القدس ـ «القدس العربي»: لم تكن تصريحات وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير حول صلاة اليهود في المسجد الأقصى مفاجئة بمقدار ما كانت ردود الفعل الرسمية، حيث غابت الردود في مشهد دفع بكثيرين إلى الاستغراب والحيرة.
لقد قال بن غفير في مؤتمر عقد في الكنيست تحت عنوان «إسرائيل تعود إلى جبل المعبد» إنّه كان في الأقصى الأسبوع الماضي وصلّى هناك، وهو لن يسمح بالتمييز ضد اليهود المصلين في (الأقصى) وفق تعبيره.
وقال إنه يمثل المستوى السياسي الإسرائيلي وإنّه يسمح لليهود بأداء الصلاة في المسجد الأقصى.
وكان بن غفير قد اقتحم الأقصى في 2024/7/18 للمرة الثانية منذ بداية العدوان على غزة، والخامسة منذ توليه وزارة الأمن القومي.
ترافقت تلك التصريحات مع نشر نشطاء «جماعات المعبد» مقطع فيديو يظهر مستوطنين يؤدون سجودًا جماعيًا في أثناء اقتحامهم الأقصى، مرفقًا بتعليق: «اليهود الذين سمعوا بن غفير يعلن أن صلاة اليهود مسموحة بالأقصى سجدوا هناك».
وفي تغطية «القدس العربي» لتلك التصريحات تواصلت مع د. عبد الله معروف، وهو أستاذ دراسات بيت المقدس بجامعة إسطنبول، ومسؤول الإعلام والعلاقات العامة السابق بالمسجد الأقصى، حيث قدم توصيفه للسياق العام للتصريحات لكنه أضاف حقيقة مؤلمة مفادها أن تصريحات بن غفير هي واقع يومي في المسجد الأقصى.
وقال: «في الحقيقة لا أظن أن أي تغيير كبير سيكون على الأرض بسبب التصريحات لأن الوضع في الأقصى الذي تكلم عنه بن غفير للأسف هو واقع يومي في المسجد، فمن وجهة نظري، يجب ألا ندفن رأسنا في الرمال، فعلى أرض الواقع تغيرت الأمور في الأقصى، فالمستوطنون يصلون ويؤدون طقوسا بحرية وعلى عكس المسلمين الذين هم ممنوعون من أداء الصلاة».
إعادة تعريف المسلم
وفي مقال لمعروف نشر قبل أيام تحدث عما أسماه «إعادة إسرائيل تعريف المسلمين في المسجد الأقصى!» حيث رأى، وهو متابع دائم لمجريات الأحداث في القدس والمسجد الأقصى، أن المقدسيين بدأوا يلمسون نتائج تفاهمات «كيري» جون كيري عام 2015 إبان انطلاق هبة السكاكين في القدس، والتي أعطت حق الصلاة في المسجد الأقصى المبارك للمسلمين، وإعطاء «حق الزيارة» لليهود حيث وصلت ذروة ما ترتب عليها هذا العام خلال الحرب على قطاع غزة، وتمت تأدية أغلب الطقوس الدينية التوراتية داخل المسجد الأقصى المبارك خلال المناسبات الدينية اليهودية بشكل علني، وبدون أي رادع، ولم يبقَ إلا طقس القرابين الحيوانية الذي لم تتمكّن إسرائيل من فرضه خلال عيد الفِصْح في شهر نيسان/ابريل الماضي.
والمفاجأة التي يصدم معروف بها المهتمين تقول إن إقدام إسرائيل على تغيير تفاهمات كيري لا يعني أنها تريد تحويل الأقصى إلى مقدس مشترك بالتساوي بين المسلمين واليهود، بل إن الواقع يقول إن حكومة الاحتلال باتت ترى «ضرورة تقييد حرية العبادة الإسلامية في المسجد الأقصى المبارك في مقابل فتحها لليهود، وذلك للوصول إلى نقطة تعادل بين الطرفين تبدأ بعدها بتغليب الاعتبار اليهودي على الإسلامي في المسجد بالتدريج؛ سعيًا لجعل الاعتبارات الدينية اليهودية في المسجد الأقصى هي الأصل».
ويرى معروف أن أحد طرق تحقيق هذه السياسة يرتبط بتقليل نسبة وصول المسلمين إلى أدنى حد ممكن في الأقصى.
وتمكن يوم الجمعة نحو 35 ألف مصل فقط من تأدية صلاة الجمعة في رحاب الأقصى وهو رقم أقل بكثير من الأرقام التي تصلي في نفس الأوقات من الأعوام الماضية.
ويشدد معروف أن وزارة الأمن القومي الإسرائيلية بزعامة بن غفير أقرت التضييقات أولًا على المسلمين من سكان الضفة الغربية، وتبعهم سكان مناطق الخط الأخضر (فلسطينيو الداخل) ثم فلسطينيو القدس المسلمون من غير سكان البلدة القديمة، ومن ثم امتد مؤخرًا، وشكّل المسلمون من حملة الجنسيات الغربية ـ وفي مقدمتهم المسلمون البريطانيون والجنوب أفريقيون، حيث يطبق عليهم سياسة معاملتهم على أنهم «سياح» وليسوا «مسلمين» وهكذا بدأت تطبيق تفاهمات كيري عليهم، حيث يسمح لهم فقط بالدخول في أوقات زيارة السياح بعد وقت الصلوات.
ويرى معروف أن معنى ذلك أن إسرائيل قصرت مفهوم «الإسلام» ـ الذي تحدثت عنه تفاهمات كيري- على «الفلسطينيين» ولم يعد الحق الديني في دخول المسجد الأقصى في نظرها متاحًا لعموم المسلمين.
في مرحلة التقاسم
الباحث المقدسي زياد ابحيص يرى أن وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير وفي المضي في تنفيذ البيان الانتخابي الذي أوصله إلى موقعه: فرض الإحلال الديني في الأقصى وتغيير هويته من مقدس إسلامي إلى مقدس يهودي مروراً بمرحلة من التقاسم هي التي نعيشها اليوم.
ويقدم ابحيص جردا لممارسات بن غفير بحق الأقصى حيث افتتح مهامه في 5-1-2023 باقتحام المسجد الأقصى كأول عمل له في المنصب، ثم ما لبث أن أكد السيادة الصهيونية عليه وصلوات اليهود فيه كجزء منها في اقتحامه يوم 21-5-2023 في الذكرى العبرية لاحتلال القدس وفي الاجتماع الحكومي الموسع المشترك الذي عقد مع جماعات الهيكل في النفق الغربي تحت الأقصى في اليوم ذاته، ثم في 27-7-2023 وفي اقتحام «ذكرى خراب الهيكل» الذي قاده بنفسه تعمد أداء الطقوس التوراتية والصلوات داخل المسجد الأقصى، ناهراً شرطة الاحتلال التي رافقته وحاولت ثنيه عن أداء الطقوس بشكلٍ علني.
أما في العام الجاري فعاد في 5-6-2024 ليقول «في جبل الهيكل اليهود يصلون ويتباركون، فهم في مكان تحت السيطرة والسيادة (الصهيونية) وهو القدس» في إطار الغطاء السياسي لأحد أسوأ الاعتداءات على المسجد الأقصى في الذكرى العبرية لاحتلال القدس.
ويرى أن ما تبحث عنه الصهيونية الدينية التي ينتمي إليها بن غفير، وجماعات الهيكل التي تشكل واجهة هذا التيار للعدوان على الأقصى، هو المضي في التأسيس المعنوي للهيكل، أي فرض كامل الطقوس التوراتية في المسجد الأقصى ليصبح هيكلاً من ناحية الممارسة والعبادات، لعل ذلك يشكل مدخلاً للتأسيس المادي له.
ويشدد ابحيص على «هذه الخطة المرحلية لتغيير هوية المسجد دخلت حيز التطبيق في شهر 8-2019 بعد أن مُنيت محاولات التقسيم المكاني للأقصى بضربة كبيرة في هبة باب الرحمة مطلع ذلك العام، إذ أنها أفشلت محاولة قضم باب الرحمة وما يجاوره في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى، وهو الجزء الذي كان الصهاينة يتطلعون إلى قضمه وتحويله إلى مساحة مخصصة لليهود بعد عقدين من فرض الوقائع المتتالية فيه، ما دعاهم إلى ابتداع خطة مرحلية بديلة».
ويضيف في متابعته لمشهد الإجراءات في الأقصى: «الصهيونية الدينية اليوم تحاول استعادة الحيوية لبرنامج الحسم في الأقصى رغم الحرب ووقائعها، في محاولة للقفز عن صدمة السابع من أكتوبر، والقول بأنها ما تزال قادرة على الحسم رغم كل ما حصل».
ويتحدث ابحيص عن فهم نتنياهو للوضع القائم الذي يعني فلسطينيا وفي القانون الدولي الحفاظ على مقدسات القدس على ما كانت عليه قبل 5-6-1967 بما يشمل أن يكون المسجد الأقصى وإدارته وعمارته شأناً إسلامياً خالصاً لا تدخل فيه؛ لكن نتنياهو، الذي يلعب دور إبر المخدر عربيا بالتأكيد على أنه يحافظ على الوضع القائم، أوضح علناً خلال تفاهماته مع وزير الخارجية الأمريكي في 24-10-2015 بأن الوضع القائم في نظره مفهوم متغير، وهو يعني أن يبقى الوضع على ما هو عليه لحظة الحديث عنه، فكل تغيير يضاف إليه يصبح جزءاً من «الوضع القائم» لتلك اللحظة.
وبالتالي والحديث لبحيص، «حين يقول نتنياهو إن الكيان الصهيوني متمسك بالوضع القائم بعد صلاة اليهود في الأقصى يقصد أن يقول إن صلاة اليهود فيه أصبحت جزءاً من الوضع القائم حالياً، وهو بذلك يكمل عملياً ما بدأه بن غفير، بينما يمنح التخدير المطلوب على المستوى الرسمي».
ويخلص الباحث المقدسي ابحيص إلى أن تصريحات بن غفير اليوم هي إعلان رسمي لسياسة مرَ خمس سنوات على وضعها في الواجهة، تعمل على فرض الطقوس التوراتية في المسجد الأقصى كأداة استعمارية لتغيير هويته وفرض الإحلال الديني فيه، باعتبار ذلك بوابة مشروع الحسم في كل فلسطين المحتلة.
يذكر أن مؤسسة «القدس الدولية» أصدرت تقرير المشهد المقدسي عن النصف الأول لعام 2024 تحت عنوان «تصاعد الاعتداء على القدس والأقصى في ظلال العدوان على قطاع غزة» ويسلط التقرير الذي أعده الباحث علي إبراهيم، الضوء على العدوان على الأقصى واستمرار الاحتلال في فرض الحصار على المسجد وتقييد وصول المصلين إليه، ويشير إلى أبرز محطات التصعيد التي تضمنت عدوان ذكرى احتلال كامل القدس بالتقويم العبري، و«ذكرى تأسيس إسرائيل» والتضييق على المصلين في عيد الأضحى ومنع عدد كبير من المصلين من الوصول إلى الأقصى لأداء صلاة العيد حيث لم يشارك فيها هذا العام أكثر من 40 ألفًا مقابل 100 ألف في العام الماضي.
ويشير التقرير إلى الاعتداء على المسيحيين ومقدساتهم، ومن ذلك منع وصول المسيحيين إلى كنيسة القيامة في القدس القديمة للاحتفال بـ «سبت النور» و«عيد الفصح».
وعلى مستوى التهويد الديموغرافي، يستعرض التقرير أبرز المعطيات ضمن سياستي الهدم والاستيطان، ويشير إلى أن الاحتلال هدم أكثر من 84 منزلًا ومنشأة في شرق القدس في النصف الأول من العام، وهذا ما أدى إلى تهجير نحو 175 فلسطينيًا، وتضرر عشرات آخرين، في مقابل المصادقة على مشاريع استيطانية جديدة، إذ روّجت سلطات الاحتلال لخطط توسيع وإنشاء مستوطنات في الشطر الشرقي من القدس المحتلة، تضمنت بناء نحو 7000 وحدة استيطانية جديدة، من بينها 2500 وحدة جديدة في كل من مستوطنة «جفعات شاكيد» و«القناة السفلية» و«كدمات تسيون».