في روايته (الأقنعة) يذهب أحمد عبد الملك في مشروعه الروائي بعد (أحضان المنافي) و(فازع) و(القنبلة) إلى مقاربة الاجتماعي- السياسي في منطقة الخليج العربيّ، حيث تشكّلت في القرن الماضي بنية سياسية ديمغرافية، تحاورت مكوناتها في البناء الاجتماعي المتجدد.
وفي عملٍ متزامن مع منجز الشارع العربي في الأعوام الثلاثة السابقة. يعود أحمد عبد الملك إلى أسئلة أحضان المنافي، مقلصاً من مساحة المكان إلى فندق بعيد في لندن، مذكّراً بميرامار نجيب محفوظ، حيث يضيق السرد ويهيمن الحوار.
ثمة لندن، المكان الذي تتقاطع عليه – رفقة باريس- روايات المغترَب في المشغل الروائي العربي، في أطواره الأولى: «موسم الهجرة إلى الشمال- الحي اللاتيني- أديب ….إلخ» حيث سؤال الهوية التقليدي في امتحان الاغتراب.
ولكنّ لندن أحمد عبد الملك مختلفة، لندن هنا سوق متعة، الصّفة التي وشمت المكان في ربع القرن الأخير في مرآة شرائح اجتماعية مختلفة، حيث يتشظّى مفهوم الاغتراب، فلم يعد سؤال الأنا والآخر مؤرّقاً، إذ بات الوجود العربي جزءاً من حياة لندن، ينضاف إلى ذلك أنها نافذة حرية تلك الصفة القديمة الجديدة التي يأنس إليها الذاهبون إليها.
في (أقنعة) أحمد عبد الملك ثمة رواية الفندق؛ رواية الجنس والجريمة، رواية تستمدّ حيويتها من تنوع شخصياتها التي لا تنتمي إلى بيئة واحدة، على النحو الذي تذكرنا فيه روايات الفندق كما هو الحال في ميرامار نجيب محفوظ، وفندق بيرترام لأغاتا كريستي، والمهرجون لغراهام غرين، وجانب من روايات غادة السمان عن بيروت، إذ تتقاطع هذه الروايات على شخوص السياح الأثرياء، والهاربين من القمع، والنساء الهاربات المتمردات من عوالم الفقر و منظومة القمع الذكوري.
وثمة رواية «شرق المتوسّط» رواية الإدانة و تعرية الأنظمة الأمنية التي وسمت شرق المتوسّط منتصف القرن الماضي، مستعيداً فضاءات عبد الرحمن منيف وغالب هلسا وآخرين.
وثمة رواية أحمد عبد الملك الذي ينزع إلى كتابة نصّ بسيط، لا يخضع لسلطة البلاغة، فكما أن الكاتب مهتم بكشف الأقنعة عن أبطاله، في وقت بدأ فيه الربيع العربي ينزع الأقنعة عن الأنظمة، وهو كذلك ينزع أقنعة المجاز عن لغة السرد، فالنص لا يعتني باللغة العالية ولكنه يتحدث بلغة بسيطة تناسب الجمهور الذي صنع الربيع الذي لم يكن من صناعة النخبة.
يختار الكاتب لأبطاله الهاربين من شرق المتوسّط لندن مكاناً مؤقتاً، ففي الفندق تنشط وبسرعة علاقات عابرة بأهداف محدّدة، شخصيات باحثة عن المتعة والخلاص وأوكسجين الحرية. وفي الرواية ثمة تماهٍ بين أحمد عبدالملك كاتب الروائي الإعلامي الأكاديمي والروائي وخالد بطل روايته الأستاذ الجامعي (المشاغب) والروائي الذي يزور لندن من حين إلى آخر ليكتب بحرية رواية جديدة، و ناصر بطل رواية خالد الجديدة.
فخالد يعيش حياة شخصيات واقعية هاربة للتوّ من الحرّ والرطوبة و القمع الاجتماعي إلى فضاء لندن المختزل بفندق، و يكتب عن ناصر وشيخة وقصة الحب المستحيل بين اثنين ينتميان إلى بنية ديمغرافية لم تنصهر عناصرها، ثمة ما يكتبه خالد من واقع معاناته عن ضيق السلطات بالرأي الآخر، والملاحقات التي تعرّض لها، وهنا يترك أحمد عبد الملك خالد مع بطله ولكنه يتدخّل في كثير من المرات، و تظهر آراؤه التي يعرفها قراؤه في العمل الروائي من حين إلى آخر:
غنوة العربية العاهرة والقوادة، روضة العجوز المتصابية وابنتاها المراهقتان، وأم نورة ونورة الباحثتان عن أحضان دافئة، طالبو المتعة عرب، العاهرات عربيات، نجوم الهايد بارك عرب، لا مكان لإنكليزي في الرواية، لندن مجرد مكان مستعار، لفضاء مؤقت يقضي فيه العربي حاجته للأمان والصخب واللذة، ونحن هنا أمام سمة جديدة تتخلّق في الرواية العربية والخليجية عموماً، يمكن تسميتها رواية السياحة التي تحتمي بالمكان الجديد لتتمرد على واقع اجتماعي « ارتطام لم يسمع له دويّ» للكويتية بثينة العيسى مثالاً.
غنوة: فتاة قادمة من مدن الصفيح في بلد عربي آثر الكاتب إغفال اسمه، تجعل منها تبعات الفقر والحرمان والعادات عاهرة، تأخذها الأحداث إلى حضن جندي إنكليزي يتزوجها ويمنحها الجنسية، ولا يلبثان أن يفترقا، ثم يأخذها زواجها القصير إلى عوالم لندن الخفية حيث تعرض بضاعتها في أماكن وجود السياح من بني جلدتها غالباً.
زوجة التاجر الكهل تهرب إلى لندن وتتصيّد فرص المتعة ولكنها تفاجأ بسعود الشهواني الثري، وثمة خالد الهارب من حياة رتيبة لأستاذ جامعي في الخمسين يعيش لعمله وعائلته الصغيرة، ولكنّ الجانب الآخر من شخصيته يجلب له المتاعب، حيث كتاباته و لقاءاته الصحافية وإبداعه الأدبي، حيث يتعرض للسجن مرتين.
تشتبك الأحداث، وفي الوقت ذاته تنشط الذكريات، وتتداخل قصّتان؛ قصة ناصر وشيخة التي تكتمل، لأن النظام الاجتماعي الصارم يحول دون ذلك، وقصة خالد ومن معه في الفندق، حيث تقترف جريمتان؛ جريمة أمنية يظنّ صاحبها أنه بعيد عن عصا القانون، في استغلال سلطته بضرب ناصر المبرّح مما ولد له عاهة مستديمة، وجريمة أخرى جنائية في الفندق البعيد هناك، حيث يقتل سعود على يد زوجة التاجر انتقاماً لشرفها، وتقترب القصتان من ذروتيهما معاً، فيلقى القبض على جنّة لكنها تكتشف قبل صعود الطائرة، ويفتضح أمرها، ويعود خالد إلى بلاده، أمّا ناصر الذي تعرّض للمضايقة والتعذيب والسجن والضرب وفقد أحد ناظريه جرّاء التعذيب؛ فيعود إلى حياته العاديّة بعد أن انتصرت له سلطات البلاد بعد حراك إعلامي اجتماعي مؤثر، كان نتيجته إطلاق سراح ناصر البريء مما دبّر له، وإقالة رجل الأمن الذي اتخذ من وظيفته وسيلة لإشباع رغباته في التسلط والاستبداد، فيما خالد يركب الطائرة متوجها إلى بلد أوربي سفيراً لبلاده، محتضناً حكايته في شخصية ناصر، وفي شيخة التي ظلّت حبيسة آلامها. شيخة التي لم تكن إلا (وردة) في أحضان المنافي.
يمكن القول إن أحمد عبد الملك في روايته الجديدة يعيد صياغة منجزه الروائي السابق في تنويعة جديدة، لها القول الروائي ذاته، وهو ينظر إلى مجتمعه الخليجي في خضمّ الأحداث العاصفة في الجوار المحيط.
٭ شاعر وناقد سوري
عيسى الشيخ حسن