الأقليات السورية.. شيزوفرينيا الهوية

حجم الخط
0

تأخذ الهوية شكلها حين يتفاعل الإنسان مع العصر وتتبلور بشكلها الصحي حين يَتذاوَت، فتأخذ من الآخر بقدر ما تكون انعكاساً للذات، وتحمل بعدها المتغير دليلاً على صحة تكوينها، ومن هنا ليست الهوية الثابتة سوى إسطورة تُبنَى من الخوف من أن نكون ما ليس نحن، فتقاوم التغيير بقدر ما تقاوم الآخر. ومن الطبيعي أن تغري إسطورة الهوية الثابتة نظاماً قائماً على الإستبداد وإهانة الفكر، كنظام الأسد الأب وبعده الإبن، وخصوصاً بعد أن أضاف بعداً إيديولوجياً قومياً فأتى بمفهوم ‘ميتافيزيقي’ للمواطنة والإنتماء. بموجب هذا المفهوم اختزل الهوية في مفهوم إسطوري يضمن سيطرة الحزب القومَويّ وتقديم القائد كرمز للأمة العربية ورمزاً للعالم إذا ما أقتضت الحاجة. فنجد أن الهوية السورية تعيش أساساً أزمة مفهوم ويتبعها، منطقياً، أزمةُ تحديد أيضاً.ولم تستطيع الثورة السورية ضد نظام الأسد منذ قيامها إلى الآن أن تحدد هوية بارزة باستثناء الهوية الإسلامية (الإخوان المسلمون والجهاديون) وهوية يمثلها بعض الليبرالييين وإن كانوا أضعف جداً. وهذا ربما يكون طبيعي أمام حراك قام في الأساس للتعبير عن حاجات إجتماعية ولصون الكرامة ولم يحمل نظرية سياسية فكرية معينة بل أنه حراك غير محدد الأهداف، باستثناء إسقاط النظام، مؤكداً عدم شذوذه عن كل ثورات ‘الربيع العربي’ التي سبقته.بالتوازي مع الإلتباس المفاهيمي في مفهوم الهوية أنجز النظام وبشكل ممنهج التباساً آخر لمفهوم الأقلية، ونجح في ربط مفهوم الأقليات بمفهوم الإنتماء الديني والطائفي، وسلَّمَت المعارضة السورية ، إلا ما ندر، لهذا المفهوم فأخذت تبني خطابها بالتناغم معه دون التفكير في نَسفِهِ لتقع في هذا المطب المفاهيمي فتتحدث منطلقةً من مفهومٍ غير سليم للأقلية والأكثرية مصدِّرةً افكاراً اعتقدت أنها صحيحة بالمعنى السياسي مثل ‘سياسة تطمين الأقليات’ أو تخصيص مقاعد تمثلها في هيئات المعارضة بالرغم من أن الثورة السورية ببعدها الإجتماعي فرصة حقيقة لأن تَصنَع ثورة هويَّاتية مفاهيمية لكن لو أنها اقترنت بوعي سياسي من المعارضة لتلك المسألة، بأن تقدم خطاب حداثي للهوية والوطنية وبأن تقدم الأقلية والأغلبية بالمعنى السياسي والثقافي بدلاً من البناء على مفهومٍ طائفي يجيد النظام الخطاب ضمنه والمناورة من خلاله.أدت سياسات النظام الخبيثة وفشل الثورة والمعارضة في تحديد مفهوم واضح للهوية في خطابها وأدائها إلى تكون هوية شيزوفرينية بين الطوائف السورية الأقلية. فمن جهة عادت إلى مخزونها الثقافي المغلق المتمثل في البعد الديني والعادات والتقاليد لتفهمه هويةً خاصةً بها وليتكون اعتقادها بأن ما يدور في البلاد ليس فيه ما يعني كينونتها وهو ليس قضيتها ففضلت الصمت وعدم التدخل. وانجذبت، من جهة أخرى، لدعوات الحرية والعدالة الإجتماعية وتحقيق الديمقراطية التي تضمن الحقوق وتخلص المجتمع من الإستبداد والديكتاتورية فكونت هوية حالمة بالحرية، تنشد الدولة المدنية التي تساوي بين مواطنيها ولا تفرق على أساس عرق أو دين، ولم تتردد هذه الهوية في الإنسجام مع أي تيار لا يحمل تطرفاً دينياً وكذلك لم تتردد في نقد التطرف ودعوات أسلمة الثورة. واتجه آخرون للوهم بأن النظام القائم يجب ألا يتغير لأنه ‘حامي الأقليات’ من التطرف والإرهاب ومن المخربين المجاهدين والمندسين، وبئس المصير مصيرهم إذا انهار النظام حيث القاعدة والنُصرة هم البديل، وتلك ليست هوية طائفية تعود للدين أو المذهب بل هوية إيديولوجية وهمية صُنِعَت، بامتياز، من قبل النظام وجهازه الأمني بشكل ممنهج عبر سنين حكمه، وربما ساعد على تعزيزها بعض الممارسات المتطرفة في الثورة السورية والغير مضبوطة بمرجعية عقلية.اليوم، بعد الثورة، يتجدد معنى أن تكون سورياً ويتجاوز واقع الإنسان المقهور الذي يرضى بما يسمع ويطيع من يَأمُر، ولا هوية سورية وطنية دون الإتفاق على مفهوم الهوية ذاته بإدراك الماهية غير الثابتة للهوية، والقناعة بأن التغيير يمكن أن يطال ما يندرج الآن ضمن المسلَّمات.د. مضر رياض الدبس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية