كنت تحدثت سابقا عن الإتفاق الذي وقعته السلطة فيما يخص قناة ‘البحرين’ وكان الحديث، أن الأصل في الأمور ليس ما تقوم بتوقيعه السلطة، وليس هنا السؤال تحديداً بل السؤال الكبير هو السلطة ذاتها. واليوم، أكرر مرة أخرى، لا أضع في العنوان اسم الرئيس لأنني أريد قراء يعجبهم النقد لأجل النقد، والإتيان بأكبر الأسماء والإطاحة بها. بل إنني هنا، أقوم بتسمية الأمور بمسمياتها، ولا أحب الإختباء خلف إصبعي، والإتيان بوزير الطاقة لأنتقده هنا، فوزير الطاقة ليس بوزير ولا يحكم ولا يصنع قرارا إنما هو ينفذ سياسة الرئيس أبو مازن. ومن الواضح، أن الرئيس أبو مازن لا يلتف لآراء أحد، فقد قام رئيس دائرة المفاوضات صائب عريقات بالإدلاء بالعديد من التصريحات التي تطعن بجدية الطرف ‘ الإسرائيلي ‘ في المفاوضات، وأيضاً أدلى السيد محمد النتشة بدلوه فيما يخص نقد سير المفاوضات في مقابلة على قناة الميادين أجراها الصحافي ناصر اللحام. ولكن في المقابل لم نجد تصريحاً من قبل مؤسسة الرئاسة يرد على هذه التصريحات ويؤكد على جدية المفاوضات. ولأنني لا أحب الجدال والكلام الفارغ لا أريد أن أناقش أكثر في مسألة جدية المفاوضات. في المقابل أريد المرور على الحقائق، أريد الحقيقة التي نشاهدها يومياً. وأسأل نفسي وآخرون بالتأكيد يسألون انفسهم ‘ماذا يفعل أبو مازن؟ ‘ الأصل في الأمور: أبو مازن لا يوقع ليس لأنه لا يريد أن يوقع بل لأنه لا يستطيع، وقد أذهب إلى أبعد من ذلك، وأقول: ليس مطلوباً منه أن يوقع. ماذا سيحدث لو قام أبو مازن بالتوقيع على ما يريده الإسرائيليون؟ وعلى افتراض أنه لن يحدث الكثير من جانب الفلسطينيين، ولكن الإسرائيليين سيتضررون. كما يتكلم الواقع، فـ’ إسرائيل ‘ منسجمة مع نفسها فيما يخص الأرض والحدود والجغرافيا والإقتصاد والسياسة. هي تريد من أبو مازن أن يبقى يراوح مكانه وأن يبقى على الهامش، هناك في رام الله بعيداً عن القدس، يحرس ظهرها، وهو وهنا أقوم بالقفز نحو حسن النية يعتقد أنه يقوم بتحقيق حلم الدولة الموعودة. هو يحرس المكان، للإسرائيليين، ليقوموا برسم الواقع كما يحلو لهم، بهدوء، بروية، وبدون أي إزعاج من الطرف الفلسطيني. وهو هنا، وبجولات المفاوضات، يقوم بشرعنة ما تقوم به إسرائيل، ويقوم من خلال هذه الإتفاقيات التي تتلو بعضها بعضاً، برسم واقع جديد اقتصادي، بكبح جماح الشعب الفلسطيني التي هي مكبوحة من الأساس بالاعباء المعيشية. ولأعود إلى أصل الأمور، أبو مازن لا يوقع ولا يستطيع أن يوقع. لا يستطيع أن يوقع، لأنه أولاً ممنوع من عملية التوقيع. وثانياً، هو لا يجرؤ على أن يوقع على اتفاق صريح يتنازل عن كل الحقوق الفلسطينية، سيتم إغتياله حينها، آجلاً أم عاجلاً وهو يدرك هذا الأمر جيداً، والشعب الفلسطيني قادر على أن يفعل ذلك. على الأقل، أبو مازن يتمتع الآن ببعض الشعبية المزيفة، تحاول السلطة جاهدة أن تجعل من الرجل ذا كاريزما. دائماً يرددون، أبو مازن لا يريد أن يبقى، أبو مازن يريد أن يرحل.. ويستمر بالبقاء. ولأكن منصفاً أكثر، ولأنني أدعي أنني أتكلم في أصل الأمور، أبو مازن ليس وحيداً، وإن فكر في أي عمل بطولي، وهذا أمر مستبعد، كما فعل الراحل أبو عمار في مفاوضات كامب ديفيد، هو يعلم أيضاً أن آخرين مستعدون للحلول مكانه وشرعنة ما تبقى وتريد إسرائيل أن تشرعنه. ولأكون موضوعياً في حديثي، لا أتحدث هنا عن اتهام بالخيانة، أو بالعمالة أو بالتنازلات. لأن هذا المقال ليس مقالاً وطنياً والحديث في الوطنية لا يكون هنا ولا في أي مكان، جميعنا نعرف أين يكون. هنا، أتحدث في السياسة والسياسة وفي طبيعة الأمور، هي موازين القوة. وأبو مازن للأسف، لا يستطيع أن يوقع، خوفاً من شعبه، ولأنه ليس مطلوباً منه أن يوقع. وأيضاً، لا يستطيع أن يقوم بعمل بطولي، كالرحيل مثلاً. وهنا يتبين لنا، أن أصل الأمور ليس أبو مازن وحده، بل مجموعة من الشبكة العنكبوتية التي نمت فوق أكتاف أوسلو وهي محكومة بطبيعتها من قبل الإحتلال، برغبتها في بعض الأحيان، وفي بعض الأحيان الأخرى مرغمة. السؤال ليس اتفاق الغاز الذي سيحكم رقاب مطابخنا لعشرين عاماً أخرى.. ولكن السؤال هو السلطة والشبكة العنكبوتية، الكومبرادور.