الأغلبية الصامتة تقود ربيعا جديدا في تونس

حسن سلمان
حجم الخط
0

عاشت تونس الأحد “ربيعا انتخابيا” قادته الأغلبية الصامتة عبر ثورة الصناديق التي وضعت مرشّحين من خارج المنظومة السياسية، هما الخبير الدستوري قيس سعيّد ورجل الأعمال نبيل القروي (مرشح حزب قلب تونس) في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية.

لم يكن مفاجئا تصدّر الرجلين للانتخابات الرئاسية، في ظل تراجع ثقة التونسيين بالطبقة السياسة الموجودة، في السلطة والمعارضة، والتي دأب رموزها على تقديم وعود “خلبية” تتصاعد وتيرتها خلال الحملة الانتخابية وتسقط بعد الوصول للسلطة.

لا شك أن أسباب عدة ساهمت في صعود قيس سعيد ونبيل القروي، أهمها الطريقة التي اعتمدها كلا الرجلين في مخاطبة التونسيين، وخاصة الأغلبية الصامتة التي فضلت في السنوات الأخيرة، النأي بنفسها عن السياسة وأهلها، بل إن نسبة كبيرة ممن التقيناهم في الشوارع التونسية، أكدوا أنهم لن يشاركوا في الاستحقاق الرئاسي لأنهم – ببساطة – يعتبرون أغلب المرشحين “لصوصا يبحثون عن المال والسلطة” هكذا عبّر أحد سائقي التاكسي.

لقد عرف سعيد كيف يستغل خبرته القانونية وقدرته الخطابية العالية لرسم “كاريزما” خاصة به، حفرت عميقا في وجدان التونسيين عبر خطاب مُقنِع يواكب حياتهم اليومية ويقدم حلولا لمشكلاتهم، ويسوّق له كرجل قوي يعرف كيف يدير دواليب الدولة، دون أن يتلوث باللعبة السياسية التي تُدار بالإعلام والمال الفاسد.

وخلال سنوات عدة ردد آلاف الشباب التونسيين مقولات معروفة لسعيد من قبيل “الدستور الحقيقي هو ما خطّه شباب الثورة على الجدران” و”هذه الجمهورية هي جمهورية واحد مكرر” و”تونس تعيش أيلولا أسود بسبب قانون المصالحة”، وهو ما يفسر قدرة سعيد على إقناع الأغلبية الصامتة بالتصويت له (46 في المئة من قاعدته الانتخابية ممن لم يصوتوا في انتخابات 2014).

فيما عرف نبيل القروي كيف يستقطب التونسيين البسطاء الذين أغدق عليهم “عطاياه” من مساعدات مادية ومعونات غذائية وخدمات صحية قدمتها الجمعية الخيرية “خليل تونس” التي يمتلكها، وهو ما دفع أحد المراقبين للقول إن نبيل القروي حل مكان الدولة في الجهات الفقيرة والمهمّشة. فبينما أدارت الحكومة ظهرها للفقراء والمهمّشين، كان نبيل القروي حاضرا لإعانتهم و”التخفيف من معاناتهم” وهذه حقيقة وإن كان باطنها “دعاية انتخابية”.

إضافة إلى ذلك، عرف قطب الإعلام كيف يستقطب عددا كبيرا من التونسيين عبر المسلسلات التركية التي تبثها قناته الخاصة “نسمة”، وتخللها عادة مقاطع دعاية تسوّق للقروي ولأعماله “الخيرية”، ولذلك كان من الطبيعي ألا تتعرف إحدى النساء في منطقة مهمّشة على رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، حيث خاطبته بقولها “يرحم خليل”، وهي عبارة يرددها الفقراء حين تلقيهم معونات من جمعية نبيل القروي، وترمز إلى ابنه الرحل خليل.

كان من الطبيعي أن يتصدر اسما قيس سعيد ونبيل القروي استطلاعات الرأي بشأن نوايا التصويت حول الانتخابات الرئاسية، طيلة عام كامل، إلا أن الطبقة السياسية لم تُحسن قراءة هذه النتائج بشكل جيد، لاستغلالها في تعزيز صفوفها وتعديل خطابها السياسي لإقناع التونسيين ببرامج جدية أكثر قُربا من المواقع.

 وهذا ما يفسّر استمرار الانقسام بين الأطراف السياسية المشاركة في الانتخابات الرئاسية، حيث فشلت محاولات أطلقها راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة ومنصف المرزوقي رئيس حزب الحراك، لاتفاق ما يسمى “أحزاب خط الثورة” على مرشح واحد، كما تواصلت الانقسامات بين أحزاب المنظومة القديمة، فيما فشلت الأحزاب الوسطية واليسارية في الاتفاق على مرشح واحد.

نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الأخيرة تؤكد أن الطبقة السياسية لم تصغِ حتى الآن إلى الرسائل المتواصلة من الناخبين التونسيين، والتي بدأت بفوز ياسين العياري (مستقل) في الانتخابات البرلمانية الجزئية عام 2018 متفوقا على مرشح الحزب الحاكم، واستمرت بفوز المسقلين بالمركز الأول في الانتخابات البلدية في العام ذاته، وقد تتواصل أيضا في الانتخابات البرلمانية، وهو ما يعني أن على الطبقة السياسية القائمة القيام بمراجعة جذرية، قبل استبدالها من قبل الناخبين بطبقة أخرى تعبّر عن الناس وتحاول إيجاد حلول حقيقية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى في البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية