الأقصى يقترب… فتجهزوا للقاء!

حجم الخط
1

تغادر العيون كل يوم إليه، وتنظم الخليقة قصائد غزل في أرجائه وزواياه، وتغازل ذكريات طفولة وهجه آناء الليل وأطراف النهار، ونرمق طيفه في صور تناثرت في كل مكان، والقلب يناجيه لحظات السحر أملاً في إجابة من قدر قسا فأغلظ.
ما زالت صورته تزين جدران منزلي منذ نعومة أظفاري وحتى يومي هذا. أصادفها كل لحظة، والنفس تساورها أحاديث الصبا وأحلامه. أحلم كل يوم برؤيته محرراً تأتيه الجموع من كل صوب، وأستيقظ فجأة من جمال الحلم لأجابه واقعاً مريراً قاسياً لا يرحم ولا يذر ذرة من فؤاد عزيزة. فالمستوطنون يجوبون في ساحاته بلا حسيب أو رقيب، وأفعال التهويد تنال من مدينته القدس بلا اكتراث يذكر من بشر، واحتلال تضيق دائرته رويداً رويداً حتى علا أنين المسجد في الآفاق. أكتب هذه السطور، وأعمال الحفر تستمر في عمق أساساته بحثاً عن وهم، واستغلالاً لصمت شعوب على مر البصر. أصبح الصمت آيتنا، والكلام عن حقوق ذنباً، والفعل دفاعاً جريمة نكراء لا يؤمل العفو عنها ولو بعد حين.
أسأل نفسي مراراً عن العمل، والحنين يخالجني بلا هوادة. أصعب الحنين ذلك التوق إلى شيء لم تقابله يوماً، واكتفيت بسماع الأساطير عنه. لا تعلم ماهية اللقاء، ولا شكل العناق، ولا دفق المشاعر. تلمحه فقط في عيون الأجداد وبعضاً من أشعار وكتابات وكثيراً من أخبار. أشتاق إليه، وأنا لم أر ملامحه عن قرب ولو هنيهة. أضحى المسجد الأقصى القريب البعيد في آن واحد؛ هو القريب بحب دفين له حتى يخيل اتحادك معه في عوالم متوازية أخرى، وهو البعيد بسبب محتل استعمر واستوطن وطغى وتجبر. لعل طغيانه ليس من قوة قاهرة كامنة فيه، بل من ضعف استشرى فينا. أذكر محاولاتي المتكررة للولوج إلى ساحاته ومدينته، ولكن بلا فائدة ترجى. ترى القباب والمآذن من بعيد، ويدك تحاول التقاط أشعتها عبثاً عل المجد يلامسك ولو مرة. يتناهى إلى أذنك عبارات عبرية غير مفهومة، وعينك يتفجر منها الأسى والغضب. تدير بجسدك عائداً جاراً أذيال الخيبة، والرأس يعاندك في الالتفات خلفاً واعداً إياه بالعودة مرة أخرى في القريب العاجل. يخيل لك سماع صدى مناجاته، ومناشدته إياك بالكف عن البعد، والقلب يبــــكي عجزاً وقهراً. لا تملك سوى إعطائه وعوداً مواسياُ تقصيرك، وإبرام اتفاقيات مع نفسك وخياله تصبيراً في انتظار نصر تأخر.
تغرق في بحار معاناتك، وتعود لتقليب الصحف أملاً في قراءة خبر يسعدك من هنا أو هناك. لا تجد في جلها ومعظمها سوى المزيد من الأذى لقدسيته ومكانته. لكن قليلا منها يبعث في النفس كثير من أمل. هناك أخبار فيها بشارة وإن تراكمت على سطحها هموم غزيرة. فمقاومات أهل القدس، وكفاحات أهل فلسطين المستمرة تؤكد لنا أن القضية الفلسطينية لم تمت، وإنما هي حية ترزق بين ظهرانينا، تتنفس عزة وكرامة. تجتمع الدنيا على قطع شهيقها وزفيرها، وهي تأبى السكوت والخنوع للظلم. واحدة من مبادرات أهل فلسطين الخلاقة مؤخراً تشكيل أطول سلسلة بشرية من القارئين حول أسوار القدس. ربما ندر السلاح في أيديهم، إلا أن العزيمة ما انطفأت ولا خمدت ولا سكنت. إرادة المقاومة حديدية، والحق يعلو صوته في أزقة القدس وقرى فلسطين.
تسمع الآذان من مآذن المسجد الأقصى. تكالب الصهاينة على خفض صوته في حجة واهية ظاهرها تجنب الإزعاج، وأنا موقن تمام اليقين أن كل كلمة تصدر من منابره انتصار لحق سرق من عقود انصرمت. يظنون واهمين أن المطالب ستخبو مع الزمن، ويتناسون أن قلوباً عديدة تعلقت به. لا أخفي خوفاً عظيماً عليه، ولا أخفي أيضاً صوت الحق. أفضي إلى نفسي أحياناً بقرب ضرر جسيم يحل به، وأزيد تصميماً بتذكير كل من نسي في كل مقام ومقال بعدالة قضيتنا. لا تسعفنا الظروف بالدفاع عنه موتاً، لكن ستسعفنا حتماً أن نجعل فلسطين نبضنا ودماء سرت في العروق. لا تتوقفوا عن المطالبة بفلسطين قطعة كاملة، ولتكن رسالة من الأجداد إلى الأبناء إلى الأحفاد. فهي القريبة البعيدة، وأراها تقترب ببطء تشق ليلاً حالكاً. فتجهزوا للقاء!
حسام خطاب الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية