المشكلة العربية، في المقابل، هي أبعد قليلاً من المشكلة التركية، ولكنها ربما لا تقل تعقيداً. وهي مشكلة تدور، باختصار، حول السؤال الكبير: كيف يمكن لمجتمعات فقدت إجماعها، أن تبني إجماعاً جديداً، وأن تقوم فيها أحزاب سياسية علي أساس من مرجعية إسلامية صريحة، إلي جانب أحزاب من خلفيات أخري؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية