الأصول الأيديولوجية لآلة القتل الجمعي الإسرائيلية

حجم الخط
0

د. محمد نعمة

إن غزارة دماء المدنيين التي هدرها الجيش الإسرائيلي وما يزال في لبنان، إن الدمار الهائل الذي أصاب البنية التحتية، في الأبنية السكنية وفي نواحيه الاقتصادية والصناعية والاجتماعية ليس كل هذا، رغم هوله وضخامته، علامة فارقة في تاريخ هذا الجيش. إن كثافة النيران التي تطلقها فوهات الحمم الإسرائيلية ونوعيتها وخاصة المحرمة دولياً أو تلك الأكثر تطورا وفتكا والتي تستعمل حديثا في لبنان وغزة، إن قذف آلاف الأطنان من القنابل بنفس الوقت برا وبحرا وجوا ضد أهداف مدنية عديمة الحماية، ليس كل هذا بجديد في تاريخ آلة القتل الإسرائيلية الحافل بالإنجازات. فمنذ مجزرة دير ياسين وبحر البقر وصبرا وشاتيلا وقانا الأولي ثم جنين إلي قانا الثانية والقاع والغازية والشياح وغيرها وغيرها وآلة القتل هذه لا تحيد عن مهمتها الأصلية ألا وهي: السيطرة ـ الإذلال. إن اقتلاع مليون مواطن لبناني في بضعة أيام (السيد اولمرت يعلن لصحيفة ألمانية بان هذا احد إنجازاته في الحرب)، ما هو إلا تكثيف لما يقوم به نظام القتل الإسرائيلي منذ سنوات في الضفة الغربية وغزة، من تدمير منهجي وشامل لكل مفاصل ومعالم الحياة العادية والآدمية.

إن ما تقوم به آلة القتل الإسرائيلية بحق اللبنانيين ـ ولو أنه أكثر دموية وخرابا ـ ليس إلا صورة طبق الأصل لما يحدث للفلسطينيين من حيث أن آلة القتل هذه تقوم بتخيير أعدائها بين الموت الجمعي والفردي وبين البقاء ولكن كدون البشر.

أما إذا أردنا التعمق بالأسباب الموجبة لنهم آلة القتل هذه وديمومته فاننا سنجد أنفسنا أمام الجذور التكوينية لعقيدة جيش دولة إسرائيل وهي:1- الجذر الأسطوري: يُعرف بان اليهودية والصهيونية هما عقيدتان مختلفتان، الأولي سماوية وهي الدين التوحيدي الأول والذي يَعتبر العبور أو الهجرة أو الانفلاش في الأرض من قبل الشعب اليهودي كجوهره وكهويته. إن هذا العبور يعاش ويُعقلَن كعقوبة إلهية علي خطيئة هذا الشعب وتمرده الأصلي وبالتالي فان الغفران لن يتم حسب التوراة إلا عبر الصلاة والتوبة. أما الثانية أي الصهيونية فهي أيديولوجية عرقية ترتكز علي الأسطورة التلمودية العودة إلي ارض الميعاد لليهودي فقط، أي أنها تخلط الإطار الديني بالإطار البيولوجي إلي درجة أن الولادة هي التي تقرر انتماء الفرد للدولة /العقيدة وذلك حتي لو كان هذا اليهودي الفرد غير مؤمن بالعقيدة اليهودية نفسها. هذه الصهيونية كعقيدة دولة إسرائيل تسحب أصولها المفاهيمية من المرتكز النظري لمسألة القوميات ولمسالة الدولة/الأمة في القرن التاسع عشر والقائم علي الفكرة السطحية الأوروبية بان لكل اتنية أو ملة حق في بناء دولتها الخاصة. ولأجل بناء دولة إسرائيل فان الصهيونية قد دفعت اليهود للتخلي عن فكرة الدياسبورا، أو التوطن في أصقاع الأرض والبقاء في كونية تحدد اللقاء التاريخي مع الآخر وتحافظ علي الإرث المشترك لعصر الأنوار. وذلك من اجل فبركة هوية جديدة هي خليط من شعور قومي خرافي ومن روح عسكريتاريا شبيهة بتلك العقائد القتالية التي نمت في أوروبا الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر كالفاشية أو الداروينية الاجتماعية والعرقية والتي تُرجمت في أواسط القرن العشرين ببحر من الدماء التي أغرقت اوروبا.

إذا كانت اليهودية تنادي بانفلاش اليهود في مشارق الأرض ومغاربها فان الصهيونية سعت وتسعي لحشر اليهود ووضعهم خلف جدران العزلة والانفصال عن العالم الخارجي. إن هذه العقيدة تعمل علي أساس أنها ملاذ مسلح ومحصن ضد العالم الخارجي والذي يعاش كتهديد وجودي دائم وبالتالي فالصهيونية بتجسدها في إسبارطة اليهود فإنها تؤسس لليهودي الشعور بالخوف تجاه الآخر الذي يتحول إلي موضوع دائم للشبهة والريبة، وبنفس الوقت تسلحه بالشعور بالقدرة وبالسطوة. إن هذين الشعورين يعملان مع أيديولوجية التمييز بين اليهودي / غير اليهودي (غونيم) أولا والسيطرة علي الآخر ثانيا، علي مأسسة عقلية للحرب ودافعية نفسية دائمة لها. 2- الجذر العارضي للحداثة: إن الصهيونية تنقل اليهودي من تاريخه الروحي وتحبسه في حداثة آنية، عبر تماه حثيث بما تم إنتاجه لدي الغرب من مواضيع النزعة القومية أو الاتنية، والسيطرة وتقنيات مناهج التمدد والتوسع. وهذا ما نجده حتي في العلاقة الحميمة بين الصهيونية وحداثة الدولة الغربية من جهة وبــــين عبادة العلم وتقنياته وذلك عل حساب الثقافة والتواصل. فإذ بالمعرفة العلمية تتحول إلي ضرورة أخلاقية من اجل التدمير والسيطرة. هنا العـــــلم يتادلج ثم ينتفي كونه طريــــقة مستقبلية وكونيـــــة وذلك كي يبدو عارضا مرضيا يعـــــبر عن تفلت الغرائز من جهة وعن المأزق الوجودي للذات الهدامة من جهة أخري. في الصهيونية وأيضا في أيديولوجية الحداثة الخاضعة لعبودية الأنظمة الآلية وسيادتها إن القدرة علي التدمير والتوسع تصبح وحدها معيارا تطبيقيا روتينيا لما يعرف بالتحكم الاحترافي للتقنية الحديثة، وبالتالي إن المبتغي اللاواعي لهذه الايديولوجيا يبقي ثابتاً وهو الحرب. بواسطة الحرب التدميرية تُشبع هذه الايديولوجية رغباتها بالسيطرة وتعيد إنتاج هذيانها حول سمو أخلاقية التدمير. من هنا تبدأ بما يسمي في الغرب حقبة الفراغ الثقافي والفكري عاكسة غلبة التكنولوجيا وأيديولوجيتها علي الثقافي والعلائقي المؤنسن. فمنذ الحرب العالمية الثانية ونحن نواجه نفس أيديولوجية القتل والهدم. إن ضخامة الخسائر في أرواح المدنيين (عشرات الملايين) في تلك الحرب والتي تعدت بكثير خسائر الجنود كانت نتيجة طبيعية لبدء عصر الحرب الخاطفة والتي لم تميز بين مدني وعسكري، بين موقع قتالي وبين تجمع سكاني. فإذ بالملايين من المدنيين يتساقطون ويموتون تحت ركام مدن بكاملها مثل مدينة كوفنتري ودرسدن وهيروشيما وناكازاكي وأيضا بمحو آلاف القري بأكملها وبتهجير شامل للملايين من اتنيات وأعراق مختلفة علي مستوي قارة بكاملها.

أما ورثة الحرب العالمية الثانية الحاليين فإنهم لم يزالوا في مسار زرع الموت والهدم الجمعيين، بحيث نجدهم وكأن ليس ثمة قطيعة زمنية ومجتمعية بين ذاك الماضي/ هناك وبـــــين الحاضر/ هنا. كل الوسائل هي بالنسبة لهم صالحة من اجل الهدف الأوحد وهو القتل الجمعي والمبرمــج. فكل ما توصل إليه العلم والمعرفة يبدو انه لا يستقيم بفعالية وبصلاحية إلا إذا استند علي جماجم الشعوب.

في آلة القتل الجمعي يوجد عامل البرمجة أو التخطيط البارد، بحيث أن القرار بالتصفية ليس عفويا أو انفعاليا وإنما مبرمج وهو موضوع اختبارات مسبقة علمية ورياضية. وبالتالي إن هذا القرار هو وليد أداء مؤسساتي متكامل وإن عملية اخذ القرار والتنفيذ هي مسألة متشعبة وهرمية ولكنها قصدية، أي من اجل المسح أو التنظيف العرقي أو القومي.

في خلفية آلة القتل الجمعي يوجد بالطبع أيديولوجية السيطرة والتحكم، ولكن من اجل نجاعتها ومن اجل إشباع هذه الأيديولوجية لا بد من وجود مُتخيل سياسي عرقي تجاه رفض الآخر والحط من إنسانيته. لأن القتل الجمعي يدخل ليس فقط في إشكالية عجز القاتل عن التكيف مع محيطه بغير آلة التدمير وإنما أيضا في إشكالية باثولوجية نفسية متجذرة في الذات القاتلة نفسها. من المؤكد بان قتل الجماعات لهـــــو علي المستوي النفسي في وضعية بارانوية فصامية بحـــــيث أن الآخر لا يري إلا كتهديد وجودي، كنفي للذات (الم يقل احد الإسرائيليين: إن هذه الحرب هي حياة أو موت بالنسبة لنا )، وبنفـــــس الوقت كموضوع ناقص الإنسانية ودوني. لذلك نري القاتل وأثناء فعله يسعي جاهدا إلي تحقيق هاجسه وهو إخضاع الضحية، ودفعها علي القبول بانسحاقها، وذلك كفعل حثيث لزعزعة توازن وجود الضحية ذاته.

من هنا إن ما نراه من مجازر ودمار بحق الفلسطينيين واللبنانيين يدخل بما يسمي ثقافة الحرب الشاملة بحيث أن السلوك الحربي يخرج من إطاره الإنساني ليدخل في إطار تعرية ونزع الانسنة عن الآخر أي بتبخيسه وبتحوله إلي دمية للوخز وللتقطيع والتي لا تستحق أية موانع أخلاقية، وبالتالي عندما يتم أيديولوجيا تخدير وتحييد الضمير بفعل غرائز التشيّؤ وتحقير الآخر فان القتل يصبح سلوكا عاديا، طقسا وضرورة أخلاقية. ہ مدير مجلة مدارات غربية ـ باريس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية