الأقصي مقابل المال
بروفيسور عبد الستار قاسمالأقصي مقابل المالفي حوار مع احداهن حول مسألة اعتراف حماس باسرائيل، سألتها عما يجب أن يكون موقف الفلسطينيين من مقايضة المسجد الأقصي بالمال، فأجابت ببيعه. تضع هذه الفتاة غطاء علي رأسها، وتقيم الصلاة وتصوم رمضان، ولا مانع لديها أن تشارك في الرحلات الشعبية الجماعية الي الأقصي، لكنها تريد من حماس أن تعترف باسرائيل، ولا مانع لديها أن تتخلي عن الأقصي الذي ترتحل اليه مقابل المال. هذه حالة ليست فريدة الآن علي الساحة الفلسطينية، وهي تشكل نموذجا لقطاع واسع من الجمهور الذي لا يري منفذا أمامه نحو لقمة الخبز سوي المال الغربي والرضا الاسرائيلي.بعض العرب والمسلمين يرون أنه من الضروري أن تعترف الحكومة الفلسطينية باسرائيل، ظانين أن الاعتراف عبارة عن كلمات تقال دون تبعات اضافية. هنا أوضح الأمور التالية:أولا: يترتب علي الاعتراف باسرائيل نزع سلاح حماس وتحويل الحركة الي حزب سياسي، والعمل علي نزع سلاح كل فصائل المقاومة الفلسطينية، واقامة علاقات تطبيعية مع اسرائيل، والقبول بالشروط الأمريكية والاسرائيلية، والقيام بمهام أمنية بالنيابة عن اسرائيل وذلك دفاعا عن الأمن الاسرائيلي. هذه كلها أمور ترتبت علي عرفات بعد التوقيع علي اتفاق أوسلو، وقد أقيمت الأجهزة الأمنية الفلسطينية لملاحقة من يسمون بالارهابيين وللدفاع عن الأمن الاسرائيلي.ثانيا: علي ماذا سيحصل الفلسطينيون مقابل اعتراف الحكومة الحالية باسرائيل؟ الجواب واضح من خلال ما حصل عليه عرفات مقابل هذا الاعتراف. أدي الفلسطينيون سابقا أغلب المتطلبات الاسرائيلية بما فيها اعتقال فلسطينيين متهمين بالارهاب، والتنسيق الأمني مع اسرائيل بما في ذلك توفير المعلومات عن النشاطات الأمنية لفصائل المقاومة الفلسطينية مقابل رواتب لموظفين لا يقدم أغلبهم أي خدمة مفيدة للشعب الفلسطيني. مقابل ذلك أيضا، قضي عرفات سنيه الأخيرة منبوذا من قبل من ظن أنهم سيعطون الشعب الفلسطيني شيئا بالمقابل.ثالثا: اذا كان علي الحكومة الحالية أن تعترف باسرائيل مقابل المال، فماذا يجب أن يكون موقفها اذا طلبت اسرائيل وأمريكا منها التخلي عن القدس مقابل المال، أو التخلي عن حق اللاجئين مقابل المال؟ هل يتنازل شعب فلسطين عن كل حقوقه اذا كان ذلك سيوفر الرواتب لموظفين فلسطينيين؟ علينا أن نتوقع أن الذي يطلب من الفلسطينيين موقفا الآن مقابل الرواتب سيطلب مستقبلا مواقف أخري مقابل استمرار صرف هذه الرواتب، والفلسطيني الذي يري عكس ذلك، لا يري أبعد من رأس أنفه. أي أن الارادة السياسية الفلسطينية ستصبح في كيس أصحاب المال.رابعا: اذا طأطأت الحكومة الحالية رأسها الآن واعترفت باسرائيل، فبناء علي أي مبدأ أو برنامج سينتخب الفلسطيني في الانتخابات القادمة؟ طبعا سينتخب الفلسطينيون مستقبلا بناء علي رغبة الممول وليس بناء علي قناعات وطنية أو اسلامية، ذلك لأن التجربة تكون قد أثبتت أنه لا فرق بين هذا الفصيل أو ذاك، وأن الفصائل جميعها تنبطح في النهاية أمام قوة المال. أي أن الارادة الانتخابية تصبح بلا معني، ولا ضرورة عندها أصلا لاجراء انتخابات.اذا اعترفت الحكومة الفلسطينية القائمة حاليا باسرائيل، فان أهل الغرب واسرائيل سيصبحون علي يقين بأن الفلسطينيين يتنازلون أمام المال، وأن المواقف يمكن ابتزازها بسهولة في كل مرة تُغلق فيها حنفية المال.خامسا: يؤدي الرضوخ للشروط الغربية الي مزيد من الانهيار في المعنويات الفلسطينية ذلك لأن الركوع أمام الآخرين أشد وطأة علي النفس الانسانية من الجوع. الجوع مؤلم، وشح المال يشكل ضائقة صعبة جدا، لكن الانحناء أشد ايلاما لأنه عبارة عن تمزق ذاتي واستمراء للذل وقهر للنفس، وتغييب للعقل. ولهذا من المتوقع أن يؤدي الاعتراف الي المزيد من الخصومات الفلسطينية والتنافر والكراهية والأحقاد. يخطئ من يظن أن الانحناء أمام ارادة الغير يقود الي وحدة الأمة، بل العكس هو الصحيح، وأولئك الذين يدعون حماس الي الاعتراف باسرائيل لا يدرون الي أي هاوية يلقون بشعب فلسطين. وقد عبّر عن هذا الجهل شاب فلسطيني خرج من المعتقل الاسرائيلي بقوله لص يطعمني أفضل من صالح لا يطعمني . هذا تدهور أخلاقي مرعب لا يقبله الا جاهل أو متآمر. ولنا أن نتصور كيف يمكن أن يكون شعب فلسطين اذا استسلم للصوص ونحي الصالحين جانبا.ما يجري الآن علي الساحة الفلسطينية ليس وليد اللحظة، ورغبة قطاع واسع من الشعب الفلسطيني في التنازل لاسرائيل وأمريكا ليست طارئة. لقد بذلت جهود ضخمة من أجل ايصال الشعب الفلسطيني الي هذا الموصول الذي تقف فيه امرأة تدافع عن مقايضة الأقصي بالمال. تم تدريب هذا الشعب علي مدي أربعين عاما علي التسول، وتم نفي فكرة الاعتماد علي الذات عبر هذه السنين، وتم تدمير قواعد البناء الاقتصادي والنسيجين الأخلاقي والاجتماعي، ولا غرابة أن تصل ببعضه الأمور الي حد خلع جلده تماما مقابل متاع دنيوي رخيص.دعوت تلك الفتاة التي لا مانع لديها من بيع الأقصي لأن نعمل معا نحو تشجيع الانتاج الفلسطيني والتخلي عن البضائع الاسرائيلية فقالت لي بأن نوعية المنتوج الاسرائيلي أفضل من نوعية المنتوج الفلسطيني والعربي، ودعوت ذلك الشاب الذي لا مانع لديه أن يأكل من كفي لص فقال لي بأنه فتحاوي حتي النخاع. وهنا أدعو الحكومة الي تبني سياسة الاعتماد علي الذات ما أمكن، وعلي الأصدقاء من العرب والمسلمين لسد الحاجة، ذلك لكي لا يصبح بيع الأقصي شعار المرحلة، واللصوصية أساس السلوك القويم، وآمل بألا تجيبني بأن الحصار شديد. لم تتم حتي الآن دعوة الخبراء والمختصين لمناقشة سبل الاعتماد علي الذات، ووسائل الخروج من الأزمة بقدرات ذاتية، لكن القيادات لم تدخر جهدا للمنابزة في وسائل الاعلام. حتي أن المشاريع المعلنة للنجاة من الحصار لم يناقشها أحد سوي الذين قدموها. ليس هكذا تُقاد الشعوب. ہ كاتب من فلسطين8