الأقباط في وطنهم بعد الثورة.. المواطنة أولاً

حجم الخط
0

ترى لماذا يعيش بعض الأقباط في خوف دائم في وطنهم مصر؟ لقد تزايد هذا الخوف بعد اتساع المد الإسلامي بعد عام 1967. والآن لماذا يخشى الأقباط تنفيذ مبادئ الشريعة الإسلامية مع أن التفسير المستنير للشريعة لا يضُر الأقباط لأنه لا يفرض على غير المسلمين ما يفرضه عليهم دينهم؟ أصبح من السهل اهتزاز الوطن بأكمله لمجرد حادث بسيط قد لا يستحق الكثير من الاهتمام من أمثال اعتناق شخص ما لدين غير دينه فيثور الكثيرون، أو بناء مسجد في منطقة ما بها كنيسة قيد الإنشاء ولم تكتمل منذ فترة.. ثم تهدأ العاصِفة من دون أن نحل أي إشكال جذري أو أن نَتَعَمق في فهم أسباب المشكلة الحقيقية والتي قد يكون أهمها الخوف والقلق الذي أصبحنا نعيشهما في مصر. تذكرت ما قاله رشدي سعيد من أنه على طول التاريخ لم تحدث الفتنة الطائفية إلا في أوقات متباعدة نتيجة حاكم ضعيف يحاول أن يشغل الناس عنه وعن فساده وفشله وهو ما كان سائداً في مصر خلال العقود الماشية وتحديداً في فترتي حكمي الرئيسين السادات ومبارك. إن هذه الحوادث المتفرقة والأجواء المحتقنة تدفعني للتساؤل: ما هي هوية الشعب المصري الآن؟ وهل هي للدين أم للوطن؟ إن الإخوان المسلمين لا يمانعون في حال تولوا السُلطة أن تصبح مصر إحدى حواضر الخلافة الإسلامية.. مجرد حاضرة من حواضر الخلافة.. قد يكون مركز هذا الحكم باكستان أو أفغانستان حتى! تخيلت مصر بكل تاريخها نقطة في بحر ديني إسلامي لا يهتم للوطنية أو الخصوصية التاريخية. تذكرت أيضاً الأقباط في مصر، واستقواءهم الدائم بأقباط المهجر، خاصةً في الولايات المتحدة التي تتدخل في شئون مصر كلما مسهم طارئ معتبرةً إياهم ورقة ضغط على الحكومة. كلا الفريقين لم يلتفت إلى وطنيته وحب بلده. كلاهما مخطئ. إن في مصر الآن من يرى أن المسيحية يجب أن تنتهي من مصر كما انتهت من دول إسلامية أخرى. يعتقد البعض أن على الأقباط أن يدفعوا الجزية وألاَّ يخدِموا في جيش بلدهم! بل هناك بعض من المشايخ والمتعلمين تعليماً عالياً من يحض المسلمين على عدم التعامل مع المسيحيين جاهلين أو متجاهلين أن مقياس تحضر الأمة هو مدى معاملة الأكثرية للأقلية بتحضر. كان نتيجة كل ذلك أن تَقَوقَع الأقباط حول الكنيسة والتي أصبحت تُمثِّلهُم ولكن بدون فاعلية حقيقية، وإن كان لا يوجد أيضاً من يُمثِّل مَصَالِح المُسلمين الحقيقية في نظامنا السياسي المعاصر. ظهرت جماعات مسيحية متشددة في الداخل وإن كانت غير قادرة على استخدام العنف. أما في الخارج فقد تفاعل بعض مصريي المهجر مع ما يحدث وبعضهم تخطى تطاوله ما يرتكبه البعض من عنف أو الدولة من قصور إلى مهاجمة الإسلام، بينما أغلب المصريين وإن استاؤوا من بعض ما يحدث في مصر- وهذا أمرٌ طبيعي- إلا أنهم يمثلون الأغلبية الصامتة شأنهم شأن باقي مصريي المَهجَر أو في الوطن الأم- سواء أكانوا مسيحيين أو مسلمين’. كنت أعرف أن مشاكل الأقباط لها تاريخ وجذور في مصر.. بدءاً من تحجيم وتحديد حقهم في بناء الكنائس، وألا يتم ذلك سوى بتصريح من رئيس الجمهورية.. أما رئيس الجمهورية فقد نقل هذه الصلاحيات إلى المحافظين.. والمحافظون بدورهم كان يخشى كل منهم أن يتدخل بصلاحياته في هذا الملف الشائك.. فلم يكن يُصدر تصاريح بناء كنائس ويخشى غضب المسلمين. وفي المقابل كان تشييد المساجد أسهل كثيراً من ذلك.. كان هذا يثير حنق الأقباط ويجعلهم يشعرون بالتمييز في بلدهم كمواطنين.. خاصةً وأنهم يزدادون وتكثير أعدادهم.. نتيجة العوامل الطبيعية من الزواج والإنجاب.. إلخ.. بينما يظل عدد الكنائس على حاله. كانت نتيجة ذلك الغضب الذي يتفجر كلما وقع أي عمل شعروا فيه تمييزاً – وإن لم يكن يعكس ذلك. والأمر ذاته منسحب على وضع الأقباط وحظهم من التعيين في في الوظائف القيادية في سلك التعليم العالي بالجامعة المصرية عمداء كليات أو رؤساء جامعات.. وفي هذا ظلم كبير لهم.

هذه بعض الأفكار التي طالعتني وأنا أقرأ الكتاب الرائع (المسلمون والأقباط في التاريخ) للدكتور فكري أندراوس والذي يضع يده بأمانة وصدق كبيرين على أحد أهم مشاكلنا المجتمعية والقومية في مصر والتي تهدد السِلم واستقرار الحياة بها. أعتقد أن الثورة المصرية التي قامت لتؤسس مجتمعاً جديداً قوامه العدل والإخاء والمساواة يجب أن تنظر إلى المشاكل التي تراكمت في الملف القبطي وراكمت الاحتقان، فالإنسان المسلم والإنسان القبطي في النهاية هو مواطن مصري وكلاهما له حقوق. وعندما احتشدت مصر في ميدان التحرير لم نجد مصرياً يسأل الآخر عن عقيدته ليشاركه الثورة. وكما اجتمع العنصران في حب مصر واستشهدا من أجلها، ليس أقل عليهما من أن يعيشا لبنائها أيضاً.

حمزة قناوي – مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية