الأقل مبيعا!!!
خيري منصورالأقل مبيعا!!! غالبا ما تذكر بعض العناوين بما يناقضها، ونادرا ما تستدعي مثيلاتها، وعبارة الأقل مبيعا تستدعي علي الفور الأكثر مبيعا، وهو مصطلح مستعار من معجم السّوق، حيث يتم التعامل مع الكتاب بوصفه سلعة، ورغم ان ثنائية الاكثر مبيعا والأقل مبيعا قدر تعلقها بالكتاب تستحق دراسات معمّقة وميدانية الا ان الامر متروك للاحصاءات الصمّاء، بحيث لا ندري أية شرائح اجتماعية تقبل علي شراء رواية ما او كتاب ما في التاريخ والانسانيات، خصوصا في مجتمعات تعيش مرحلة انتقالية، قدم في الماضي وقدم في المستقبل، فيما يبدو الحاضر كما لو انه فراغ بانتظار ما يملؤه، وهنا لا بد من احتراز، يقينا من تقويل شبه محتّم، اذ غالبا ما تبدو المقاربة مفاضلة، وكأن الكتب الاقل مبيعا هي الاهم او العكس.حقيقة الأمر ان هناك كتبا تعتبر الاكثر مبيعا هي عديمة القيمة بكل المعايير، لكن عناوينها تبدو أفخاخاً تستدرج القاريء من كبته المزمن، سواء كان سياسيا او جسديا! فها روايات تقدم بديلا لأفلام البورنو، لكنها تمتاز عنها بكونها تنتسب الي مؤلف او مؤلفة عربية، وتبدو احداثها قابلة للتصديق، كأنها سيرة ذاتية، وهناك روايات معروفة استدرجت الناشرين لاعادة طباعتها عشر مرات، بسبب اقبال القرّاء، مما جعلها في الصدارة يتعثر بها المارة علي أرصفة الاكشاك، لكن هذه الروايات لم تظفر بنقد جاد يصنّفها او يضعها في نطاق موروثها وموروث النوع الأدبي الذي تنتمي اليه!وهناك كتب اخري غير أدبية، يزعم مؤلفوها انها من سلالة التاريخ، تهدف الي تسطيح الوقائع، واختزال الاحداث اضافة الي شَخْصَنَتها، وتقدم من خلال اساليب سردية بالغة الرثاثة ما يسيل لعاب القاريء نصف الأمي، وهناك مئات من هذه الكتب راجت وما تزال تروج بعد حروب الخليج الثلاث.منها كتب الّفها جنرالات متقاعدون، وأخري لفقها هواة السيناريو فنسجوا علي غرار لورين وبمنواله، حيث تبدو المشاهد التاريخية أشبه بمسلسل درامي طبخ علي نار ذات لهب وبقيت الأنساغ نيئة.وقد يستغرب البعض ان الكتب الملفقة عن حروب الخليج ومنها بدائل صدام حسين، وكونه لا يزال حيا هو وابناه، تعاد طباعتها عدة مرات وتباع علي الأرصفة، وأخطر ما في هذه السلالة من الكتب انها تسطو علي التاريخ الحقيقي، وتقدم بديلا سينمائيا ورومانسيا بالاسود والاسود،لأن البياض بكل معانيه يقع خارجها تماما! نذكر ان عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي شهدا تضخما ملحوظا في عدد الكتب المتعلقة بالماركسية والفكر القومي، اضافة الي الموجة الوجودية العارمة التي امتطاها ناشرون ومترجمون بعضهم لم يفرق بين جذور شجرة الكستناء والسلاحف الصغيرة، لكن الأفول الذي آلت اليه الماركسية في نهاية الحرب الباردة والذي أصاب الدول العربية ذات الايديولوجيا القومية في الصميم، خلّف فراغا عاصفا، دفع معظم الناس الي البحث عن احتياطي فكري كما يفعل البعير عندما يجوع، فيلوذ بسنامه، والتاريخ هو سنام الانسان لا البعير عندما يشح الزاد والماء، لهذا عادت البكائيات الاندلسية الي الذاكرة الجريحة بعد هزائم متعاقبة وإحباط أدي الي القنوط.لكن اي تاريخ ذلك الذي لاذ به المهزومون؟هل هو تاريخ جوفي مسكوت عنه، ومحظور، ام التاريخ الرسمي الذي كتبه مؤرخوه تحت املاء السّيف ؟لقد كان التاريخ الرسمي الذي لاذ به المنكوبون والجرحي في عمق نرجسيتهم القومية، حمولة اخري تضاف الي الهزائم الرّاهنة، لأنه تاريخ معقم وداجن، وابطاله هم في الحقيقة كومبارس رغم انهم اختطفوا دور البطل بالقوة.ان تاريخا يقدم عبد الرحمن الداخل وأبا عبد الله الصغير في كراس واحد، هو تاريخ يحتاج الي غربال ضيّق الثقوب وموشك علي العمي لأن نعومة الزؤان ومراوغته قادرة علي الإفلات والاختلاط بالقمح.لهذا نشعر بالاسي العميق حين نقرأ لمستشرقين طالما وصفوا بالاعداء لأنهم مسوقون بسوء النية وليس بهاجس البحث الموضوعي، فنجد انهم الأقدر علي تفكيك الحدث خصوصا عندما يكون ملتبسا وذا روايات متعددة، ولو كان لابن خلدون أحفاد يليقون به لعمّقوا الاتجاه الحفري الذي دشّنه عندما بدأ يقارن بين الروايات لترجيح واحدة علي الاخري من خلال القرائن وليس استجابة للهوي!لكن لابن خلدون احفادا ليسوا من صلبه، انهم من ثقافة اخري ولغة مغايرة، لكنهم فهموا اطروحة هذا العالم ولم يكتفوا بالاحتفال به واطلاق اسمه علي الشوارع وحوانيت الأحذية والمدارس الابتدائية!ہ ہ ہوقد تكون كتابات ابن خلدون من الفئة الأقل مبيعا في المكتبات العربية، رغم انه يقدم تحليلا لمعظم الظواهر التي نعيشها أعمق باضعاف مما يقدم المعاصرون، تماما كما ان عبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الافغاني يصلحان لإضاءة هذه الأنفاق التي نحشر فيها بالملايين اكثر من كل ما لدينا من كهرباء!ان الاكثر مبيعا من الكتب او اية سلعة أخري لا يعني علي الاطلاق الأفضلية، ما دامت هناك ثقافة اعلان، وسيالة لعاب بافلوفية تختطف الوعي، مثلما تخطف الأبصار! وقد شهدت العقود الثلاثة الماضية صدور عدد من الكتب النقدية والتاريخية والمعرفية تستحق اعادة النشر عشرات المرات، لكنها لم تكن من السلالة التي تتسول غرائز القراء، اضافة الي كونها غير مرغوب فيها سلطويا ورقابيا، واعجب ان كتابا مثل اليمين واليسار في الاسلام للراحل احمد عباس صالح لا يعاد نشره في هذه الايام، وهو ليس الوحيد لكنه مجرد مثال!بالمقابل ليست الكتب الأقل مبيعا هي الأفضل، فقد يكون بعضها مجرد ركام من الورق، وحين يعزف الناشرون العرب عن نشر الشعر لأنه سلعة كاسدة، فهم يكرسون واقعا يحتاج الي تغيير، والي حراك يحرره من الاستنقاع، لكن الخضوع للسائد في كل شيء، واعتباره مشروعا لأنه قائم فقط من شأنه ان يضاعف التخلف، بل يوفر له عجلات اضافية تدور بنا الي الوراء، ذلك لأن للتخلف قوانين نمو مضادة، وله ساعة عقرباها قد يدوران بانتظام الي الوراء، أما الادعاء بأن اسعار الكتب اصبحت فوق ما يطيق العربي المتورط بشروط اقتصادية ساحقة، فهو ليس معيارا يمكن الارتكان والاحتكام اليه، لأن هناك كتبا تصدرها وزارات اعلام وثقافة ومؤسسات رسمية باسعار متدنية لكن الناس يعزفون عنها لإدراكهم بأنها من تفريخ حاضنات متخصصة في التدجين والاخصاء!ان منطق الاكثر مبيعا وهو مستعار من عوالم اخري لا علاقة لها بالثقافة والابداع جعل رواية قليلة القيمة تفترس عشرات الروايات لأنها تستعيض عن الابداع بالطّعم الشهيّ الذي يستدرج القاريء المكبوت، لكن عمر هذه السلالة من الكتب سواء كانت روايات او اشعارا او حتي من التاريخ قصير جدا لأن لها منافسات مرئية، وقد تكون أدني ثمنا، كأشرطة الفيديو والسيديهات! وهناك تجربة لفحص القراءة عند العرب قدمها منير العكش قبل عقود، اعود اليها الان لأجد ان الزمن أثبت صدقيتها، فالشعراء الذين كانوا في ذلك الوقت مقررين علي الجميع، غربوا مع موتهم، ولم تشهد اشعارهم قيامة من أي نوع، لأن الاستجابات التي كانت رائجة لما يكتبون هي افراز عضوي بامتياز!ہ ہ ہتنقلنا ثنائية الاكثر مبيعا والأقل مبيعا قدر تعلقها بالكتاب الي مستوي آخر ذي صلة بالابداع، فالشاعر المقلّ ليس هو الأفضل بالضرورة، كما ان الكثرة ليست نقيصة بحد ذاتها، فهناك شعراء بعضهم اصدر من الكتب بعدد سنوات عمره المديد، وكان لديهم من فائض الطاقة والابداع والقدرة علي تجاوز الذات ما يصونهم من الاجترار والتكرار، بخلاف آخرين بعضهم أصدر كتابين او ثلاثة… لكنها شحيحة الماء وتقترض من بعضها.لهذا فالاقلال ليس امتيازا الا اذا كان كما وصفه احد النقاد وهو يكتب عن رواية الفهد للامبيدوزا الايطالي، فقد قال ان مؤلف الرواية اليتيمة اعاد الي كلمة الانجاز اعتبارها المفقود..لكن هل يعتذر ديستويفسكي عن وفرة نصوصه؟؟ ان المقياس هنا يحتاج الي اعادة صياغة، تماما كالسؤال المبهم المبتور، كي نتمكّن من الاجابة، اما اسوأ افرازات الثقافة التي تغرف مقولاتها من ارث منقع في أدبيات التحاسد وتبادل النّبذ، فهو وصف من لا تروق لهم عبارة الأكثر مبيعا علي انهم محرومون من هذه النعمة، لهذا فهم يعبرون عن احتقان ذاتي او حسدٍ للآخرين.اننا نخسر كثيرا من الوقت والجهد محاولين تجنّب مثل هذه الاتهامات السّهلة الجاهزة والمستعارة من ملكوت آخر لا علاقة له بالكتابة، لهذا نؤثر الصمت احيانا خشية من التأويل السلبي الذي يصل حد التقويل، وهذا بحد ذاته تواطؤ مع المسكوت عنه، ويبدو اننا جميعا لا نزال حائرين بين جنة نشتهيها ونارٍ نزعم اننا نتلذذ بالاقامة فيها.فالشاعر الحديث الذي يعلن اطروحته المضادة للذائقة السّائدة يتمني لو ان المارة كلّهم يأتون الي القاعة التي يقرأ فيها قصائده، رغم ان ذلك ليس في صالح اطروحته في نهاية المطاف..والمثقف الذي لا يحقق درجة من الانسجام مع ذاته، ويضع قدما في حذاء الطنبوري وقدما في حذاء رياضي حديث عليه ان يقبل اخيرا بحصته من تلك الحكاية التي فقد فيها الغراب المشيتين، فلم يصبح حمامة ولم يعد الي ما كان عليه!!!!ہ شاعر وكاتب من الاردنQMK0